الكونجرس وقرار ضرب إيران: صراع الصلاحيات بين ترامب والسلطة التشريعية
لم تحظَ عملية الغضب الملحمي التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم 28 فبراير الماضي ضد إيران بتأييد الكونجرس الأمريكي بغرفتيه النواب والشيوخ، إذ استغل الرئيس الأمريكي سلطاته وصلاحياته الدستورية في توجيه ضربة عسكرية ضد طهران، رغم أن الضربة جاءت بعد ثلاثة أيام فقط من خطاب حالة الاتحاد الذي ألقاه ترامب في 25 فبراير الماضي.
حيث ادعى ترامب أن النظام الإيراني كان بصدد توجيه ضربة عسكرية تجاه الأصول الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط وتهديد حياة الأمريكيين للخطر، لذا لزم الأمر توجيه ضربة عسكرية استباقية ضد أهداف النظام الإيراني ومنعه من تهديد المصالح الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط وعدم الانتظار إلى موقف الكونجرس، لأن الوضع في هذه الحالة حرج ويستلزم التدخل العسكري الفوري. وسبق أن برر ترامب في خطاب حالة الاتحاد الأسبوع الماضي بأن النظام الإيراني بات يمتلك العديد من الصواريخ الباليستية القادرة على ضرب الأراضي الأمريكية.

يرى العديد من النواب داخل الكونجرس الأمريكي أن الرئيس ترامب وسّع من صلاحياته في استخدام القوة العسكرية للبلاد وجرّها إلى حرب بلا هدف مع النظام الإيراني، وعليه اندلعت حاليًا معركة سياسية وقانونية في الكونجرس الأمريكي اسمها محاولة كبح جماح صلاحيات الرئيس الأمريكي في القرارات العسكرية، إذ يتخوف العديد من النواب في الكونجرس من انخراط الولايات المتحدة في عملية برية في إيران، وهو ما قد يؤدي إلى استهلاك عشرات الآلاف من الجنود خلال العمليات العسكرية.
كبح جماح الصلاحيات العسكرية
ينفرد النواب المنتمون إلى الحزب الديمقراطي الأمريكي بتولي زمام المبادرة في تحجيم نفوذ وصلاحيات الرئيس ترامب العسكرية، إذ تقدم السيناتور الديمقراطي تيم كين عن ولاية فرجينيا بمقترح إجراء تصويت في الكونجرس يحد من صلاحيات الرئيس العسكرية، خاصة في الحرب ضد إيران، وذلك وفق تصريحات خاصة به أدلى بها إلى صحيفة SEMAFOR الأمريكية.
يدرك كين أن جميع محاولات الحزب الديمقراطي ستبوء بالفشل نظرًا لانعدام الأغلبية الكافية في الكونجرس الأمريكي، والتي قد تتسبب في كبح جماح تطلعات الرئيس العسكرية في إيران، إذ يتطلب الأمر موافقة أغلبية الثلثين في المجلسين لأجل تنفيذ تلك الخطة وتقويض الصلاحيات العسكرية للرئيس، وتجاوز حق النقض «الفيتو» الخاص بالرئيس.
يعتبر كين أن الفشل المتوقع لعملية التصويت على صلاحيات الرئيس، والتي سيتم إجراؤها يوم الخميس المقبل 5 مارس 2026، لا ينفي أن ذلك التصويت سيكون بمثابة مظاهرة سياسية قوية رافضة لتوجهات الرئيس، ومن المحتمل أن تجبره على تغيير سلوكه خلال الفترة المقبلة خشية انقلاب الأمور ضده.
لم تقتصر محاولات كبح جماح الصلاحيات العسكرية لترامب على نواب الحزب الديمقراطي مثل تيم كين ورو خانا النائب عن ولاية كاليفورنيا، بل تقدم أيضًا النائب الجمهوري عن ولاية كنتاكي توماس ماسي باقتراح مماثل لاقتراح نواب الديمقراطيين إلى مجلس النواب، خاصة في ظل تسريبات في البنتاغون والكونجرس الأمريكي تفيد بأن إيران لم تكن عازمة على توجيه ضربة نحو الأصول الأمريكية قبل تعرضها للهجوم.
انقسام الحزب الجمهوري
مثل قرار الرئيس الأمريكي بشن عملية الغضب الملحمي حالة من انقسام الآراء والتوقعات داخل الحزب الجمهوري المنتمي إليه الرئيس ترامب، حيث تضاربت المواقف بين مؤيد لمحاولات كبح جماح الصلاحيات العسكرية، وبين تأييد موقف ترامب، وبين مجاراة الأمور والحفاظ على الوضع الراهن.

سبق سيف العزل
يوجد حاليًا تيار داخل الحزب الجمهوري يرى ضرورة الإبقاء على الوضع كما هو دون تأييد موقف ترامب، فسيف العزل قد سبق. ومن أنصار هذا الاتجاه السيناتور الجمهوري جون كوريتس، الذي كان يرغب في التصويت على الحرب الأمريكية على إيران قبل اندلاعها، ومن ثم تحديد أهداف الحرب والغايات النهائية منها وأخيرًا التكلفة الاقتصادية للحرب. ولكن مع تجاوز الرئيس موافقة الكونجرس على الحرب، يرى كوريتس – وفق ما أعلنته صحيفة SEMAFOR الأمريكية – أنه يجب عدم تقليص الصلاحيات في الوقت الراهن، فالأمور خرجت عن السيطرة، وليس من مصلحة الولايات المتحدة حاليًا إيقاف ما بدأ بالفعل.
تأييد جمهوري
حظي قرار ترامب بتأييد عدد من النواب الجمهوريين مثل السيناتور جوش هاولي النائب عن ولاية ميزوري، الذي أكد موافقته على قرارات ترامب الأخيرة، وأنه سيصوت ضد أي قرار لكبح صلاحيات الرئيس العسكرية يوم الخميس القادم. وجدير بالذكر أن هاولي سبق له أن صوّت لصالح قرار يهدف إلى كبح صلاحيات الرئيس العسكرية في فنزويلا، لكن تغير موقفه مع الأزمة الإيرانية.
كما حظي قرار ترامب بتأييد مطلق من العديد من النواب الجمهوريين مثل السيناتور جوني إرنست، والسيناتور جون باراسو رئيس الأغلبية في مجلس الشيوخ، الذي تعهد ببذل كل ما في وسعه من أجل ضمان تمتع الرئيس بكامل الصلاحيات للقيام بما قام به، كما تعهد بإسقاط مقترح النائب الديمقراطي «كين» الرامي إلى كبح جماح الصلاحيات العسكرية للرئيس. ويؤكد باراسو تمكنه من حشد نواب الحزب الجمهوري لتعطيل مشروع «كين»، حيث يحتاج المشروع إلى تصويت 51 نائبًا على الأقل في مجلس الشيوخ، في حين يمتلك الحزب الجمهوري 53 مقعدًا في المجلس، بما يعني أن عملية التصويت محسومة مقدمًا لصالح الحزب الجمهوري.
الخط الأحمر
رغم التوقعات بمرور جلسة الكونجرس الأمريكي يوم الخميس 6 مارس بما يشتهيه سفن ترامب، فإنه ما زالت هناك العديد من النقاط والخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها، أبرزها تطوير الحرب الجارية والقيام بعملية عسكرية برية في إيران، فالغرض الأساسي من توجيه الضربة السابقة لإيران هو استباق أي عدوان إيراني.
لذا فإن العملية البرية تكون خارج نطاق وصلاحيات الرئيس العسكرية، وتتطلب تدخل الكونجرس الأمريكي لإعطاء الموافقة، وهو ما يعني حربًا سياسية حامية الوطيس بين الحزبين الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي، وقد يفشل الحزب الجمهوري في حشد التأييد الكامل للعملية البرية الأمريكية في إيران.
وختامًا:
تبدو أن هناك أزمة سياسية داخلية أمريكية تلوح في الأفق، عنوانها الصدام المحتمل بين صلاحيات الرئيس وصلاحيات الكونجرس الأمريكي، خاصة في ظل نشاط نواب الحزب الديمقراطي في معارضة سياسات الرئيس دونالد ترامب. وقد تؤثر نتائج الحرب الحالية على نتائج انتخابات الكونجرس في الخريف القادم، فترامب يأمل في تحقيق نصر سريع وحاسم يعزز من فرص الحزب الجمهوري خلال الانتخابات المقبلة، وبالتالي استحواذه على أغلبية الكونجرس وتوسيع صلاحياته في العديد من السياسات العسكرية والمالية والاقتصادية. لكن إذا تحقق غير ذلك وتأزمت ظروف الحرب، فإن ذلك سيؤدي في النهاية إلى تعقد المشهد السياسي الداخلي الأمريكي واحتمالية استحواذ الحزب الديمقراطي على مقاعد مجلس النواب المقبل، مما يؤدي إلى صدامات سياسية وشيكة بين الكونجرس الأمريكي والرئيس دونالد ترامب.
محمد الدابولي*



