خبير تربوي: لا إقبال حقيقي على مادة البرمجة لأنها إلزامية | خاص
في خضم الجدل الدائر حول مادة البرمجة والذكاء الاصطناعي بالمرحلة الثانوية، وبعد تصريحات وزير التربية والتعليم التي أكد خلالها عن وجود “إقبال كبير” من الطلاب عليها، علق الدكتور تامر شوقي أستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس، برؤية مغايرة، مؤكدًا أن توصيف الأمر بدقة يقتضي التمييز بين الاختيار الحر والإلزام الدراسي، مشددا على أن الحديث عن إقبال لا يستقيم في ظل كون المادة إجبارية للنجاح والانتقال إلى الصف التالي، حتى وإن كانت خارج المجموع.
وأوضح الخبير التربوي في تصريحات خاصة لـإيجبتك، أن الطلاب في الصف الأول الثانوي، سواء في التعليم العام هذا العام أو الفني اعتبارًا من العام المقبل، ملزمون بدراسة مادة البرمجة واجتيازها، وبالتالي فإن وجودهم داخل الفصل لا يعكس بالضرورة ميلًا ذاتيًا أو توجهًا إراديًا نحوها، بل التزامًا بلوائح الدراسة.
بين الإلزام والاختيار الحر
وأكد الخبير أن مفهوم “الإقبال” لا يتحقق إلا حين يمنح الطالب حرية الاختيار بين بدائل متعددة، فينتقي منها ما يتوافق مع ميوله وقدراته. أما في الحالة الراهنة، فالبرمجة مادة مفروضة على جميع الطلاب، مثلها مثل اللغة العربية أو غيرها من المواد الأساسية، ولا يمكن القياس على وجودها داخل الجدول الدراسي باعتباره مؤشرًا على رغبة حقيقية.
وأشار إلى أن الحكم الموضوعي على حجم الإقبال على مادة البرمجة يمكن أن يتضح لاحقًا، عندما تتاح المادة في الصف الثاني بنظام البكالوريا ضمن مسار الهندسة وعلوم الحاسب، ويُخيَّر الطالب بين البرمجة والكيمياء. هنا فقط، حين يختار الطالب بإرادته، يمكن الحديث عن إقبال حقيقي يعكس توجهًا واعيًا.
هل تضاف للمجموع؟
وفيما يتعلق بالمطالبات بإضافة المادة إلى المجموع بدعوى تعزيز الاهتمام بها، رفض الخبير هذا الطرح من منظور تربوي ونفسي، مؤكدًا أن أهمية التخصص لا تعني بالضرورة فرضه على الجميع أو إدخاله في سباق الدرجات. وضرب مثالًا بالطب، موضحًا أنه تخصص بالغ الأهمية، لكن لا يمكن تدريسه لكل الطلاب بنفس العمق أو بنفس المتطلبات.
وأوضح أن البرمجة تعتمد على قدرات معرفية خاصة، ومرتبطة بمستويات متقدمة من التفكير الرياضي والمنطقي، وهي قدرات لا تتوافر لدى جميع الطلاب، خاصة ذوي الميول الأدبية. ومن ثم فإن إدخالها كمادة مضافة للمجموع قد يضع شريحة من الطلاب تحت ضغط غير عادل، ويمثل عبئًا لا يتناسب مع اتجاهاتهم وقدراتهم.
قرار تربوي متوازن
ويرى الخبير التربوي أن الوضع الحالي يمثل صيغة متوازنة؛ حيث يتعرف جميع الطلاب في الصف الأول الثانوي على الأسس النظرية للبرمجة والذكاء الاصطناعي خارج المجموع، دون أن يؤثر ذلك على درجاتهم النهائية، ثم تُتاح المادة لاحقًا بشكل تخصصي لمن يملك الاستعداد والميول لدراستها بعمق.
وأضاف أن هذا النهج يحقق العدالة التعليمية، فلا يُحرم الطالب الموهوب من فرصة التخصص، ولا يُجبر الطالب ذو الميول الأدبية على مسار لا يتسق مع قدراته. فالتعليم، في جوهره، يجب أن يراعي الفروق الفردية لا أن يتجاهلها.
احتياجات سوق العمل وحدود التوسع
ورغم الإقرار بأهمية البرمجة في سوق العمل محليًا ودوليًا، شدد الخبير على أن الهدف ليس تخريج مئات الآلاف من المتخصصين دفعة واحدة، لأن ذلك قد يؤدي إلى تشبع السوق وظهور بطالة في المجال نفسه. وأكد أن وجود عدد كافٍ من الطلاب الذين يختارون التخصص ويتعمقون فيه يكفي لتلبية الاحتياجات الفعلية.
واختتم بالتأكيد على ضرورة التمييز بين تعلم الأسس النظرية للبرمجة في المرحلة الثانوية، وبين التخصص الاحترافي الذي كان يُدرَّس سابقًا في المرحلة الجامعية للطلاب المتفوقين. فتعريف الطالب بالمجال شيء، وإعداده ليكون مبرمجًا محترفًا شيء آخر، ولكل مرحلة أهدافها وحدودها التربوية الواضحة.