رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

بعد ضرب إيران.. هل تغيرت أولويات السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط؟تقرير

قوة دولية في الشرق
قوة دولية في الشرق الأوسط

شهدت السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط خلال السنوات القليلة الماضية، تحولات واضحة في طبيعة الأولويات والأدوات المستخدمة لتحقيق أهدافها، ومع ذلك لا يعني هذا التحول أن الولايات المتحدة قررت الانسحاب من المنطقة أو التخلي عن مصالحها فيها، بل يعكس في الواقع عملية إعادة ترتيب للأهداف والوسائل بما يتلاءم مع التغيرات التي يشهدها النظام الدولي.

وفي هذا الإطار يحاول هذا التقرير التحليلي توضيح ما إذا كانت أولويات السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط قد تغيرت فعلًا، وما طبيعة هذا التغيير والأسباب التي تقف وراءه، وإليكم التالي:-

تغير ترتيب الأولويات الاستراتيجية

على مدى عقود طويلة كان الشرق الأوسط يمثل محور اهتمام رئيسي للسياسة الخارجية الأمريكية، خاصة بعد هجمات 11 سبتمبر، وما تبعها من تدخلات عسكرية واسعة في أفغانستان والعراق، فقد وضعت واشنطن حين ذاك المنطقة في مقدمة أولوياتها الاستراتيجية، بسبب قضايا مكافحة الإرهاب وأمن الطاقة وحماية حلفائها.

السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط 
السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط 

لكن في السنوات الأخيرة، بدأت الملامح تحول تدريجيًُا وتظهر في طريقة النظر الأمريكية إلى المنطقة، فمع صعود قوى دولية جديدة وتزايد المنافسة العالمية، أصبح تركيز واشنطن يتجه بشكل أكبر نحو مناطق أخرى، وفي مقدمتها شرق آسيا، حيث تنظر الولايات المتحدة إلى الصين باعتبارها المنافس الاستراتيجي الأهم على الساحة الدولية.

ولهذا السبب باتت الاستراتيجيات الأمنية الحديثة في الولايات المتحدة تعطي أولوية أكبر لردع الصين وتعزيز القدرات الاقتصادية والتكنولوجية والصناعية الأمريكية، وفي ظل هذا التوجه الجديد لم يُعد الشرق الأوسط يحتل الموقع نفسه الذي كان يشغله في العقود السابقة، بل أصبح يأتي في مرتبة أدنى نسبيًا ضمن سلم الأولويات الاستراتيجية.

إذ يرتبط هذا التحول أيضًا بتغير النظرة الأمريكية لطبيعة التهديدات العالمية، حيث لم تُعد واشنطن ترى أن الخطر الرئيسي على مصالحها يتركز فقط في الشرق الأوسط، بل أصبح مرتبطًا بدرجة كبيرة بالمنافسة الجيوسياسية مع القوى الكبرى مثل الصين وروسيا.

التدخل العسكري المباشر لإدارة الصراعات 

في الماضي اعتمدت الولايات المتحدة بشكل كبير على التدخل العسكري المباشر في الشرق الأوسط، وهو ما ظهر بوضوح في الحروب التي خاضتها في العراق وأفغانستان، حيث نشرت قوات عسكرية كبيرة وانخرطت في عمليات طويلة ومكلفة سياسيًا واقتصاديًا.

أما في المرحلة الحالية، فيبدو أن واشنطن تحاول الابتعاد عن هذا النوع من الحروب الطويلة التي استنزفت قدراتها لسنوات، وبدلًا من ذلك تتجه السياسة الأمريكية نحو أساليب أخرى لإدارة الصراعات في المنطقة، مثل الاعتماد على الردع العسكري المحدود، واستخدام الأدوات الدبلوماسية، وتعزيز دور الحلفاء الإقليميين في التعامل مع الأزمات.

السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط 
السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط 

وتشير العديد من التحليلات الاستراتيجية إلى، أن الولايات المتحدة باتت تركز أكثر على إدارة الأزمات والحفاظ على قدر من الاستقرار السياسي بأقل تكلفة ممكنة، بدلًا من الانخراط المباشر في عمليات عسكرية واسعة النطاق.

ومع ذلك لا يعني هذا التحول، أن البُعد العسكري اختفى من السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، بل ما زال حاضرًا لكنه أصبح أكثر انتقائية ويرتبط بقضايا محددة، مثل مواجهة النفوذ الإيراني أو حماية الملاحة الدولية في الخليج.

تنامي البعد الاقتصادي والتكنولوجي مع المنطقة

من بين الملامح الجديدة التي برزت في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة، تزايد الاهتمام بالتعاون الاقتصادي والتكنولوجي مع دول المنطقة، خاصة دول الخليج التي تمتلك موارد مالية كبيرة وتسعى إلى تطوير اقتصاداتها.

وفي هذا السياق تحاول الولايات المتحدة تعزيز شراكاتها مع هذه الدول في مجالات متعددة مثل الطاقة والتكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي وسلاسل التوريد العالمية؛ إذ يعكس هذا التوجه تحولًا تدريجيًا من التركيز التقليدي على الجوانب الأمنية والعسكرية فقط؛ لتوسيع العلاقات لتشمل مجالات اقتصادية وتقنية أكثر تنوعًا.

كما تسعى واشنطن من خلال هذه الشراكات إلى دمج اقتصادات الشرق الأوسط بشكل أكبر في النظام الاقتصادي العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه الحد من التوسع الاقتصادي المتزايد للصين في المنطقة.

السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط 
السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط 

استمرار القضايا التقليدية في التأثير على السياسة الامريكية

رغم من كل هذه التحولات، ما زالت هناك ملفات تقليدية تلعب دورًا مهمًا في تحديد طبيعة السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، ومن بين هذه القضايا الصراع مع إيران وبرنامجها النووي، وكذلك أمن إسرائيل بجانب حماية طرق الطاقة والممرات البحرية الاستراتيجية مثل مضيق هرمز، فضلًا عن استمرار جهود مكافحة التنظيمات المتطرفة.

وتظهر التوترات العسكرية التي شهدتها المنطقة في الفترة الأخيرة، بما في ذلك التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، أن واشنطن ما زالت مستعدة للتدخل عندما ترى أن مصالحها الاستراتيجية أو مصالح حلفائها معرضة للخطر.

كما تؤكد هذه الأزمات، أن استقرار الشرق الأوسط ما زال يؤثر بشكل مباشر في أسواق الطاقة العالمية وفي الاقتصاد الدولي، الأمر الذي يجعل المنطقة تحتفظ بأهمية استراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة رغم التغير في ترتيب الأولويات.

صعود قوى دولية في الشرق الأوسط

من العوامل التي دفعت الولايات المتحدة إلى إعادة تقييم سياستها في الشرق الأوسط تزايد حضور قوى دولية أخرى في المنطقة، وعلى رأسها روسيا والصين، فدولة موسكو تمكنت خلال السنوات الماضية من تعزيز وجودها العسكري والدبلوماسي في عدد من دول الشرق الأوسط، بينما وسعت الصين نفوذها الاقتصادي عبر الاستثمارات الضخمة ومشروعات البنية التحتية والتعاون التجاري مع العديد من دول المنطقة.

وقد دفع هذا الواقع الولايات المتحدة إلى محاولة الحفاظ على نفوذها التقليدي في الشرق الأوسط؛ لكن من خلال وسائل مختلفة تعتمد بشكل أكبر على الشراكات الاقتصادية وبناء التحالفات الإقليمية بدلًا من الاعتماد الكامل على القوة العسكرية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء