رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

لسان التمساح.. حين أباد الرفاعي وجنوده القوات الإسرائيلية في ساعتين

عملية لسان التمساح
عملية لسان التمساح

تحل ذكرى واحدة من اقوى العمليات العسكرية في تاريخ حرب الاستنزاف، والتي عكست تحولًا واضحًا في طبيعة الأداء القتالي للقوات المسلحة المصرية، حيث انتقلت من نمط الدفاع والرد التقليدي إلى تنفيذ عمليات نوعية تعتمد على المبادأة والاختراق المباشر لمواقع العدو الاسرائيلي الحصينة. 

ففي عام 1969، نفذت قوة من الوحدات الخاصة عملية “لسان التمساح” شرق قناة السويس، مستهدفة موقعًا عسكريًا إسرائيليًا شديد التحصين، وذلك ردًا على استشهاد الفريق أول عبد المنعم رياض، رئيس أركان حرب القوات المسلحة، الذي استشهد أثناء وجوده بين جنوده على الجبهة. 

جاءت العملية في توقيت دقيق حمل دلالات عسكرية ومعنوية، حيث سعت إلى تأكيد قدرة القوات المصرية على تنفيذ ضربات مركزة خلف خطوط العدو، وتحقيق نتائج حاسمة خلال زمن محدود لم يتجاوز ساعتين من الاشتباك والسيطرة الكاملة على الموقع المستهدف.

بداية التخطيط

في أعقاب استشهاد الفريق عبد المنعم رياض في التاسع من مارس 1969، بدأت القيادة العسكرية في إعداد تصور لعملية رد تحمل طابعًا نوعيًا، بحيث لا تكون مجرد رد ناري، بل عملية اقتحام مباشر تحقق تأثيرًا ميدانيًا واضحًا، وقع الاختيار على موقع “لسان التمساح” نظرًا لموقعه الاستراتيجي شرق القناة، وطبيعته الدفاعية المعقدة التي تتضمن عدة دشم خرسانية محصنة ومجهزة بوسائل مراقبة وإطلاق نار، ما جعله أحد المواقع المهمة في منظومة دفاع العدو على الجبهة. 

جرى تكليف قوة من الوحدات الخاصة بقيادة العقيد إبراهيم الرفاعي بتنفيذ العملية، حيث تم وضع خطة تفصيلية دقيقة شملت تقسيم القوة إلى مجموعات اقتحام، تتولى كل مجموعة استهداف دشمة محددة، إلى جانب مجموعة مسؤولة عن تأمين محيط العملية وقطع أي خطوط إمداد أو تدخل محتمل من جانب قوات العدو، وتضمنت الاستعدادات تجهيز القوارب ووسائل العبور، وتحديد نوعيات الأسلحة المستخدمة، بما في ذلك القذائف المضادة للدبابات، مع اختيار توقيت التنفيذ ليتزامن مع قصف مدفعي كثيف يهدف إلى إرباك العدو وتغطية عملية العبور.

 ساعة التنفيذ

في مساء التاسع عشر من أبريل 1969، تحركت القوة من منطقة الإسماعيلية بعد استكمال كافة التجهيزات، حيث استقلت القوارب لعبور قناة السويس في توقيت محسوب بدقة، تزامن مع قصف مدفعي مكثف نفذته وحدات الجيش الثاني على مواقع العدو في الضفة الشرقية، وأسهم هذا القصف في تشتيت الانتباه وإضعاف قدرة العدو على رصد التحركات، ما أتاح للقوة الوصول إلى الشاطئ الشرقي دون كشف مبكر، ومع بدء الاقتراب من الموقع، توزعت المجموعات وفق الخطة الموضوعة، وبدأت عملية الاقتحام المتزامن للدشم الأربع التي يتكون منها الموقع، حيث اندلعت اشتباكات مباشرة داخل التحصينات، استخدمت خلالها الأسلحة الخفيفة والقنابل اليدوية، في قتال قريب اتسم بالدقة والسرعة، ومع تقدم الاشتباكات، تمكنت القوات من فرض سيطرتها تدريجيًا على مكونات الموقع، مع تقليص قدرة العدو على المقاومة أو إعادة تنظيم صفوفه.

 حسم خلال ساعتين

خلال فترة زمنية لم تتجاوز ساعتين من بدء الاقتحام، كانت القوات المصرية قد نجحت في تحقيق السيطرة الكاملة على موقع “لسان التمساح”، حيث تم تدمير الدشم الخرسانية التي يتكون منها، والقضاء على العناصر المتواجدة داخله، إلى جانب تفجير مخازن الذخيرة وتعطيل الإمكانيات القتالية للموقع بشكل كامل، جرى تمشيط الموقع للتأكد من خلوه من أي عناصر معادية قادرة على المقاومة، كما تم تنفيذ كافة المهام المحددة سلفًا في خطة العملية، وهو ما يعكس درجة عالية من الانضباط والتنفيذ المنهجي، حيث اتسمت العملية بسرعة الحسم، حيث لم تترك فرصة للعدو لإعادة تنظيم دفاعاته أو طلب دعم فعال، ما أدى إلى انهيار كامل في قدرته على التصدي خلال زمن الاشتباك المحدود.

 الانسحاب المنظم

عقب استكمال المهمة، صدرت التعليمات ببدء الانسحاب وفق الخطة الموضوعة مسبقًا، حيث تحركت المجموعات نحو نقاط العبور على القناة، وخلال هذه المرحلة، حاولت بعض وحدات العدو التدخل باستخدام دبابات للتأثير على مسار الانسحاب، إلا أن القوات المصرية تعاملت معها باستخدام القذائف المضادة للدبابات، وتمكنت من تدمير إحداها وإعطاب أخرى، ما حال دون تطور الاشتباك إلى مواجهة أوسع، وفي الوقت نفسه، استمر القصف المدفعي من الضفة الغربية لتأمين مسار العودة، وهو ما وفر غطاءً فعالًا للقوة المنسحبة، تمت عملية الانسحاب بشكل منظم، حيث عادت جميع عناصر القوة إلى قواعدها، مع تسجيل إصابتين طفيفتين فقط، تم التعامل معهما خلال التحرك، ما يعكس دقة التخطيط في مرحلتي التنفيذ والانسحاب على حد سواء.

 خسائر العدو

أسفرت العملية عن خسائر كبيرة في صفوف القوات الإسرائيلية داخل الموقع، حيث قتل ما بين 30 إلى 40 جنديًا وضابطًا، إلى جانب تدمير كامل للتحصينات التي شملت الدشم الخرسانية ومخازن الذخيرة، فضلاً عن تدمير أو إعطاب عدد من الآليات العسكرية المتواجدة في الموقع، كما تمكنت القوات المصرية من الاستيلاء على بعض الأسلحة الخفيفة، في دلالة على إحكام السيطرة خلال زمن العملية، وقد تأخر الإعلان الإسرائيلي عن تفاصيل ما جرى، بينما أكد البيان العسكري المصري نتائج العملية، ما يعكس حجم التأثير الذي أحدثته الضربة على المستوى الميداني والمعنوي.

 أبعاد العملية

جاءت عملية “لسان التمساح” في إطار تصعيد نوعي لعمليات حرب الاستنزاف، حيث اعتمدت القوات المصرية على تنفيذ هجمات مركزة خلف خطوط العدو، تستهدف نقاطه الحصينة بشكل مباشر، بما يحقق تأثيرًا سريعًا ومباشرًا على قدراته الدفاعية، وأظهرت العملية مستوى متقدمًا من التنسيق بين عناصر القوات الخاصة ووحدات المدفعية، بما أسهم في تحقيق عنصر المفاجأة وتأمين مراحل التنفيذ المختلفة، من العبور إلى الاقتحام ثم الانسحاب، كما عكست العملية تطورًا في أساليب القتال، من حيث الاعتماد على وحدات صغيرة عالية الكفاءة، قادرة على تنفيذ مهام معقدة في زمن محدود، وهو ما أصبح لاحقًا أحد ملامح العمليات الخاصة على الجبهة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء