الجامعات المصرية فى مواجهة "خطر الترامادول والحشيش"|خاص
قال الدكتور محمد فوزى عبدالعال ، أستاذ الطب المخ والأعصاب والطب النفسى بكلية الطب جامعة أسيوط ، أن مبادرة "جامعة خالية من الإدمان" ، تنطلق في لحظة فارقة من مسار حماية الشباب المصري، كأحد أهم التحركات الوقائية الحديثة التي تستهدف بناء بيئة جامعية صحية نفسيًا وسلوكيًا، وليس فقط أكاديميًا.
وأضاف أن المبادرة تأتي في إطار رؤية وطنية تستهدف الانتقال من مرحلة علاج الإدمان بعد وقوعه، إلى مرحلة منعه قبل أن يبدأ، وذلك تحت إشراف الأستاذ الدكتور محمد فوزي عبد العال أستاذ المخ والأعصاب والطب النفسي بكلية الطب جامعة أسيوط، وبالتعاون مع صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي، في نموذج تكاملي يجمع بين العلم، والوقاية، والدعم النفسي داخل الحرم الجامعي. فاليوم لم تعد الجامعة مجرد قاعات محاضرات أو امتحانات، بل أصبحت مساحة اجتماعية ونفسية يعيش فيها الطالب أخطر مرحلة انتقالية في حياته، مرحلة تتشكل فيها الهوية، وتتزايد فيها الضغوط، ويصبح فيها الفرد أكثر عرضة لتجربة سلوكيات خطرة بدافع الفضول أو الهروب أو محاولة التكيف.
وأكد الدكتور محمد فوزى ، أن الدراسات الحديثة تشير إلى انتشار ملحوظ لتعاطي بعض المواد بين طلاب الجامعات، حيث تصل نسبة التدخين الحالي إلى نحو ٨.٩٪، واستخدام المهدئات بدون إشراف طبي إلى ٤.٣٪، وتعاطي الحشيش إلى ٣.٦٪، والكحول إلى ٢.٧٪، كما أظهرت دراسات أخرى أن نسبة التعاطي مدى الحياة قد تصل إلى ٦.٥٪، مع ارتباط واضح بعوامل مثل الذكورة، والعمر فوق ٢٠ عامًا، والتدخين، والبيئة الحضرية، بينما برز الترامادول والحشيش في السنوات الأخيرة كأكثر المواد تداولًا بين بعض الطلاب، مع وصول نسبة المشكلات المرتبطة بالتعاطي إلى ٤.٤٪، وهي أرقام لا يمكن تجاهلها في ظل ارتباطها المباشر بارتفاع معدلات الاكتئاب والقلق واضطرابات التكيف.
ومن هنا تنبع أهمية أن تقاد المبادرة من منظور الطب النفسي، لأن الإدمان ليس مجرد سلوك منحرف أو انحراف أخلاقي كما يعتقد البعض، بل هو اضطراب معقد يرتبط بعوامل نفسية واجتماعية وبيولوجية، وغالبًا ما يبدأ كآلية هروب من الضغوط أو الألم النفسي، ولذلك فإن الوقاية الحقيقية تبدأ بفهم الدوافع وليس فقط منع السلوك، وهو ما تسعى إليه المبادرة عبر نشر الوعي العلمي حول العلاقة بين الضغوط النفسية والتعاطي، وتدريب الطلاب على مهارات المواجهة الصحية مثل إدارة القلق والتعامل مع الفشل وضغوط الدراسة، إلى جانب إنشاء وحدات دعم نفسي داخل الجامعات تقدم الاستشارة المبكرة قبل أن يتحول التعاطي إلى اعتماد مرضي، مع إطلاق برامج "من طالب إلى طالب" التي تعتمد على نشر الوعي عبر الأقران، وهي إحدى أكثر الوسائل تأثيرًا في تعديل السلوك داخل المجتمعات الشبابية.
كما تستند المبادرة إلى نماذج مصرية ناجحة تم تنفيذها في جامعات مثل دمنهور وبنها وطنطا وأسوان، حيث تم تنظيم ندوات وورش عمل ومسابقات طلابية وإدراج محتوى توعوي ضمن الأنشطة الجامعية، وأثبتت هذه التجارب أن الوقاية داخل الحرم الجامعي أكثر فاعلية بكثير من التدخل بعد وقوع الإدمان. كذلك تستلهم المبادرة خبرات عربية رائدة مثل مشروع "نبراس" في المملكة العربية السعودية الذي ركز على الوقاية المجتمعية داخل المؤسسات التعليمية عبر حملات توعوية ومعارض وفعاليات رياضية وثقافية، وأسهم في رفع معدلات الوعي بخطورة المخدرات وتقليل الاتجاهات الإيجابية نحو التعاطي بين الشباب، وبرامج التوعية الجامعية في دولة الإمارات العربية المتحدة التي اعتمدت على دمج التثقيف النفسي مع الأنشطة الطلابية داخل الجامعات بالتعاون مع مراكز التأهيل، مما ساعد في تحسين نسب الكشف المبكر وتوجيه الحالات المعرضة للخطر إلى خدمات الدعم النفسي.
