رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في لحظات التحول الكبرى، يبدو المشهد العام وكأنه يتحرك بسرعة تفوق قدرة التحليل التقليدي على الاستيعاب، تتداخل الأصوات، تتزاحم الوقائع، وتتصاعد وتيرة الأحداث على نحو يخلق انطباعا دائما بأننا أمام حالة من الفوضى أو الارتباك ، لكن القراءة الهادئة، التي تضع كل عنصر في سياقه، تكشف أن ما يبدو صخبا قد يكون في حقيقته تعبيرا عن مرحلة إعادة ترتيب أعمق، تتجاوز ظاهر الأزمة إلى جوهر التغير.

 

المشهد الراهن، سواء على المستوى الداخلي أو الإقليمي، يعكس حالة من الضغط المركب، اقتصاديا، تواجه الدول تحديات ممتدة تتعلق بارتفاع تكاليف المعيشة، وضغوط الأسواق العالمية، وتقلبات سلاسل الإمداد وسياسيا، تفرض البيئة الدولية حالة من عدم اليقين، حيث تتغير موازين القوى، وتتبدل أنماط التحالفات، وتتصاعد الأزمات الإقليمية بوتيرة غير مسبوقة، في مثل هذا السياق، يصبح اتخاذ القرار أكثر تعقيدا، ليس فقط بسبب صعوبة الخيارات، ولكن أيضًا بسبب تشابك نتائجها.

 

ورغم هذا الصخب، فإن جوهر الإدارة الرشيدة للأزمات لا يكمن في كثافة القرارات، بل في دقتها وتوقيتها، الدولة التي تدير أزمتها بوعي لا تسعى إلى إرضاء اللحظة بقدر ما تسعى إلى تأمين المسار، وهنا تبرز أهمية ما يمكن تسميته بـ“السياسة الهادئة”، تلك التي تتحرك بعيدا عن ردود الفعل الانفعالية، وتعتمد على قراءة متأنية للمعطيات، وتوازن بين ضرورات الحاضر ومتطلبات المستقبل.

 

القرارات الاقتصادية التي قد تبدو قاسية في ظاهرها، غالبا ما تكون انعكاسا لاعتبارات أوسع تتعلق بالحفاظ على الاستقرار العام، إدارة الموارد في أوقات الأزمات تفرض إعادة ترتيب الأولويات، وتوجيه الإنفاق نحو ما يحقق أكبر قدر من الكفاءة، هذا لا ينفي حجم الضغوط التي يتحملها المواطن، لكنه يضعها في إطار أوسع من محاولة احتواء تداعيات أزمة عالمية ممتدة، لا تملك أي دولة رفاهية تجاهلها.

 

وفي موازاة ذلك، يظل البعد الأمني عنصرا حاكما في فهم المشهد، فالدولة التي تواجه تحديات اقتصادية لا يمكنها أن تسمح بفتح جبهات اضطراب داخلي أو تهديدات أمنية متزامنة، ومن ثم، فإن الحفاظ على الاستقرار لا يعد خيارا سياسيا فحسب، بل ضرورة استراتيجية تفرض نفسها على أولويات صانع القرار، وهذا ما يفسر استمرار التركيز على أدوات الردع والوقاية، ليس باعتبارها إجراءات استثنائية، بل كجزء من منظومة حماية شاملة.

 

أما على المستوى الإقليمي، فإن الصخب يبدو أكثر حدة، الأزمات الممتدة، والصراعات المتداخلة، والتنافس بين القوى الكبرى، كلها عوامل تجعل من المنطقة ساحة مفتوحة لاحتمالات متعددة، وفي مثل هذا المناخ، يصبح الحفاظ على التوازن مسألة شديدة الحساسية، حيث يتطلب الأمر قدرة على المناورة، ومرونة في إدارة العلاقات، دون التفريط في الثوابت الأساسية.

 

لكن وسط هذا التعقيد، تبرز نقطة جوهرية: أن الصخب ليس دائما مؤشرا على غياب الرؤية، بل قد يكون نتيجة طبيعية لمرحلة انتقالية تعاد فيها صياغة القواعد وهنا تكمن أهمية القراءة الهادئة، التي لا تنساق وراء الانطباعات السريعة، ولا تختزل المشهد في لحظته الراهنة، بل تنظر إليه باعتباره عملية ممتدة، لها مقدمات ونتائج.

 

الإعلام، بدوره، يلعب دورا محوريا في تشكيل هذا المشهد، فبين السعي إلى نقل الحقيقة، والرغبة في جذب الانتباه، قد يميل الخطاب أحيانا إلى تضخيم بعض الزوايا على حساب أخرى وهو ما يجعل من الضروري التعامل مع ما يطرح بحس نقدي، يميز بين الوقائع والتفسيرات، وبين الخبر والانطباع فالمعرفة الدقيقة لا تتشكل من متابعة الحدث فقط، بل من فهم سياقه وربطه بما يحيط به من معطيات.

 

وفي قلب هذا كله، يبقى العامل الأكثر تأثيرا هو وعي المجتمع، فالدول لا تعبر أزماتها بقرارات الحكومة وحدها، بل بمدى استعداد المجتمع لتحمل التحديات، وتفهم طبيعة المرحلة، والمشاركة في جهود التكيف معها، الوعي هنا لا يعني القبول السلبي، بل الإدراك القائم على الفهم، الذي يسمح بتمييز ما هو مؤقت مما هو هيكلي، وما هو قابل للتغيير مما يفرض نفسه بحكم الواقع.

 

إن المشهد الصاخب الذي نعيشه اليوم قد يستمر لفترة، وقد تتغير ملامحه بتغير الظروف، لكن ما يبقى ثابتا هو أن إدارة هذا الصخب تتطلب قدرا من الهدوء في الرؤية، والدقة في التقدير ، فليست كل أزمة إعلانا عن انهيار، كما أن ليست كل خطوة تراجعا بين هذين الحدين تتحرك السياسة، محاولة أن توازن بين الممكن والمطلوب، وبين الضغوط والفرص.

 

وفي النهاية، ربما تكون القيمة الحقيقية لأي قراءة سياسية ليست في قدرتها على إطلاق الأحكام السريعة، بل في قدرتها على الفهم ، فهم ما يجري، ولماذا يجري، وإلى أين يمكن أن يتجه، وفي زمن يعلو فيه الصوت، تصبح القراءة الهادئة ليست مجرد خيار، بل ضرورة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء