سنوات القرب من دوستويفسكي.. الوجه الآخر لسيرة الإبداع بالقومي للترجمة
ضمن إصداراته التى ما زالت تحتفظ ببريقها الفكرى والإنسانى، يذكر المركز القومي للترجمة بكتاب «سنوات القرب من دوستويفسكى (اليوميات – القصة – الخطابات)»، وهو عمل فريد يفتح نافذة واسعة على الجانب الأكثر خصوصية فى حياة الأديب الروسى الكبير فيودور دوستويفسكي، لكن من منظور مختلف؛ من صوت امرأة كانت جزءًا أصيلاً من تكوينه الإنسانى والإبداعى.
الكتاب من تأليف أبوليناريا سوسلوفا، رفيقة دوستويفسكى فى واحدة من أكثر مراحل حياته اضطرابًا، وترجمة الدكتور أنور محمد إبراهيم، ويُعد من الكتب التى تمنح القارئ فرصة نادرة للاطلاع على تفاصيل إنسانية شكلت وجدان أحد أهم روائى القرن التاسع عشر.
يوميات تكشف الوجه الإنسانى
يضم الكتاب اليوميات التى تركتها سوسلوفا، بكل ما تحمله من اعترافات مباشرة، وعبارات تبدو بدائية أحيانًا، ونبرة تميل إلى البرودة المتعمدة، مع غياب للأسلوب الزخرفى التقليدى، ونزعة عاطفية خافتة تخفى تحتها اضطرابًا عميقًا.
وإلى جانب اليوميات، يتضمن العمل قصة قصيرة لها بعنوان «الغريب والقريب»، فضلًا عن الخطابات الخاصة التى تبادلتها مع دوستويفسكى، والتى تكشف ملامح علاقة إنسانية معقدة، تأرجحت بين القرب والتوتر، وبين الإعجاب والاختلاف، لم تكن سوسلوفا مجرد امرأة عابرة فى حياة الكاتب الروسى الكبير، بل شكلت نموذجًا أصيلاً لعدد من شخصياته النسائية الخالدة.
فهي تبدو شبيهة بدونيا، أخت راسكولنيكوف فى رواية الجريمة والعقاب، كما تشير ابنة دوستويفسكى إلى أن شخصية بولينا فى رواية المقامر مستوحاة منها، فضلًا عن أن عددًا من بطلاته اللواتى يحملن اسم «روزانوفا» يكشفن عن ملامح واضحة من شخصيتها. وهكذا لا تبدو هذه اليوميات مجرد وثيقة شخصية، بل مدخلًا لفهم البذور الإنسانية التى تحوّلت لاحقًا إلى شخصيات روائية خالدة.
شهادة على زمن مضطرب
تكمن قيمة هذه اليوميات، فى المقام الأول، فى وجودها ذاته؛ فهى نص قائم بذاته لا يدّعى الكمال الفنى، ولا يسعى إلى رسم صورة مثالية، وتحت ستار الواقعية المعتدلة المميزة للمزاج الفكرى فى ستينات القرن التاسع عشر، تنبض روح حماسية مضطربة، تبحث دومًا عن ذاتها.
إنها روح امرأة عانت بشدة، وخرجت مبكرًا إلى الشارع لتصبح واحدة من أوائل ضحايا «فكرة العصر» التى طُرحت بسحر وجاذبية أمام الجيل الشاب آنذاك، فاستحوذت على العقول والقلوب، ودفعته إلى اختبارات قاسية مع الحياة.
يبقى «سنوات القرب من دوستويفسكى» شهادة إنسانية وفكرية على لحظة تاريخية ملتبسة، وعلى روح امرأة حاولت أن تجد ذاتها فى زمن مضطرب، فوجدت نفسها أيضًا فى صفحات الأدب.