وفي الأردن، اعتمدت بعض الجامعات على نموذج الزيارات الميدانية إلى مراكز علاج الإدمان، وهي تجربة أثبتت قدرتها على خلق صدمة معرفية إيجابية لدى الطلاب من خلال رؤية النتائج الواقعية للتعاطي، مما أدى إلى انخفاض الميل لتجربة المواد المخدرة بين المشاركين في هذه البرامج. أما في الكويت، فقد أطلقت مبادرة "خلك على وعي" التي امتدت لعام كامل داخل الحرم الجامعي عبر محاضرات مفتوحة وأنشطة شبابية، وأسهمت في تعزيز مهارات اتخاذ القرار لدى الطلاب وتقليل السلوكيات الخطرة المرتبطة بالضغوط.
وتتوسع دائرة الاستفادة لتشمل تجارب عربية إضافية، حيث أطلقت سلطنة عمان برامج توعوية جامعية بالتعاون مع وزارة الصحة ركزت على بناء المهارات الحياتية مثل ضبط الانفعال واتخاذ القرار، وهو ما انعكس على انخفاض نسب السلوكيات عالية الخطورة بين الطلاب المشاركين. وفي مملكة البحرين، تم إدماج التوعية بمخاطر المخدرات ضمن برامج الإرشاد الأكاديمي داخل الجامعات، مما ساعد على اكتشاف مبكر للحالات المعرضة للخطر قبل تطور التعاطي إلى إدمان. أما في المغرب، فقد شهدت بعض الجامعات مبادرات شبابية بالتعاون مع جمعيات المجتمع المدني ركزت على الوقاية من خلال الأنشطة الرياضية والفنية، وأسهمت في تعزيز الانتماء الإيجابي وتقليل الشعور بالاغتراب، وهو أحد العوامل النفسية المرتبطة بالتعاطي.
وفي تونس، تم إطلاق حملات توعوية داخل الجامعات بالتعاون مع المؤسسات الصحية ركزت على العلاقة بين الصحة النفسية والإدمان، وأسهمت في زيادة طلب الطلاب على خدمات الدعم النفسي بدلًا من اللجوء إلى سلوكيات هروب غير صحية. كما نفذت الجزائر برامج تثقيفية جامعية بالتعاون مع أجهزة مكافحة المخدرات ركزت على بناء الوعي المجتمعي، وأسفرت عن ارتفاع معدلات المشاركة الطلابية في الأنشطة الوقائية.
وأشار الدكتور محمد فوزى إلى ان هذه التجارب العربية المتنوعة تؤكد أن الوقاية داخل المؤسسات التعليمية تمثل أحد أكثر الاستثمارات المجتمعية استدامة، لأنها تستهدف المرحلة العمرية الأكثر قابلية للتأثر، وتسهم في بناء حصانة نفسية طويلة المدى. فالمبادرة لا تستهدف فقط منع التعاطي، بل تهدف إلى بناء عقلية مقاومة للضغوط، لأن الطالب الذي يمتلك مهارات المواجهة والدعم النفسي أقل عرضة للوقوع في دائرة الإدمان، وهو ما ينعكس إيجابيًا على المجتمع ككل من خلال تقليل التسرب الجامعي، وتحسين الإنتاجية، ودعم الاستقرار الأسري، ورفع جودة الحياة النفسية.
وفي ظل التحولات الرقمية والضغوط الاجتماعية المتزايدة، يصبح الاستثمار في الوقاية النفسية داخل الجامعات استثمارًا في مستقبل الوطن نفسه، حيث إن حماية طالب اليوم تعني حماية قوة العمل والعقل المنتج غدًا.
ومن هنا تدعو المبادرة جميع الجامعات المصرية إلى تبني هذا النموذج الوقائي المتكامل، عبر دمج التوعية النفسية ضمن الأنشطة الجامعية، وتفعيل وحدات الدعم النفسي، وتعزيز التعاون مع الجهات المتخصصة، بما يسهم في بناء جيل واعٍ قادر على النجاح دون الوقوع في فخ الإدمان، وتحويل الحرم الجامعي إلى مساحة آمنة تدعم الصحة النفسية كما تدعم التفوق العلمي.
وأختتم الدكتور محمد فوزى تصريحاته الخاصة ، مؤكدا ان "جامعة خالية من الإدمان" ليست مجرد شعار، بل رؤية لمستقبل يصبح فيه الطالب المصري محصنًا نفسيًا قبل أن يكون متفوقًا أكاديميًا، وقادرًا على مواجهة الحياة دون الحاجة إلى الهروب، وهي الخطوة التي قد تصنع الفارق الحقيقي بين مجتمع يعالج الأزمات بعد وقوعها، ومجتمع يمنعها قبل أن تبدأ.