التعليم الفني يغيّر المعادلة.. الحل الحقيقي لأزمة سوق العمل في مصر |خاص
تصاعدت النقاشات بين الخبراء حلال الفترة الاخيرة حول سبل تحقيق رؤية القيادة السياسية ، بضرورة ربط التعليم باحتياجات سوق العمل، خاصة فيما يتعلق بالتخصصات الجامعية ، وفي هذا الإطار، يؤكد الدكتور عادل النجدي، عميد كلية التربية الأسبق، أن تطوير منظومة التعليم الفني يمثل المفتاح الأساسي لمواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات الاقتصاد الوطني، وضمان توفير فرص عمل حقيقية لشباب مصر.
ربط منظومة التعليم باحتياجات سوق العمل
وأكد الدكتور عادل النجدي، عميد كلية التربية الأسبق، في تصريحات لموقع "إيجتك"، أن النقاشات بين الخبراء والمتخصصين تصاعدت منذ التوجيهات التي أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال حفل إفطار الأكاديمية العسكرية المصرية بضرورة ربط منظومة التعليم باحتياجات سوق العمل، حيث تزايدت الطروحات حول سبل تنفيذ هذه الرؤية، وانصب جانب كبير من المناقشات على ضرورة تقليص أعداد الطلاب في بعض التخصصات الجامعية التي لا يجد خريجوها فرص عمل مناسبة.
توجيه الطلاب نحو سوق العمل
وأشار النجدي إلى أن هذا الطرح يغفل حقيقة مهمة، تتمثل في أن عملية توجيه الطلاب نحو سوق العمل لا تبدأ من الجامعة، وإنما تنطلق من التعليم قبل الجامعي، وتحديدًا من خلال منظومة التعليم الفني التي تُعد من أهم الأدوات القادرة على تحقيق التوازن بين مخرجات التعليم واحتياجات الاقتصاد الوطني. ولفت إلى أن البيانات الرسمية تشير إلى أن منظومة التعليم الفني تُعد من أكبر قطاعات التعليم في مصر، إذ يبلغ عدد طلابها أكثر من 2.3 مليون طالب موزعين على آلاف المدارس الفنية في مختلف المحافظات، وهو ما يمثل أكثر من 55٪ من إجمالي طلاب المرحلة الثانوية في مصر.
نصف خريجي الإعدادية يتجهون إلى مسار تعليمي مرتبط بسوق العمل
وأوضح الخبير التربوي أن طلاب التعليم الفني يتوزعون بين عدة مسارات رئيسية، يأتي في مقدمتها التعليم الصناعي الذي يضم أكثر من مليون طالب، يليه التعليم الزراعي بنحو 850 ألف طالب، بينما يتوزع باقي الطلاب بين التعليم التجاري والفندقي والتخصصات الفنية الأخرى.
وأكد أن هذه الأرقام تعكس حقيقة مهمة، وهي أن أكثر من نصف خريجي المرحلة الإعدادية في مصر يتجهون بالفعل إلى مسار تعليمي مرتبط بسوق العمل، الأمر الذي يجعل تطوير هذا القطاع مسألة استراتيجية لا تقل أهمية عن تطوير التعليم الجامعي.
مدارس التكنولوجيا التطبيقية
وخلال السنوات الأخيرة، شهدت منظومة التعليم الفني توسعًا ملحوظًا في عدد المدارس والبرامج الدراسية، حيث ارتفع عدد المدارس الفنية إلى ما يزيد على 3400 مدرسة، بعد أن كان نحو 1700 مدرسة فقط قبل أكثر من عقد من الزمن،كما شهدت المنظومة إدخال عشرات التخصصات الجديدة التي تتوافق مع احتياجات سوق العمل، إلى جانب إطلاق مدارس التكنولوجيا التطبيقية بالشراكة مع القطاع الخاص، وإنشاء الجامعات التكنولوجية التي توفر مسارًا تعليميًا متكاملًا لخريجي التعليم الفني، بما يسهم في رفع مهاراتهم التقنية وزيادة فرصهم في سوق العمل.
