مع تصاعد التوترات بين إيران وخصومها الإقليميين والدوليين، أصبح الشرق الأوسط اختباراً استراتيجياً للعالم أجمع، فهو ليس فقط مسرحاً لصراعات إقليمية أو حرب تقليدية، بل مؤثراً على محيط حيوي، حيث تحولت سواحل القرن الإفريقي إلى نقاط حرجة في صراع على النفوذ العسكري والاقتصادي، بفعل انعكاس التوتر في الشرق الأوسط -بسرعة- على حركة التجارة العالمية والأمن البحري. حيث لم تعد الدول المطلة على البحر الأحمر والممرات البحرية الحيوية الأخرى تراقب من بعيد، بل أصبحت عرضة مباشرة لتداعيات النزاعات الإقليمية، في حين يبحث العالم عن طرق لتأمين حركة التجارة الحيوية.
أصبح البحر الأحمر الذي يربط الخليج بالمحيط الهندي وأوروبا عبر قناة السويس مختبراً يحدد ملامح النظام الإقليمي القادم، فهو ليس مجرد طريق للتجارة. ودول القرن الإفريقي -ذات الهياكل السياسية والاقتصادية الهشة- باتت عرضة لتأثير التنافس الإقليمي والدولي، وأضحت الموانئ والبنى التحتية البحرية أدوات ضغط استراتيجية ونفوذ واستغلال خارجي، مع تنامي خطر تعمق الانقسامات الداخلية وتهديد الاستقرار بفعل التدخل الخارجي المحتمل، فمع تصاعد الحرب في الشرق الأوسط، قد تتحول بعض دول شرق أفريقيا إلى ساحات نفوذ متنافسة، ما يزيد الانقسامات الداخلية ويعقد جهود الاستقرار الإقليمي. وجود القواعد العسكرية سواء للقوى الغربية أو الإقليمية المنتشرة على طول السواحل، يكشف عن إدراك عالمي واضح لحقيقة أن السيطرة على البحر الأحمر تعني النفوذ في اقتصاديات العالم والتأثير على الأمن البحري. وفي ظل تصاعد الحرب، يمكن للأحداث في الخليج العربي أن تصل بسرعة إلى البحر الأحمر دون مواجهة تقليدية مباشرة.
مفاتيح ومعابر
تمثل كل من السودان وإرتريا وإثيوبيا مرجحات أساسية في المعادلة القادمة، فالسودان الذي يقف اليوم عند مفترق حيوي، يمتلك طولاً ساحلياً وسيطاً على البحر الأحمر يجعله عنصراً محورياً في الأمن ونقطة استراتيجية في الحسابات الإقليمية، لكن النزاع السوداني الداخلي منذ منتصف أبريل 2023 وضعف مؤسسات الدولة فتح الباب أمام تدخلات متعددة من قوى إقليمية تسعى لترسيخ حضورها العسكري والاقتصادي، بدرجة لم يعد معها الساحل السوداني مجرد حدود تحت السيطرة، بل أحد مفاتيح النفوذ الخارجي في البحر الأحمر، ما يجعل أي تغير في التوازنات هناك مؤثراً على كامل القرن الإفريقي والبحر الأحمر، بل قد يمتد الأثر حتى وسط وغرب وشرق وشمال أفريقيا.
ولأن البحر الأحمر وقناة السويس يمثلان شرياناً للأمن القومي والاقتصاد المصري، فإن أي تهديد للملاحة يمثل تهديداً مباشراً لمصالحها بما يتطلب حضورها الفاعل دائماً، خصوصاً في ظل سعي إثيوبيا -رغم كونها دولة حبيسة- للحصول على منافذ بحرية لتعزيز حضور استراتيجي عبر موانئ السودان وجيبوتي أو إرتريا إذا تمكنت من ذلك، وهو ما يرجح توقع تصاعد افتعال أديس أبابا لتوترات مع القاهرة حول موضوع مياه النيل وسد النهضة، وزيادة تعقيد التوازن بين الأمن البحري والمائي بطريقة غير مسبوقة بهدف الوصول إلى تسوية سياسية مريحة ومربحة، تعينها على تطويق الأزمات الداخلية على الأقل.
وفي الأثناء تبرز إرتريا كـ "لاعب صغير بحضور كبير"، فاستقرارها أو انخراطها في أي صراع إقليمي يمكن أن يغير موازين القوى في البحر الأحمر ويؤثر بشكل مباشر على السودان واليمن وجيبوتي، وقد يجعل المنطقة أكثر عرضة للتوترات الإقليمية والدولية، لكن قد تتجنب أسمرا ذلك، وفق اختيار نوع التعاطي المتصل غالباً بأزمات تخصها. المهم أن إرتريا -رغم صغر مساحتها وقلة سكانها- تحتل موقعاً استراتيجياً عند مدخل البحر الأحمر الجنوبي على مضيق باب المندب، ما يمنح موانئ مثل "عصب" ومرافئ أخرى دوراً حساساً تضاعفت أهميته الآن بعد أن غدت نقاطاً محورية ستتحرك وتتنافس القوى الكبرى والإقليمية على النفوذ فيها -مع أو ضد- سواء عبر الاستثمار أو الدعم العسكري المباشر.
الهندي والسافنا بديلاً للسويس
في دوائر عالمية كبرى يتردد مؤخراً الحديث عن إمكانية إنشاء خط بري يربط شرق إفريقيا بغربها لتقليل الاعتماد على قناة السويس، وإعادة توزيع القوة في التجارة البحرية العالمية عبر تفعيل (حزام السافنا الإفريقي) بالتوازي مع تنشيط حركة الملاحة بين موانئ المتوسط والساحل الأطلسي، والحركة العرضية بين دول شرق وغرب البحر الأحمر، ضمن مشروع يهدف إلى تغيير قواعد اللعبة بإنشاء شبكة بديلة للتجارة العالمية تربط الموانئ الهندية والصينية بخليج عدن والبحر الأحمر وصولاً إلى أوروبا دون المرور بقناة السويس، وهي فكرة قد تنشط الجنوب بحسابات معينة تؤدي إلى شلل شمال البحر الأحمر نظرياً، لكن الواقع يكشف عقبات استراتيجية واقتصادية ضخمة تجعل التنفيذ صعباً، من بين تلك العقبات طول المسافات وضعف البنية التحتية وتعقيدات البيئة الأمنية والسياسية على امتداد الدول التي تشكل الحزام القاري، ما يتطلب نوعاً من إجراء "التسويات السياسية" أو اتخاذ "الخطوات العسكرية" التي تمهد لإتمام فكرة الانعتاق من الشروط المحكومة بجغرافيا المضائق البحرية.
عملياً تبقى قناة السويس الممر الأكثر كفاءة واستراتيجية، لكن رغم ذلك فمجرد التفكير في البدائل يعكس قلقاً عالمياً من توترات بحرية محتملة، أو ململة من السيادة والتحكم في الممرات، ويبين التفكير في "مشروع بديل" أن البحر الأحمر سيظل نقطة اشتباك استراتيجية حيوية، كما يؤكد أهميته كممر لا غنى عنه ومرجح استراتيجي لتوازن القوى في المنطقة، وأن السيطرة على ممراته البحرية أحد أهم عناصر حسم التنافس الدولي وإرساء موازين القوى المستقبلية.
محاور متعارضة
الواقع والواضح أن البحر الأحمر لن يكون مجرد طريق للتجارة، بعد أن أصبح مختبراً استراتيجياً لتحديد ملامح النظام الإقليمي والعالمي القادم، حيث تتحرك مصالح دولية وإقليمية -من السودان إلى عمق القرن الإفريقي، ومن مصر إلى مضيق باب المندب، ومن اليمن والسعودية إلى الخليج، ومن إسرائيل إلى أوروبا وأمريكا، ومن المتوسط حتى جبل طارق، وعمقاً حتى غرب أفريقيا- تتقاطع عند هذا الممر الحيوي، تنطلق من منصة ضرورة إحداث تغيير في السيطرة على البحر الأحمر لما له من انعكاس مباشر على النظام الإقليمي وأمن التجارة العالمية، ما يجعل المنطقة واحدة من أكثر نقاط التوتر والحساسية في العالم، وما سيضاعف الخطط الاستباقية التي ستدفع بها كل الأطراف تحسباً للسيناريوهات المحتملة.
من المفيد النظر للتشابك بين الحرب والاقتصاد والسياسة، والأمن البحري والبري، عند القراءة المستقبلية للمعطى الإفريقي ومنطقة البحر الأحمر، فهي مفاتيح لفهم الراهن وتوقع التحولات الاستراتيجية المقبلة، فالحرب الحالية في الشرق الأوسط ليست محض صراع إقليمي، بل هي من عوامل إعادة تشكيل شامل للنظام الإقليمي والدولي.
على أي قراءة مستقبلية للمنطقة أن تراعي هذا التشابك، بمنظور يستوعب (المشاريع الكبرى) واشتغال المختبرات الاستراتيجية التي تسعى لتحديد ملامح النظام الإقليمي والعالمي القادم، الذي يستصحب أيضاً توقع تقطعات محتملة مع مشروع معاكس هو أيضاً (دولي/ أيديولوجي/ متعدد الإثنيات) يمتد مع خطوط الطول من شمال وغرب أفريقيا إلى الوسط والشرق والجنوب، ينطلق من رؤية أن السيطرة على الممرات الحيوية البرية والبحرية ومكامن الثروات من الخطوات الحاسمة، وهو ما ينذر بظهور تحالفات وتخالفات أفريقية جديدة قد تنشأ على التشكيلات ذات الصبغة الدينية النشطة الآن.