لا حيلة لنا فيما فرضته الحرب علينا..
هذا أمر منطقي؛ لكن ما حيلتنا إن كانت قد تبقت لنا حيلة؟
في مشهد سينمائي أيقوني، كان العازفون مستمرون في العزف والسفينة تغرق، لم يكن ذلك في اعتقادي انفصالًا عن الواقع أو إنكارًا له؛ وإنما استمرارًا في ممارسة الحياة حتى النفس الأخير، وهذا وحده ما يمكن للإنسان فعله حين يسود الضباب وتبدو النهاية مقبلة بلا شك.. حينها تُولَد حياة جديدة من رحم استقبال النهاية، لأنه لا نهاية إلا وتعقبها بداية، تمامًا كما أن لكل بداية نهاية.
من الصعب الانخراط في أفكار نظرية ونحن نواجه واقعًا يفرض نفسه، نحتاج فيه لاتخاذ خطوات واقعية عاجلة للتعامل أو التأقلم مع ظرف صعب، أو حتى للنجاة بأرواحنا؛ لكنه "الاختيار".. ففي هذه اللحظة تحديدًا يكون علينا الاختيار: اختيار الموت أو اختيار الحياة، مهما حمل ذلك من معانٍ.
يختار البعض الاستسلام، الاستسلام لمخاوف هي في الحقيقة مؤكدة، الاستسلام لمجيء النهاية، معنويةً كانت أو ملموسة، أما البعض الآخر فيختار المقاومة، مقاومة الخوف والاستسلام لما قد أصبح أمرًا واقعًا، لا يعني اختيار النجاة أننا نعرف ما سيحدث لاحقًا، فربما أن ما سيحدث ليس أمرًا سارًا، إلا أنها قوانين الحياة، تتابع الأحداث وإن كانت جسامًا، لا يتبقى لنا سوى أن نمارس ما نعرفه: أن نحيا وحسب.
ولأن الأمر هنا هو أكبر من مشاعر عاطفية وحسب، علينا الإقرار أن اختيار النجاة يعني أيضًا إعادة رسم حياتنا، ترتيب أولوياتنا، والتي ربما بدا لنا أنها مرتبة أساسًا، لكن حين تأزف الآزفة، ندرك أن بإمكاننا إعادة ترتيبها مجددًا بغرض النجاة، الأمر ليس سهلًا، ولا مستحيلًا، وحدها الشعوب التي مرت بالمحن تمتلك تلك الخبرة، وهي أيضًا تعرف معنى وقيمة الحياة أكثر من غيرها، ومن يقول بغير ذلك واهم.
لا يعرف قيمة الشيء أكثر ممن حُرِمَ منه، وقد عانت البشرية طويلًا بحق، ولم تعرف عصور سلام طويلة، لكنها الآن تستبدل السلام بالرفاهية، وربما أن هذا هو الدرس الجديد الذي ستختبره هذه المرة، صحيح أن بلدانًا عديدة تعاني من ويلات الحروب، لكن بلدانًا أكثر تنعم برفاهية أتاحتها التكنولوجيا، حتى أصبح التصور السائد هو أن الأخيرة هي وحدها مستقبل العالم المشرق، برغم ما لمسناه جميعًا من أضرار وما نحمله من مخاوف نتيجة الاستخدام غير الرشيد لتلك التكنولوجيا، والتي جعلتنا نعيد تعريف العلاقات الإنسانية ومسلمات الحياة، وأن نُحرم من بديهياتها ومسلماتها كالنوم العميق والتواصل الإنساني الطبيعي، وصارت الوفرة العلمية والمادية موجهة نحو إنتاج بدائل للإنسان الذي صار تعريف الحياة عنده مشوهًا!
هل هذا الكلام يبدو فلسفيًا ونظريًا في وقت يعاني فيه الجميع من "ضيق الخلق"؟ الإجابة هي نعم! لأن هذا هو الوقت المناسب لإعادة تعريف الأشياء، استعادة الثقة في البديهيات والمسلمات، إعادة الاعتبار إلى الإنسانية، وهلم جرا.
علينا إعادة التفكير فيما فُرِضَ علينا من سلوكيات شرهة أورثتنا قلقًا غير مبرر شوّه إحساسنا بالحياة، علينا إعادة طرح أسئلة مثل: لماذا نعيش؟ وكيف نحيا؟ علينا التفكير في شره الشراء والخضوع لوباء التسوق بلا هدف، علينا استبدال الخوف من الغد باليقين بالله ودعم أواصر الروابط الإنسانية، علينا خلق مجتمعات تنبض بالحياة واحترام الماء والهواء والأشجار بدلًا من فرط الاتصال عبر أجهزة المحمول وتطبيقاته.
علينا أن نسأل أنفسنا: ماذا نحن فاعلون بعد أن ينجينا الله من قلق الحرب ونيرانها؟
حينها فقط سندرك اختياراتنا الحقيقية التي تجعلنا مستحقين لنعمة الحياة، فلا حياة دون اختيار، ولا اختيار دون ثمن.