الصدقة الجارية للقوى الناعمة المصرية (2)
الريحاني القدوة.. وكاريوكا والأطرش يتنافسون مع سمراء النيل!
"القوة الناعمة" لمصر لم تكن فقط في إبداع فنانيها، بل في عمق إنسانيتهم وتفاعلهم من المجتمع وقضايا الوطن السياسية والاجتماعية ، من مسرح الريحاني إلى مائدة كاريوكا، ومن مؤسسات مديحة يسري إلى صمت فريد الأطرش، يظل السؤال الأجمل: كيف يتحول الإبداع إلى حياة تُعاش، لا مجرد أعمال تخلد في ذاكرة الفن.
لقد تجاوز نجوم الفن في هليوود الشرق فكرة النجومية التي تتوقف عند حدود الأضواء والتصفيق وارقام تذاكر الجماهير على أبواب السينمات والمسارح، فلم يكتفِ بعض الرواد بتقديم أعمال خالدة، بل أسسوا لنماذج من "العمل الخيري المستدام" الذي يحتذى به من بعدهم لأجيال في مصر والوطن العربي ومعظم نجوم العالم يقتضون بهم حتى الآن، في الجزء الثاني من القوى الناعمة للفن المصري وجب علينا التذكير بأعمال خالدة لنجوم الرعيل الأول، والذين أسسوا لدور الفن في خدمة أعمال الخير.
نجيب الريحاني .. ضحكة المسرح ودموعه
لم يكن رائد الكوميديا نجيب الريحاني مجرد فنان ينجح في رسم الضحكة على وجوه محبيه ، بل كان سباقا في فكرة "الصدقة الجارية " ورغم أنه لم يجمع ثروة طائلة - كما يشاع عنه - ، إلا أنه أدرك أن الاستمرارية في عمل الخير أهم من قيمة المبلغ الذي يتبرع به ، فخصص جزءا ثابتا من إيرادات مسرحه لدعم المحتاجين، خاصة من زملائه الذين لم يحالفهم الحظ في الوسط الفني .
وتتناقل أجيال الفنانين حكايات عن "أظرف مالية" كان يتركها الريحاني لدى باعة متواضعين لتصل إلى الفقراء في صمت، قبل أن يصبح "العمل الخيري غير المعلن" موضة، كما كان داعما خفيا لأجيال من الفنانين الكبار في بداياتهم، ليصبح "أبا معنويا" للكثير من الفنانين يحكى عنه في كواليس الوسط الفني.

مديحة يسري .. سفيرة الإنسانية
لم تكتف النجمة السينمائية المللقبة بسمراء النيل بتألقها على الشاشة، بل تحولت إلى "سفيرة إنسانية" تتنقل بين الفن والعمل المؤسسي، فبعد أن حملت لقب "سفيرة النوايا الحسنة" للأمم المتحدة، نزلت إلى عمق القرى المصرية لتمكين المرأة ودعم الأسر الأكثر احتياجًا.
لم يكن دورها شكليا، بل أسهمت في تمويل مشروعات صغيرة للأرامل، وساعدت في تحسين الوعي الصحي في المناطق الفقيرة، كما تركت بصمة ملموسة في منطقة المهندسين، حيث بنت مسجدا ألحقت به مركزا طبيا بأسعار رمزية، وداخل جمعية "الوفاء والأمل" لجيهان السادات، كرست جهودها لمصابي الحروب وذوي الإعاقة.
وفي وصيتها الأخيرة، أوصت بتوجيه جزء كبير من ممتلكاتها لدعم الأيتام، مؤكدة أن النجومية الحقيقية هي ما يبقى بعد الرحيل.

تحية كاريوكا .. راقصة القصور المنحازة للفقراء
عُرفت الفنانة تحية كاريوكا بالجرأة وقوة الشخصية، فكانت نموذجا فريدا للفنانة المنحازة للناس على طول الخط، في خمسينيات القرن الماضي، كانت "الداعم الخفي" للحركة العمالية، توفر الغذاء لأسر المضربين لضمان صمودهم في معاركهم الاجتماعية.
وفي سنواتها الأخيرة، تحول منزلها إلى ملجأ للفنانات اللاتي ضاقت بهن السبل ، أما "مائدة الست تحية" في رمضان، فكانت مشهدا يوميا للكرم الشعبي، يجتمع حولها عمال النظافة وعساكر المرور والفقراء ، حتى في لحظاتها الأخيرة، أوصت برعاية طفلة كانت قد تبنتها، في رسالة إنسانية تجاوزت حدود الفن والحياة ، وتستحق أعمال كاريوكا الإنسانية والخيرية مقالات وتحقيقيات صحفية منفصلة يكفي أن نذكر منها تبرعها بشقتها الخاصة بتفاصيل تدعونا للتوقف أمام شخصيتها النادرة.

محمود المليجي: الطيب الشرير
رغم أدواره الشريرة التي خلدها الفنان الراحل محمود المليجى المللقب بشرير السينما، لكنه كان "أبو اليتامى" كما لقبه زملاؤه ، فقد اهتم طوال حياته بالفنانين البسطاء، خاصة من تقدم بهم العمر دون مورد ثابت، وساهم في الدفع نحو إنشاء صناديق رعاية اجتماعية داخل الوسط الفني.
كان من أوائل المنادين بنظام تكافل يحمي الفنان بعد انتهاء نجوميته، وهي فكرة أصبحت اليوم ركيزة أساسية في النقابات الفنية.

فريد الأطرش .. أمير العطاء
جسد الموسيقار الكبير فريد الأطرش نموذج "الكرم النبيل" الذي لا يبحث عن شهرة، كان منزله مفتوحا يوميا للمحتاجين، وتحول إلى "ديوان إنساني" لا ينقطع عنه الزوار، كما كان يخصص مبالغ شهرية لعشرات الأسر، وبنى مساجد وجدد أخرى، ودعم مرافق طبية وتعليمية، رافضا تماما وضع اسمه على أي عمل خيري.

ولم يقتصر عطاؤه على الأفراد، بل امتد إلى القضايا الوطنية فقد تبرع بإيرادات حفلاته لدعم المجهود الحربي وإعادة إعمار مدن القناة بعد نكسة 1967، وحتى بعد رحيله، استمر إرثه عبر مبادرات تحمل اسمه لدعم الموسيقيين والفنانين المتعثرين.
والحديث متواصل عن عطاء أهل الفن وصدقاتهم الجارية..