رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الحرب على إيران تهدد بسقوط الإمبراطورية الأمريكية

دونالد ترامب
دونالد ترامب

يبدو أن الهجوم العسكري الأمريكي الأخير على إيران يشبه محاولات تاريخية يائسة لاستعادة مجد إمبراطوري آخذ في التلاشي مثل العدوان الثلاثي على مصر بحسب موقع “ذا ناشيونال”.

تصاعدت أعمدة الدخان فوق طهران عقب انفجار تم الإبلاغ عنه في 28 فبراير 2026، في مشهد يعكس تصاعد حدة المواجهة.

في الفصل الأول من روايته الصادرة عام 1874 «العصر المذهب»، أشار مارك توين إلى فكرة لافتة حول العلاقة بين الماضي والحاضر، قائلاً إن التاريخ لا يعيد نفسه، لكن الحاضر غالباً ما يُبنى من شظايا أساطير قديمة.

ومن بين هذه “الأساطير”، تبرز أزمة السويس 1956 كواحدة من أهم النماذج لفهم ما قد تؤول إليه التدخلات الأمريكية الحالية في إيران. ففي ذلك العام، وبعد قرار الرئيس المصري جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس، شنّت بريطانيا وفرنسا، بدعم إسرائيلي، هجوماً عسكرياً واسعاً دمّر القدرات الجوية المصرية خلال أيام قليلة.

العدوان الثلاثي على مصر
العدوان الثلاثي على مصر

ورغم التفوق العسكري الساحق، تمكن ناصر من تحقيق اختراق استراتيجي حين أغلق القناة بإغراق سفن قديمة، ما أدى إلى شلّ إمدادات النفط إلى أوروبا. 

وبحلول نهاية الأزمة، انسحبت بريطانيا مهزومة، وتعرضت لعقوبات دولية، وتراجعت مكانتها كقوة إمبراطورية كبرى.

 

وجاء هذا الانتصار بفضل الصمود المصري وسكان محافظات القناة “بورسعيد، السويس، الإسماعيلية” وحمل مليوني مصري السلاح وقاتلوا ضد الغزاة ثم بعد الحرب سلموا السلاح للدولة.

يرى المؤرخون أن هذه الحالة تمثل ما يُعرف بـ”العسكرة المصغّرة”، حيث تلجأ الإمبراطوريات المتراجعة إلى تدخلات عسكرية يائسة لاستعادة نفوذها. وبالنظر إلى تراجع النفوذ الأمريكي في أوراسيا، يبدو أن الهجوم الأخير على إيران يحمل سمات مشابهة.

ورغم أن التاريخ لا يتكرر حرفياً، فإن المقارنة تطرح تساؤلاً جوهرياً: هل تتحول الحرب الحالية إلى نسخة أمريكية من أزمة السويس؟ وحتى في حال نجاح واشنطن في تغيير النظام في طهران، فإن التجارب السابقة تشير إلى أن النتائج لن تكون استقراراً أو ازدهاراً.

تأميم قناة السويس
تأميم قناة السويس

70 عاماً من محاولات تغيير الأنظمة

خلال العقود السبعة الماضية، سعت الولايات المتحدة إلى تغيير أنظمة حكم في مناطق متعددة، بداية عبر عمليات سرية لوكالة الاستخبارات المركزية خلال الحرب الباردة، ثم عبر تدخلات عسكرية مباشرة لاحقاً. ورغم اختلاف الأساليب، بقيت النتائج متشابهة: اضطرابات طويلة وعدم استقرار سياسي.

في عام 1953، دعمت واشنطن انقلاباً أطاح بحكومة منتخبة في إيران بعد تأميم النفط، ما مهد لاحقاً لاندلاع الثورة الإسلامية عام 1979. 

وفي جواتيمالا، أدى تدخل مشابه إلى حرب أهلية استمرت 30 عاماً. كما شهدت الكونغو نتائج كارثية بعد الإطاحة بزعيمها المنتخب.

وفي العقود الأخيرة، تكررت النتائج ذاتها في أفغانستان والعراق وليبيا، حيث خلفت التدخلات حروباً طويلة وأنظمة هشة أو سلطوية.

تداعيات جيوسياسية خطيرة

على غرار ما فعلته مصر بإغلاق قناة السويس، اتخذت إيران خطوات أثرت بشكل مباشر على الاقتصاد العالمي، عبر استهداف الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات الطاقة العالمية.

أدت هذه الهجمات إلى تعطّل حركة ناقلات النفط وارتفاع أسعار الطاقة والغاز، مع تداعيات امتدت إلى الأمن الغذائي العالمي بسبب ارتفاع أسعار الأسمدة. كما أن تركّز الاستثمارات الضخمة في منطقة الخليج يجعل أي اضطراب فيها ذا تأثير عالمي واسع.

ورغم كثافة الضربات الجوية الأمريكية، يرى التحليل أن تأثيرها الاستراتيجي محدود مقارنة بحروب كبرى سابقة، في حين تمتلك إيران قدرات كبيرة من الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة، ما يخلق معادلة استنزاف قد لا تصب في صالح واشنطن.

حدود القوة الأمريكية

في ظل صعوبة التدخل البري، تسعى الولايات المتحدة إلى استغلال الانقسامات الداخلية في إيران، بما في ذلك الورقة الكردية. إلا أن التجارب السابقة تشير إلى محدودية هذا النهج، خاصة في ظل تردد القوى الإقليمية وعدم حماسها للانخراط.

ومع تراجع الدعم الدولي مقارنة بتحالفات سابقة مثل حرب الخليج 1991، يبدو أن النفوذ الأمريكي في أوراسيا يشهد انحساراً تدريجياً.

نهاية محتملة لنفوذ مهيمن

كما ارتبط اسم رئيس الوزراء البريطاني أنتوني إيدن بفشل أزمة السويس، قد ينظر المؤرخون مستقبلاً إلى دونالد ترامب باعتباره مسؤولاً عن تآكل النفوذ الأمريكي عبر مغامرات عسكرية محدودة الأثر.

في أوقات الاضطراب، تظل دروس التاريخ حاضرة؛ إذ تُظهر كيف يمكن للحروب أن تسرّع أفول القوى الكبرى، وكيف يهمس الماضي للحاضر—كما يحدث اليوم في مضيق هرمز.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء