إيفو أندريتش| الكاتب الذي لا يعرف نفسه.. بين جسر درينا وعالم الأدب
تحل اليوم ذكرى وفاة الكاتب والصحفي البوسني إيفو أندريتش، الذي ولد في عام 1892 في قرية دولاتس التابعة لمدينة ترافنيك بـ البوسنة والهرسك، وكانت ولادته بداية رحلة حياة محفوفة بالتحديات والقصص التي ستشكل كتاباته لاحقًا.
فقد فقد والده وهو لم يتجاوز العامين، وهو حدث جسيم ترك أثره النفسي العميق على شخصيته، وجعل تجاربه العاطفية والاجتماعية جزءًا لا يتجزأ من رؤيته الأدبية، أنهى أندريتش دراسته الثانوية بصعوبة في سراييفو، عاصمة البوسنة، لكنه أصر على متابعة شغفه بالأدب، فدرس الأدب في ثلاث دول أوروبية مختلفة، زغرب، فيينا، وبولندا، في رحلة تعليمية صقلت تجربته الثقافية ومنحته معرفة واسعة بلغات وثقافات متعددة، وهو ما انعكس في أعماله الأدبية التي تمتاز بالعمق والثراء الثقافي.
الدبلوماسية والتجوال الأوروبي
بعد إتمام دراسته، بدأ أندريتش حياته المهنية كدبلوماسي يمثل يوغوسلافيا في أكثر من عشر مدن وعواصم أوروبية، وهو ما منح تجربته الشخصية بعدًا عالميًا ومعرفة واسعة بالسياسة والثقافات المختلفة.
هذا التنقل المستمر بين الدول والبعثات الدبلوماسية أتاح له فرصة مراقبة المجتمعات الأوروبية عن كثب، ورصد التغيرات الاجتماعية والسياسية، وهو ما ظهر جليًا في كتاباته التي تناولت قضايا الصراع البشري، السلطة، والتاريخ.
وبالرغم من أنه بوسني الأصل، أعلن أندريتش أنه صربي، ما يعكس تعقيدات الهوية الوطنية في منطقة البلقان التي كانت تتجزأ سياسيًا بعد انهيار يوغوسلافيا، وهو صراع ثقافي ونفسي أثر بشكل كبير على رؤيته للأدب والمجتمع.
إبداع أدبي خالد.. جسر بين الثقافات
حاز أندريتش على جائزة نوبل في الأدب عام 1961، اعترافًا بمسيرته الطويلة في الكتابة التي تمزج بين الأدب والتاريخ والسياسة، ومن أشهر أعماله: «جسر على نهر درينا»، «فيل الوالي»، و«الآنسة إيماءات»، حيث تتسم كتاباته بالعمق التاريخي والفلسفي، وتظهر تأثير تجاربه المبكرة في الطفولة، فقدان الأب، وعالم الحرب والسياسة في البلقان.
في حوار أجرى معه عام 1961، وصف نفسه بأنه “من فئة الكتاب الذين لا يعرفون أنفسهم”، معبرًا عن شعور دائم بالتواضع والخوف، وكأنه يحاول باستمرار اكتشاف معنى الكتابة لكل نص جديد يقدمه، وهي صفة أعطت أعماله روحًا حقيقية وعاطفية، بعيدًا عن الغرور الأدبي أو الادعاء.
ختام الرحلة ووفاته
توفي إيفو أندريتش عام 1975 في بلجراد، يوغوسلافيا، بعد حياة حافلة بالكتابة والتجوال والخدمة الدبلوماسية. وقد ترك إرثًا أدبيًا غنياً ومتعدد الأبعاد، يمزج بين الأدب والتاريخ والثقافة الأوروبية والبوسنية، كما ترك أثرًا واضحًا على الأجيال اللاحقة من الأدباء في المنطقة وخارجها.
بعد وفاته، شهد إرثه جدلاً حول الهوية الوطنية بين صربيا والبوسنة وكرواتيا، حيث سعى كل طرف لربط إنجازاته بأصوله، لكن الأهم من ذلك، أنه ترك للأدب العالمي نصوصًا خالدة تنقل تجربة إنسان عاش الصراعات العاطفية والاجتماعية والسياسية بمنظور فريد، وهو ما يجعل ذكرى وفاته لحظة لتقدير مسيرة الكاتب الذي تجاوز الحدود الوطنية ليصبح صوتًا عالميًا في الأدب.