رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

"دولة الجامعات الأهلية"صراع النفوذ وتضارب المصالح يزلزل أركان المنظومة|خاص

وزير التعليم العالى
وزير التعليم العالى والبحث العلمى

بين "كراسي مزدوجة" ورواتب فلكية تحول التعليم العالي إلى ساحة لتبادل المناصب بين "الحرس القديم" و"القيادات الحالية" فى "الجامعات الأهلية"، وفى الوقت الذى تضخ الدولة مليارات الجنيهات لبناء صروح تعليمية ذكية تتمثل في "الجامعات الأهلية"، تطل برأسها أزمة حوكمة تنذر بتقويض هذا المشروع القومي، ولم تعد القضية مجرد "تخبط إداري"، بل تحولت إلى ما يشبه "الظاهرة القانونية" التي تسمح بجمع رئيس واحد بين رئاسة جامعتين (حكومية وأهلية)، في مشهد يضرب عرض الحائط بمبدأ الفصل بين الاختصاصات والعدالة الغائبة، ومع تواتر أنباء عن تعديل اللوائح في "ساعات حرجة" لإقصاء لجان وزارية وتعيين شخصيات بعينها، ينفتح الملف الأكثر سخونة على طاولة وزير التعليم العالي: هل نحن أمام "سبوبة" مغلفة بإطار أكاديمي؟وهل ضاع استقلال "الأهلية" في دهاليز "الجامعات الأم"؟ ولماذا هناك تجميد لمسابقات رؤوساء الجامعات الاهلية الذيت تقدموا للترشح على هذا المنصب . 

 

وفي الوقت الذي تتجه فيه أنظار الدولة المصرية نحو تعزيز الاستثمار في العقل البشري عبر "الجامعات الأهلية"، ككيانات مرنة تكسر قيود البيروقراطية، تبرز إلى السطح أزمة إدارية وقانونية تضرب مفهوم "الحوكمة" في مقتل، لاسيما ملف ازمة التخبط الإداري في الجامعات الأهلية و"السيطرة" على المناصب، لان ما كشفته الأيام الأخيرة من تضارب في اللوائح، وتعديلات مفاجئة في "الوقت الضائع"، يضع استقلال هذه الجامعات ومصداقية مسابقات اختيار قياداتها في مهب الريح. بين لجان وزارية تجتمع وقرارات "مجالس حكومية" تُلغي تلك الاجتماعات، يبرز السؤال الأهم: هل تُدار الجامعات الأهلية لمصلحة التعليم، أم لتكريس نفوذ وتأمين مناصب مستقبلية؟

لغز تعديل المادة (14) وتجميد مسابقات رؤساء الجامعات

قال الدكتور عادل النجدي، عميد كلية التربية الأسبق، إنه في ظل اهتمام الدولة بالتعليم العالي، أنشأت الدولة عدد 4 جامعات أهلية بالعام 2020 هي الجلالة وسلمان والمنصورة الجديدة والعلمين، وتم تعيين رؤساء لتلك الجامعات ونواب وعمداء للكليات وأعضاء هيئة تدريس، بحيث أصبحت جامعات متكاملة. وفي الفترة من 2022 وحتى 2025 تم افتتاح 22 جامعة أهلية منبثقة عن الجامعات الحكومية، وتم تكليف رؤساء الجامعات الحكومية بتولي رئاستها.

 

وفي محاولة لاستكمال الهيكل الإداري والأكاديمي لتلك الجامعات، أعلن مجلس الجامعات الأهلية في 28 يوليو 2025 فتح باب الترشح لرئاسة عدد من الجامعات الأهلية المنبثقة عن الجامعات الحكومية، ومنها:جامعة الزقازيق الأهلية ،جامعة المنصورة الأهلية ، جامعة شرق بورسعيد الأهلية ،جامعة أسيوط الأهلية ،/جامعة جنوب الوادي الأهلية.

