رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

لماذا نبحثُ عن رمضان في عُمرٍ لم نعشه؟
ثمة ظاهرة غريبة تجتاح منصات التواصل الاجتماعي مع كل "هلال"، حيث ينهمك شبابٌ في مقتبل العمر، من جيل الألفية وما بعدها، في استحضار صورٍ باهتة وفيديوهات مشوشة لرمضان في الثمانينات والتسعينات، يشاركون أغاني المسلسلات القديمة، صور الفوانيس النحاسية، وحكايات الحواري البسيطة، بوجدٍ وحنينٍ جارف، وكأنهم يبكون وطناً أضاعوا مفاتيحه، المفارقة تكمن في أن معظم هؤلاء لم يولدوا في ذلك الزمن، أو كانوا أصغر من أن يدركوا تفاصيله؛ فلماذا نشتاق لزمنٍ لم نره؟ ولماذا يبدو "رمضانهم" أجمل من "رمضاننا"؟

 


هذا الحنين ليس مجرد عشقٍ للماضي، بل هو "احتجاجٌ باطن" على برودة الحاضر، في الثمانينات لم يكن رمضان "محتوىً" يُصور، بل كان "حالةً" تُعاش، كان التواصل جسدياً، والضحكات حقيقية لا تُختصر في "إيموجي"، واللقاءات لا يقطعها رنين التنبيهات، الجيل الحالي الذي وُلد في أحضان الخوارزميات، يشعر بـ "يُتمٍ اجتماعي"؛ لديه آلاف الأصدقاء الافتراضيين، لكنه يفتقد لدفء "لمّة" العائلة حول شاشة واحدة في موعدٍ محدد، إنهم يشتاقون لزمنٍ كان فيه الوقتُ بركة، والجارُ أهلاً والسكينةُ ضيفاً دائماً على الموائد.
نحن نعيش اليوم في "رمضان الرفاهية القلقة". 

 

كل شيء متاح، الأطباق عالمية المسلسلات بالعشرات، والمقاهي تتبارى في الديكورات الباذخة؛ ومع ذلك يسكننا شعورٌ بالنقص "الجيل زد" يهرب إلى الماضي لأنه يبحث عن "المعنى" خلف "المادة"، يبحث عن تلك البساطة التي كانت تجعل لقطعة حلوى صغيرة طعماً يفوق أفخم بوفيهات الفنادق اليوم، إن "نوستالجيا الثمانينات" هي صرخةٌ ضد التزييف، رغبةٌ في العودة إلى زمنٍ كانت فيه العلاقاتُ بسيطة والقلوبُ أقل تعقيداً، وحيث كان الصيامُ رحلة روحية لا سباقاً استهلاكياً.

 


خلف هذا الحنين، تكمن رغبة في استعادة "الهوية المفقودة"، لقد ذابت خصوصية رمضان في عولمةٍ رقمية جعلت من كل شيء متشابهاً، الصور القديمة ببهتان ألوانها تمنح الشباب شعوراً بالانتماء لشيءٍ "حقيقي" و"أصيل"، إنهم لا يشتاقون للتلفاز القديم، بل يشتاقون لتلك الحالة من "الانتظار الجميل"؛ انتظار الأذان، انتظار المسلسل الوحيد، انتظار العيد بملابس جديدة موضوعة تحت الوسادة، لقد قتل "التدفق الفوري" للمعلومات والمتع لذة الانتظار، فبات الجيل يبحث عنها في أرشيفات الماضي.

 


إن الدرس الذي تقدمه لنا هذه النوستالجيا هو أن الإنسان، مهما بلغت درجة رفاهيته، يظل كائناً يبحث عن "الروح"، رمضان الثمانينات ليس مجرد تاريخ، بل هو "دستورٌ نفسي" يقول لنا إن السعادة تكمن في التفاصيل الصغيرة، وفي جودة العلاقات الإنسانية، وفي القدرة على عيش اللحظة دون هوس التوثيق، الشباب اليوم لا يقدسون الماضي لذاته، بل يقدسون "الإنسان" الذي كان يسكن ذلك الماضي؛ الإنسان الذي كان يملك وقتاً ليحب، ووقت ليصمت، ووقتاً ليكون حاضراً بقلبه قبل هاتفه.

 


ربما حان الوقت لنتوقف عن استجداء الحنين، ونبدأ في صناعة "ثمانيناتنا" الخاصة، أن نستعيد من ذلك الزمن روحه لا قشوره؛ أن نغلق الشاشات لنفتح القلوب، وأن نبسط الموائد لنعمر الأرواح، وأن ندرك أن رمضان لن يكون "جميلاً" بالصور التي ننشرها، بل بالسكينة التي نزرعها في بيوتنا، لعلنا حينها نمنح الأجيال القادمة ذكرياتٍ تستحق الحنين، بدلاً من أن نترك لهم أرشيفاً رقمياً خالياً من الروح.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء