الأزمة الأفغانية الباكستانية: تصعيد يهدد بالانفجار رغم محاولات التهدئة
دخلت العلاقات بين أفغانستان وباكستان مرحلة بالغة التعقيد، بعد موجة تصعيد غير مسبوقة كشفت عن هشاشة التفاهمات الأمنية بين البلدين، وأعادت إلى الواجهة صراعًا تاريخيًا ظل لسنوات يتحرك تحت السطح، قبل أن ينفجر مجددًا في صورة مواجهات عسكرية مباشرة واتهامات متبادلة.
وجاءت التطورات الأخيرة، وعلى رأسها اتهام الحكومة الأفغانية لإسلام آباد بشن غارة جوية استهدفت مستشفى في كابول وأسفرت عن سقوط نحو 400 قتيل، لتضع الأزمة على حافة مرحلة جديدة أكثر خطورة، خاصة مع نفي باكستان للواقعة وتأكيدها أنها استهدفت "بنى إرهابية" بدقة، في مشهد يعكس حجم الفجوة بين الروايتين، ويؤكد عمق أزمة الثقة بين الطرفين.

تصعيد متعدد المستويات
لم يعد التوتر بين الجانبين مقتصرًا على الاشتباكات الحدودية التقليدية، بل تطور إلى نمط من التصعيد المركب، يشمل غارات جوية داخل العمق الأفغاني، وهجمات بطائرات مسيّرة على مواقع باكستانية، واشتباكات مباشرة على طول الحدود، وحرب تصريحات إعلامية وسياسية، ويعكس هذا التصعيد المتسارع انتقال الأزمة من "احتكاك حدودي" إلى "مواجهة شبه مفتوحة"، خاصة مع توسع نطاق العمليات لتشمل عدة ولايات أفغانية، إلى جانب استهداف مواقع داخل الأراضي الباكستانية.
جذور الصراع
تعود جذور الأزمة إلى ما يُعرف بـ"خط ديورند"، الذي رسمته بريطانيا عام 1893، وقسم مناطق البشتون بين أفغانستان وما أصبح لاحقًا باكستان، ومنذ ذلك الحين، لم تعترف كابول رسميًا بهذا الخط كحدود دولية، بينما تعتبره إسلام آباد حدًا سياديًا نهائيًا، ما خلق نزاعًا بنيويًا ظل يتجدد مع كل أزمة، وتزداد خطورة هذا الملف بسبب الامتدادات القبلية العابرة للحدود، والطبيعة الجغرافية الوعرة، وصعوبة ضبط التحركات المسلحة.

ما بعد طالبان
مثّلت عودة حركة طالبان إلى الحكم في كابول عام 2021 نقطة تحول حاسمة، إذ كانت باكستان تراهن على حكومة موالية تحقق لها "العمق الاستراتيجي"، إلا أن الواقع جاء مغايرًا، إذ أظهرت طالبان في نسختها الجديدة استقلالية واضحة، ورفضت الانخراط في سياسات التبعية، ما أدى إلى تراجع النفوذ الباكستاني، وتحول العلاقة من شراكة غير معلنة إلى صراع مفتوح.
طالبان باكستان
يُعد ملف "تحريك طالبان باكستان" (TTP) المحرك الرئيسي للتصعيد، حيث تتهم إسلام آباد كابول بإيواء عناصر الحركة التي تنفذ هجمات دامية داخل باكستان، في المقابل، تنفي طالبان هذه الاتهامات، وتعتبرها ذريعة لانتهاك سيادة أفغانستان، ما يجعل هذا الملف نقطة اشتعال دائمة، ويقوض أي محاولة لبناء الثقة. وقد شهدت باكستان خلال العامين الأخيرين تصاعدًا حادًا في الهجمات المسلحة، مع تسجيل آلاف القتلى، ما دفعها إلى تبني خيار "الضربات الاستباقية" داخل الأراضي الأفغانية.
من الغارات إلى الرد بالمسيّرات
التطور الأخطر في المشهد تمثل في انتقال كابول إلى الرد العسكري المباشر، عبر استخدام الطائرات المسيّرة لاستهداف مواقع عسكرية داخل باكستان، وهو ما يعكس تحولًا نوعيًا في قواعد الاشتباك، كما شهدت الحدود عمليات توغل متبادل، وسيطرة مؤقتة على نقاط عسكرية، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات تصعيد أوسع، إذا استمرت هذه الديناميكيات.

التدهور الاقتصادي
لم تقف تداعيات الأزمة عند الجانب العسكري، بل امتدت بقوة إلى الاقتصاد في البلدين، خاصة مع إغلاق المعابر الحدودية بشكل متكرر، فعلى سبيل المثال تشهد أفغانستان نقص حاد في السلع الأساسية، وارتفاع الأسعار بشكل كبير، وتعطّل سلاسل الإمداد، وتوسع التهريب، بينما في باكستان تشهد هي الأخرى خسائر في الصادرات، وتراجع النفوذ التجار، وارتفاع تكاليف النق، وفقدان دورها كممر نحو آسيا الوسطى، وبذلك، تتحول المعابر الحدودية من شريان حياة اقتصادي إلى أداة ضغط سياسي.
تهدئة بلا ضمانات
رغم الوساطات الإقليمية، خاصة من قطر وتركيا، والتوصل إلى اتفاقات لوقف إطلاق النار، فإن هذه التهدئة ظلت هشة وقابلة للانهيار، ويرجع ذلك إلى غياب الثقة بين الطرفين وعدم شمول الاتفاقات لجميع الفاعلين، خاصة جماعة "طالبان أفغانستان"، فضلًا عن تضارب المصالح الإقليمية، كما أن مفاوضات إسطنبول تعكس إدراكًا متبادلًا بخطورة التصعيد، لكنها في الوقت نفسه تكشف محدودية الخيارات المتاحة.
اتهامات متبادلة
وجاء فشل المحادثات في إسطنبول بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في الدوحة في أكتوبر الماضي، ولم تتوصل الجولة الثانية من المفاوضات في إسطنبول الأسبوع الماضي إلى اتفاق طويل الأجل بسبب الخلاف حول الجماعات المسلحة المعادية لباكستان والتي تعمل داخل أفغانستان، وسط تأكيدات من جانب باكستان بأن الأزمة مع الجانب الأفغاني تتمثل في دعم الجماعات المعادية.

وترى باكستان أن اتفاق وقف إطلاق النار قد يصمد إذا استطاعت "طالبان الأفغانية" منع أي هجمات من أراضيها ضد الأراضي الباكستانية، وقال وزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف إن محادثات السلام مع أفغانستان في إسطنبول، والتي كانت تهدف إلى منع تجدد الاشتباكات الحدودية، انهارت، مضيفًا أن وقف إطلاق النار سيصمد طالما لم تكن هناك هجمات من الأراضي الأفغانية.
وتشير أصابع الاتهام الباكستانية إلى دور الهند في الأزمة القائمة بين الجانبين، حيث اعتبر وزير الدفاع الباكستاني أن أصحاب القرار في كابول يخضعون لسيطرة دلهي، مؤكدًا أن "الهند تستخدم الأراضي الأفغانية لشن حرب بالوكالة ضد باكستان لتعوض هزيمتها على الحدود الغربية عبر كابول، فهي تريد خوض حرب منخفضة الشدة مع باكستان، ولهذا تستخدم أفغانستان".
وتواصل "أفغانستان" نفيها للاتهامات الباكستانية بالسماح باستخدام الأراضي الأفغانية من جانب الجماعات المتطرفة، مشيرًا إلى أن المناقشات لم تُسفر عن نتائج ملموسة بسبب وجود خلافات حول المسؤوليات الأمنية، مؤكدًا التزام أفغانستان بعدم السماح لأحد باستخدام أراضيها ضد دولة أخرى، مؤكدًا في الوقت نفسه أن طالبان ستدافع بحزم عن شعب أفغانستان وأرضها ضد أي عدوان.
في المقابل، ألقت الحكومة الباكستانية باللوم على "طالبان أفغانستان"، معتبرة أن الحكومة الأفغانية لم تلتزم بتعهداتها لتحقيق الأمن في الأراضي الباكستانية، حيث قال وزير الإعلام الباكستاني عطا الله تارار إن حركة طالبان الأفغانية فشلت في الوفاء بالتعهدات التي قطعتها للمجتمع الدولي بشأن الحد من الإرهاب بموجب اتفاق السلام الذي أبرم في الدوحة عام 2021، في إشارة إلى "التزام طالبان بعدم استخدام الأراضي الأفغانية من جانب الجماعات المتطرفة".
وتأتي هذه التصريحات من جانب وزير الإعلام الباكستاني في الوقت الذي يؤكد فيه أن باكستان تتعامل بـ"حسن النية" مع الجانب الأفغاني، وأن إسلام آباد تواصل سعيها إلى السلام وحسن النية للأفغان، لكنها ستتخذ جميع الإجراءات اللازمة لحماية شعبها وسيادتها، معتبرًا أن باكستان لن تدعم أي خطوات تتخذها حكومة طالبان لا تصب في مصلحة الشعب الأفغاني أو الدول المجاورة.

سيناريوهات مفتوحة
في ضوء المعطيات الحالية، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية، أولها "التهدئة الهشة"، خاصة في ظل استمرار وقف إطلاق النار مع وقوع اشتباكات متقطعة، دون حل جذري للأزمة، وثانيها "تثبيت الاستقرار"، وهذا يتطلب قدرة طالبان على ضبط الجماعات المسلحة، وهو أمر غير مضمون، بينما يدور السيناريو الثالث في نطاق "التصعيد الواسع"، في ظل انهيار المفاوضات واتساع العمليات العسكرية، مع احتمالات تدخل إقليمي.
أزمة بلا نهاية قريبة
تكشف الأزمة الأفغانية الباكستانية عن واقع معقد يتجاوز حدود النزاع التقليدي، حيث تتداخل فيه اعتبارات الأمن مع التاريخ، والجغرافيا مع السياسة، فالصراع ليس وليد اللحظة، بل هو نتاج تراكمات ممتدة، تبدأ من "ديورند" ولا تنتهي عند "طالبان باكستان"، مرورًا بأزمة الثقة وفشل استراتيجيات النفوذ.
ختامًا:
يمكن القول إنه في ظل التوترات الحالية من المستبعد صمود وقف إطلاق النار بشكل دائم إذا لم يتم اتخاذ خطوات فعلية من جانب طالبان الأفغانية ومحاولة احتواء الجماعات المتطرفة التي لا زالت تنفذ هجمات على الأراضي الباكستانية، إلا أن ذلك لا يعني الانهيار الكامل لوقف إطلاق النار أو التصعيد المفتوح، في ظل حاجة الطرفين للتهدئة، وفي الوقت نفسه اهتمام أطراف دولية بالوصول إلى توافقات بين الجانبين ومنع التصعيد والمساعي المستمرة لوقف إطلاق النار.