 

وبدأ المرشحون في التقدم بأوراقهم خلال الفترة من 10 إلى 18 أغسطس 2025، وأُجريت المقابلات – وفقًا لما نُشر على الصفحة الرسمية للمجلس – اعتبارًا من 13 سبتمبر 2025، حيث استعرض المرشحون خططهم لتطوير تلك الجامعات، وكان الجميع في انتظار صدور قرار اختيار رؤساء الجامعات الأهلية.

 

 لغز جامعة أسيوط وتعديل اللائحة

غير أن المشهد شهد تطورًا مفاجئًا، كما يقول الدكتور عادل النجدى ، تمثل في صدور قرار من مجلس جامعة أسيوط الحكومية بتعديل المادة (14) من لائحة الجامعة الأهلية المنبثقة عنها، بحيث يُسند اختيار رئيس الجامعة الأهلية إلى مجلس أمنائها بدلًا من لجنة الاختيار الوزارية، استنادًا إلى موافقة مجلس الجامعات الأهلية رقم (16) المنعقد في 21 يوليو 2025 على تعديل ذلك البند.

 

تساؤلات جوهرية 

يثير هذا القرار عددًا من التساؤلات الجوهرية التي تضع النظام الإداري التعليمي في مواجهة مباشرة مع الحقائق:

 

أولًا: كيف يصدر قرار في 21 يوليو 2025 بتعديل آلية الاختيار، ثم يُعلن بعد أسبوع واحد فقط – في 28 يوليو 2025 – فتح باب الترشح وفق اللائحة السابقة، مع تحديد الإجراءات واستقبال الطلبات وإجراء المقابلات على أساسها؟ أليس من مقتضيات الاستقرار الإداري والقانوني توحيد المرجعية قبل الشروع في تنفيذ الإجراءات؟

 

ثانيًا: ما علاقة مجلس جامعة حكومية بتعديل بند في لائحة جامعة أهلية يُفترض أنها تتمتع باستقلال مالي وإداري؟ وإذا كان التعديل ضروريًا، فلماذا لم ينعقد مجلس أمناء الجامعة الأهلية ليقرر تعديل لائحتها بنفسه؟ ولماذا الإصرار على تدخل مجلس الجامعة الحكومية في قرارات جامعة أهلية لها لائحتها المستقلة وكيانها القانوني؟

 

ثالثًا: ما مصير من تقدموا للترشح لرئاسة الجامعة الأهلية، وهم أساتذة لهم مكانتهم العلمية والإدارية، وبعضهم رؤساء جامعات سابقون؟ 

أليس من غير اللائق أن يُقال لهم إن إجراءات الترشح أصبحت غير ذات محل بسبب تعديل لاحق؟ وماذا عن اللجنة الوزارية التي ضمت قامات علمية ووزراء سابقين، واجتمعت وأجرت مقابلات واختارت في ضوء برامج مقدمة ومعايير معلنة؟ هل يُعقل أن يُقال إن اختياراتها أصبحت غير قانونية، وأن مجلس أمناء الجامعة هو الجهة المختصة بالاختيار؟ ومن يتحمل مسؤولية ما أُنفق من مال عام على انتقالات وبدلات وجهود تلك اللجان؟

 

رابعًا: لماذا تُعد جامعة أهلية واحدة من بين هذه الجامعات هي التي غيّرت لائحتها؟ وأين بقية الجامعات الأهلية من هذا القرار؟ وهل أصدرت مجالس الجامعات الحكومية الأخرى قرارات مماثلة بتعديل لوائح جامعاتها الأهلية، أم أن الأمر اقتصر على حالة بعينها؟

 الدكتور عادل النجدي
 الدكتور عادل النجدي

 روشتة الإصلاح لوزير التعليم العالى 

ويقدم  الدكتور عادل النجدي  روشتة الإصلاح  الى الدكتور عبدالعزيز قنصوة وزير التعليم العالى ، قائلا : إن الجامعات الأهلية أُنشئت لتكون نموذجًا أكثر مرونة وكفاءة، قائمًا على الاستقلال الإداري والحوكمة الرشيدة، بعيدًا عن البيروقراطية التقليدية. غير أن هذه الإجراءات تشير إلى استمرار حالة من التخبط الإداري في الجامعات الأهلية المنبثقة عن الجامعات الحكومية، والتي لا تزال تخضع لتأثير إدارات الجامعات الأم ومحاولات للسيطرة عليها مستقبلًا.