مسئوليات وزارة التربية والتعليم
وفي ظل هذه المعطيات، أكد “النجدي” أن وزارة التربية والتعليم يقع على عاتقها دور أساسي في تنفيذ توجيهات القيادة السياسية بربط التعليم بسوق العمل، من خلال تطوير البرامج الدراسية وربطها باحتياجات الاقتصاد الوطني.
ويرى الخبير التربوي أنه يمكن تحقيق ذلك عبر عدد من الخطوات العملية، في مقدمتها تحديث برامج التعليم الفني الصناعي بما يتوافق مع متطلبات الصناعة الحديثة، مع إلغاء أو تقليص التخصصات التي لم تعد مطلوبة في سوق العمل، إلى جانب توفير تدريب عملي حقيقي للطلاب داخل المصانع وورش الإنتاج.
كما شدد على ضرورة التوسع في إنشاء مدارس فنية متخصصة داخل المناطق الصناعية بالتعاون مع اتحاد الصناعات والمستثمرين، بحيث يتم تصميم البرامج الدراسية وفق احتياجات المصانع، مع تخصيص ما لا يقل عن 50٪ من البرنامج الدراسي للتدريب العملي داخل مواقع الإنتاج.
التعليم الزراعي
وأشار إلى أن التعليم الزراعي لا يقل أهمية عن غيره من مسارات التعليم الفني، خاصة في ظل التوسع الكبير الذي تشهده الدولة في مشروعات الاستصلاح الزراعي، ومن ثم فإن تطوير المدارس الثانوية الزراعية وربطها بالتقنيات الزراعية الحديثة والصناعات الغذائية يُعد ضرورة ملحة، إلى جانب إنشاء مدارس زراعية متخصصة في مناطق الاستصلاح الجديدة لإعداد كوادر فنية قادرة على دعم هذا القطاع الحيوي وتحقيق الأمن الغذائي.
برامج المدارس الثانوية الفندقية
كما لفت إلى أن قطاع السياحة يُعد أحد أهم محركات الاقتصاد المصري، وهو ما يستدعي تطوير برامج المدارس الثانوية الفندقية وربطها بتدريب عملي منتظم في الفنادق والقرى السياحية، بما يسهم في إعداد كوادر مدربة قادرة على دعم هذا القطاع وتعزيز قدرته التنافسية.
وفي المقابل، أوضح أنه قد يكون من الضروري إعادة النظر في التوسع الكبير في المدارس الثانوية التجارية، خاصة في ظل وجود أعداد كبيرة من خريجي الكليات التجارية في سوق العمل، مشيرًا إلى إمكانية تحويل بعض هذه المدارس إلى مدارس فنية تخصصية أو مدارس ثانوية عامة وفق احتياجات كل محافظة وخطط التنمية بها.
الجامعات التكنولوجية
واختتم النجدي تصريحاته بالتأكيد على أن ربط التعليم الفني بالجامعات التكنولوجية يمثل خطوة مهمة نحو بناء مسار تعليمي متكامل يبدأ من المدرسة الفنية وينتهي بالحصول على درجة جامعية تكنولوجية في التخصص نفسه، بما يسهم في رفع مستوى الكفاءات الفنية وتعزيز قدرتها على المنافسة في سوق العمل الإقليمي والدولي.
وشدد على أن تحقيق رؤية الدولة في ربط التعليم بسوق العمل لا يمكن أن يتحقق فقط من خلال تقليص أعداد الطلاب في بعض الكليات الجامعية، وإنما يتطلب قبل ذلك إعادة توجيه منظومة التعليم قبل الجامعي نحو التخصصات التي يحتاجها الاقتصاد الوطني، مؤكدًا أن تطوير منظومة التعليم الفني وتأهيل ملايين الطلاب بها يمثل الركيزة الأساسية لتحقيق التنمية الاقتصادية وتوفير فرص عمل حقيقية للشباب، وهو ما يجعل التعليم الفني أحد أهم مفاتيح تنفيذ توجيهات القيادة السياسية وتحويلها إلى واقع ملموس يدعم مسيرة التنمية في مصر.