خلف كل مائدة رمضانية عامرة تسرُّ الناظرين، تختبئ قصة استنزافٍ صامتة، وبطلةٌ منهكة تقضي نهارها في "معتقلٍ" اختياري يسمى المطبخ، لقد تحول رمضان في مخيلتنا الجمعية، وللأسف من موسمٍ لتحرير الروح من قيود المادة، إلى موسمٍ لتقييد المرأة بسلاسل القدور وأبخرة القلي، وكأن قداسة الشهر لا تكتمل إلا بقدر استهلاكها البدني والنفسي خلف الأبواب المؤصدة.
إننا أمام معضلةٍ ثقافية تحتاج إلى مكاشفة؛ فبينما يتباحث الرجال في "فلسفة الصيام" ويستمتعون بطمأنينة التراويح، تجد المرأة العربية نفسها في سباقٍ مع الزمن، محاصرةً بين قائمة طلباتٍ لا تنتهي وطقوسٍ استهلاكية حولت الإفطار من "كسرٍ للجوع" إلى "استعراضٍ للقوة" الطبخية، هل سألنا أنفسنا يوماً: متى تذوقت هذه المرأة حلاوة السكون التي نتشدق بها؟ ومتى وجدت متسعاً لترتيل آيةٍ دون أن يقاطعها نضجُ طبقٍ أو احتراقُ آخر؟ إننا، ومن حيث لا نشعر، قد سجنّا روحانيات نصف المجتمع في "صينية فرن"، وجعلنا رضاها الروحي معلقاً برضا الأفواه الجائعة عن طعم الملح والتوابل.
هذا "الاستهلاك الأنثوي" في رمضان هو ضريبةٌ باهظة تدفعها المرأة من رصيدها الروحي والصحي. فالمسألة ليست مجرد تعبٍ جسدي يزول بالنوم، بل هي شعورٌ مرير بالتقصير تجاه النفس وتجاه الخالق؛ شعورٌ بالذنب يطاردها لأنها لم "تختم" ولم "تعتكف"، بينما الحقيقة هي أن المطبخ قد التهم وقتها المقدس بوعاءٍ كبير، لقد خلقنا نموذجاً مشوهاً "للبركة"، نموذجاً يربط كرم البيت بكثرة الأصناف، لا بصفاء الأرواح، مما حول المرأة من "شريكة في العبادة" إلى "مزوّد للخدمة"، في مفارقة صارخة لجوهر الصيام الذي جاء ليعلمنا الزهد والتبسط.
لقد آن الأوان لكسر هذه الأصنام المطبخية، وإعادة تعريف "بركة البيت"، البركة ليست في مائدةٍ تمتدُّ أمتاراً ويُلقى نصفها في الحاويات، بل في قلبٍ يجدُ وقتاً ليلهج بالذكر، وفي جسدٍ لا يصله وقت الإفطار وهو في حالة انهيارٍ شامل، إن إنصاف المرأة في رمضان يبدأ من مراجعة الرجل لشهواته، ومن مراجعة العائلة لمفهوم "الاحتفاء"؛ فالأم أو الزوجة ليست "آلة طهي" مباركة، بل هي إنسانٌ يتوقُ لرمضان يغسل روحه كما يغسل أرواحنا جميعاً.
إن التحرر من عبودية الأصناف هو العبادة المنسية التي نحتاجها اليوم، أن نأكل لنعيش، لا أن نعيش لنطبخ ونأكل؛ هذا هو الشعار الذي يجب أن يُرفع فوق أبواب بيوتنا، حين نخفف من غلواء الموائد، فنحن لا نوفر المال فقط، بل نهدي "السكينة" لتلك المرأة التي تستحق أن يكون لها نصيبٌ من ليلة القدر، ونصيبٌ من خلوة الفجر، بعيداً عن ضجيج الأطباق وصيحات الجائعين.
في نهاية المطاف، رمضان هو دعوة للجميع ليتخففوا من أحمالهم، وليس ليزيدوا أحمال الآخرين، وإن أعظم "طبق" يمكن أن يُقدم على المائدة، هو مائدةٌ تسودها المحبة والرحمة، حيث الجميع شركاء في الصوم، والجميع شركاء في الأجر، والجميع بلا استثناء يملكون الوقت ليسجدوا طويلاً تحت ضوء اليقين، دون أن تشغلهم "رائحةُ احتراقٍ" آتية من جهة المطبخ.