 

كما أن توقيت هذه القرارات قد يفتح باب التأويل بشأن وجود محاولات لاستمرار السيطرة على تلك الجامعات، أو وضع ترتيبات بعينها قبل فتح ملفها بصورة شاملة من جانب وزير التعليم العالي الجديد، وهو ما يستدعي قدرًا أكبر من الشفافية والوضوح المؤسسي. إن الإصلاح الحقيقي لا يتحقق بمجرد تعديل النصوص، بل بإرساء قواعد حوكمة مستقرة وواضحة، تحمي القرارات من التضارب، وتحفظ للجامعات استقلالها، وللمؤسسات هيبتها، وللقيادات الأكاديمية مكانتها، وهو ملف مهم وضروري أن يعمل عليه معالي الوزير خلال الفترة القادمة.

 

 

الصندوق الأسود لتضارب المصالح في التعليم العالي

 

بين التخطيط للدولة و"وعود المناصب" يرى الدكتور وائل كامل، عضو هيئة التدريس ، ان ما يحدث في ملف الجامعات الأهلية والخاصة يطرح سؤالًا حادًا لا يمكن تجاهله: هل يتم التخطيط للتعليم من أجل مصلحة الدولة، أم من أجل المناصب التي تنتظر أصحاب القرار لاحقًا بمنحهم وعود لمناصب مستقبلية او مزدوجة؟

 يرى الدكتور وائل كامل عضو هيئة التدريس ، أن  أزمة الجامعات الأهلية والخاصة لا تتوقف عند حدود اللوائح الإدارية فحسب، بل تمتد لتطال صلب عملية"صنع القرار" في وزارة التعليم العالي. 

 الدكتور وائل كامل
 الدكتور وائل كامل

ويرى إن قضية انتقال القيادات من مقاعد التنظيم والرقابة إلى مقاعد الإدارة والاستفادة المالية المباشرة، تطرح تساؤلاً أخلاقياً ووطنياً حول "حيادية التخطيط".

"الباب الدوار" وفجوة الرواتب

 وفي هذا السياق، يقدم الدكتور وائل كامل رؤية نقدية كاشفة لما يسميه "ازدواجية الأدوار"، محذراً من اهتزاز ثقة المجتمع في منظومة التعليم إذا ما استمر المشهد التعليمي كساحة لتبادل الامتيازات والمناصب.

ويرى “ كامل ” إن المشهد أصبح واضحًا ومتكررًا ، قيادات عملت داخل وزارة التعليم العالي أو المجلس الأعلى للجامعات او لازالت تعمل، شاركت في وضع السياسات وتنظيم العلاقة بين الجامعات، ثم بعد انتهاء مناصبها مباشرة تنتقل إلى مواقع قيادية داخل الجامعات الخاصة وقيادات حالية تتولي مناصب رؤساء جامعات أهلية.. وزير سابق أو مستشار في الوزارة يصبح رئيسًا لمجلس أمناء جامعة أهلية او خاصة ، ورئيس جامعة حكومية ينتقل فور انتهاء مدته او بلوغه السن القانوني لقيادة جامعة خاصة او أهلية .

 ازدواجية الأدوار

هذا التكرار لا يمكن اعتباره مجرد مصادفة أو انتقال طبيعي للخبرات. بل يخلق صورة صريحة من ازدواجية الأدوار: من يضع القواعد اليوم، قد يكون هو نفسه من يستفيد منها غدًا. ومن يخطئ في التخطيط يكرر نفس الخطأ مرة اخرى بنفس الاسلوب.

 

المشكلة هنا  كما يرى “ كامل ”  ، ليست فقط في انتقال الأشخاص، بل في ما قد يسببه ذلك من تأثير على القرارات نفسها. فعندما يعلم المسؤول أن أمامه منصبًا مغريًا ينتظره سواء وهو داخل المجلس الاعلى للجامعات او بعد خروجه من الوزارة، يصبح من الصعب إقناع الناس بأن كل القرارات كانت بعيدة تمامًا عن الحسابات الشخصية.

 الفارق الكبير في الرواتب

ويزداد الأمر حساسية عندما ننظر إلى الفارق الكبير في الرواتب، فعضو هيئة التدريس في بعض الجامعات الأهلية أو الخاصة قد يحصل على عدة أضعاف ما يتقاضاه في الجامعة الحكومية. فما بالنا بالمناصب القيادية مثل رؤساء الجامعات أو مجالس الأمناء فالعوائد المالية فيها أكبر بكثير، ما يجعل هذه المواقع شديدة الجاذبية مقارنة بالمناصب الحكومية التقليدية.

 

وعندما يجتمع المنصب الرفيع والراتب الكبير، يصبح من الطبيعي أن يتساءل المجتمع: هل تؤثر هذه الإغراءات على طريقة التخطيط للتعليم العالي؟

 

وأضاف الدكتور وائل كامل ، ان المشكلة ليست في انتقال الخبرات بين المؤسسات، فهذا أمر يحدث في كل دول العالم. لكن الخلل يظهر عندما يتولي المسئول الواحد منصبين او ينتقل المسؤول من الجهة التي تنظم التعليم إلى الجهة التي تستفيد من قرارات التنظيم مباشرة، دون أي فاصل زمني أو قواعد تمنع تضارب المصالح.

 

فالوزارة يفترض أن تقف على مسافة واحدة من جميع الجامعات. وإذا شعر المجتمع أن بعض انواع الجامعات تحظى بتسهيلات خاصة أو برعاية غير معلنة، فإن الثقة في منظومة التعليم كلها تتعرض للاهتزاز.

 

الإصلاح المطلوب

ويشير عضو هئة التدريس أن الإصلاح هنا ليس معقدًا، لكنه يحتاج إلى إرادة واضحة، تتضمن وضع فترة حظر وظيفي لا تقل عن خمسة الي سبعة او ثمانية سنوات تمنع قيادات وزارة التعليم العالي أو المجلس الأعلى للجامعات من تولي مناصب في الجامعات الخاصة أو الأهلية.

 الأمر الثانى تتضمن ، وضع قواعد شفافة بمعايير واضحة قابله للقياس بعيدا عن الاهواء لاختيار قيادات الجامعات الأهلية والخاصة، تعتمد على منافسة معلنة ، لا على العلاقات أو المناصب السابقة وبدون تدخل في تعيين لجان اختيارهم ويوضع معايير للجان الاهتيار ايضا قابله للقياس بعيدا عن ضرورة ان يكون عضو بالمجلس او الوزارة.

 

ويشمل الأمر الثالث ، إنشاء آلية رقابة مستقلة تضمن الفصل الكامل بين الجهة التي تضع سياسات التعليم والجهات التي تدير المؤسسات التعليمية.

 

ويختتم الدكتور وائل كامل تصريحاته قائلا : إن التعليم العالي ليس مجالًا لتبادل المناصب أو توزيع المكافآت بعد نهاية الخدمة. إنه أحد أهم ملفات الأمن القومي لأي دولة. وإذا لم تُحمَ قراراته من تضارب المصالح، فلن يكون التخطيط للتعليم طريقًا للنهضة، بل طريقًا لإعادة إنتاج نفس الأزمات ،  مُطالباً بـ "جدار عازل" بين التخطيط والإدارة، لضمان ألا يتحول التعليم العالي إلى مكاسب شخصية على حساب الوطن.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء