رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

اغتيال المرشد: نهاية دولة الولي الفقيه أم إعادة إنتاج النظام؟

رضا عرافي - المرشد
رضا عرافي - المرشد الإيراني المؤقت - أرشيفية

في واقعة وسابقة في العلاقات الدولية لم تتكرر كثيراً، لجأت الولايات المتحدة في حربها مع إيران إلى الإقدام على اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، في واقعة نادرة في العلاقات الدولية لم تقدم عليها سوى الولايات المتحدة مرات قليلة ونادرة، آخرها عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو والرئيس البنمي الأسبق مانويل نورييغا الذي اعتقلته الولايات المتحدة عام 1989، وأرسلته للمحاكمة في الولايات المتحدة.

خلال الحروب الكبرى مثل الحربين العالميتين لم تلجأ الدول المتحاربة إلى مثل ذلك التكتيك، وهو اغتيال الرؤساء والزعماء لوضع حد للمعركة والحرب، وكأن لسان حال الإدارة الأمريكية الحالية أن قطع رأس الأفعى يوفر المزيد من الوقت والجهود ويختصر الطريق إلى تحقيق النجاح الشامل وإرباك الخصوم وإذلالهم وإجبارهم على الاستسلام السريع.

تُثار حالياً العديد من التساؤلات حول مستقبل النظام الإيراني بعد اغتيال المرشد: هل سينهار النظام الإيراني ويسقط بالكامل أم هناك المزيد من التطورات التي لم نشهدها حتى الآن في ظل اختيار علي رضا عرافي ليتولى مؤقتًا مهام المرشد الأعلى؟ وتعد الإجابة على ذلك التساؤل معقدة للغاية نظراً لتشابكها بالعديد من الأمور الإقليمية والداخلية، وهي كالتالي:

أولًا: مدة الحرب

 قد تلعب مدة الحرب دوراً كبيراً في مستقبل النظام الإيراني، فوفق تصريحات الرئيس الأمريكي الأخيرة، والتي أشار فيها إلى أن الحرب قد تستمر أياماً، فإن ذلك سيؤدي إلى استعادة النظام الإيراني سيطرته على البلاد سريعاً، لكن إذا طال أمد الحرب واستمرت أسابيع وشهوراً فإن ذلك سيؤدي في النهاية إلى إضعاف وإنهاك شديدين للنظام السياسي في البلاد.

ترامب 
ترامب 

ثانيًا: تعقيد القوى الأمنية في إيران

من ضمن الأمور التي قد تعزز من فرضية بقاء النظام السياسي الإيراني حالة التعقيد الأمني والسياسي التي عليها النظام الإيراني؛ فللوهلة الأولى يبدو أن النظام الإيراني شديد المركزية تجتمع كافة خيوطه في يد المرشد الإيراني، إلا أنه في الحقيقة، ومع تفصيص النظام الإيراني، نرى أنه يعتمد على دوائر لا مركزية في الإدارة والحكم. فعلى سبيل المثال، كل دول العالم تمتلك جيشاً وطنياً واحداً يدافع عنها، إلا أن النظام الإيراني يمتلك جيشين بقيادتين مختلفتين؛ فالأول هو الجيش الوطني الذي يتبع وزارة الدفاع الإيرانية والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، والجيش الثاني هو الحرس الثوري الإيراني الذي يتبع المرشد الإيراني ومسلح بشكل كامل.

وداخل الحرس الثوري الإيراني تتعدد الفصائل والاتجاهات؛ فهناك فيلق القدس المختص بالعمليات الإيرانية في الخارج وحلقة الوصل مع الأذرع الإيرانية في المنطقة، وأيضاً توجد قوة الجو–فضائية المسؤولة عن برنامج الصواريخ الباليستية، وأخيراً توجد قوات الباسيج الإيرانية التي تنقسم إلى قسمين: أحدهما عبارة عن قوات مكافحة الشغب، والأخرى عبارة عن تجمعات شعبية مثل اللجان الشعبية في الدول الاشتراكية.

وبالتالي نجد أن هناك تداخلاً كبيراً في العديد من الخصائص والمهام بين أذرع النظام الإيراني، والتي قد تحافظ فعلياً على بقاء النظام وصموده أمام تلك الضربات الإسرائيلية الأمريكية.

ثالثَا: التدخل البري

 يجب الإشارة إلى أن الغارات الجوية، رغم ضراوتها ونتائجها القوية، إلا أنها لا تعد سبباً في إقالة الأنظمة الحاكمة؛ فإذا كنت تريد إقالة نظام سياسي فعليك بتدخل عسكري بري مباشر يؤدي في النهاية إلى إزاحة النظام السياسي، ولنا في التجارب التاريخية العديد من العبر والدروس. فعلى سبيل المثال، أدى التدخل البري الإسرائيلي في جنوب لبنان عام 1982 إلى الإطاحة بمنظمة التحرير الفلسطينية من مناطق الجنوب اللبناني، وفي غزة فشلت الغارات الجوية الإسرائيلية في أعوام 2009 و2012 و2014 في الإطاحة بحكم حركة حماس، رغم تمكن تلك الغارات في ذلك الوقت من إلحاق خسائر مدمرة بالقطاع وحركة حماس، إلا أنه بعد تفعيل خطة التدخل البري في غزة عام 2024 تمكنت إسرائيل من الإطاحة بحكم حركة حماس في قطاع غزة وفرض ترتيبات سياسية على حماس والفلسطينيين تخدم الأهداف الإسرائيلية.

ولماذا نذهب بعيداً؟ ففي تجارب جيران إيران خير دليل على أهمية التدخل البري لإزاحة الأنظمة السياسية؛ ففي ديسمبر 2001 تدخلت الولايات المتحدة برياً في أفغانستان لإسقاط حكم حركة طالبان، وكذلك الحال في مارس 2003 حين تدخلت القوات الأمريكية لاحتلال العراق وإسقاط نظام البعث بقيادة صدام حسين.

ونخلص من تلك النقطة إلى أن الغارات الجوية قد تسهم فعلياً في إضعاف النظام، مثلما أدت غارات عملية ثعلب الصحراء عام 1998 في إضعاف نظام صدام حسين، لكنها لا تسقطه؛ لذا يجب إجراء عملية عسكرية برية إذا أرادت واشنطن وتل أبيب إسقاط نظام ملالي طهران.

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان

رابعًا: الخصوم المسلحون

استمراراً للنقطة السابقة الخاصة بأهمية التدخل العسكري البري من أجل إسقاط النظام، ينبغي أن يرافق عملية التدخل العسكري البري الأجنبي وجود خصوم مسلحين للنظام القائم يشتركون مع القوات الأجنبية الغازية في الإطاحة بالنظام القائم.

فعلى سبيل المثال، لعب "تحالف الشمال الأفغاني" بقيادة أحمد شاه مسعود وبرهان الدين رباني وعبد الرشيد دوستم وحامد كرزاي دوراً كبيراً في تعبيد الطريق أمام القوات الأمريكية عام 2001 لاحتلال أفغانستان وتذليل الصعاب التي نشأت وطرأت عقب الاحتلال، حيث تولى التحالف قيادة أفغانستان منذ عام 2001 وحتى إنهاء الاحتلال الأمريكي لأفغانستان في أغسطس 2021.

وفي العراق لعبت قوات البشمركة الكردية، بالتعاون مع ميليشيا حزب "الدعوة الإسلامي" الذي اتخذ من الأراضي الإيرانية نقطة انطلاق له، دوراً كبيراً في تسهيل وتسيير عملية الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، وبالفعل عقب احتلال العراق تقاسمت القوى الكردية والقوى الشيعية المنتمية إلى حزب الدعوة حكم العراق منذ عام 2003 وحتى اليوم.

لذا، من الاستعراض السابق، يجب أن يكون للنظام الإيراني خصوم مسلحون إيرانيون قادرون على مواجهة النظام وملء الفراغ الذي قد يحدث في حال انهيار النظام. وبالنظر إلى الخصوم المسلحين نجد أن أبرز هؤلاء هم حركة مجاهدي خلق التي تقودها حالياً مريم رجوي.

كانت تتمتع مجاهدي خلق بحضور عسكري متميز خلال الثمانينيات والتسعينيات، وذلك بفضل الدعم العراقي البعثي لها، حيث اتخذت من مدينة أشرف شرق العراق مركزاً لها لشن الهجمات على النظام الإيراني، إلا أن الرياح تأتي بما لا تشتهي السفن؛ فمع احتلال العراق عام 2003 وصعود حزب الدعوة العراقي تم تفكيك معسكرات مجاهدي خلق وترتيب نقلها إلى خارج العراق، حيث انتقل العديد من أنصار المنظمة إلى 12 دولة أوروبية، واتخذت المنظمة مدينة تيرانا الألبانية مقراً لها، وحالياً تعد المنظمة متخلية تماماً عن سلاحها.

نتنياهو
نتنياهو

أما القوة الميليشياوية الأخرى المناوئة للنظام الإيراني فهو حزب الحياة الحرة الكردستاني الذي ينشط على الحدود الشرقية للبلاد، ولا يرغب الحزب في السيطرة على طهران، وأن جل آماله واهتماماته هو إنشاء الدولة الكردية أو إنشاء منطقة حكم ذاتي في شرق البلاد، كما أن تركيا لن تسمح للحزب بأن يمارس أدواراً هامة في مستقبل السياسة الإيرانية، إذ قد تتدخل تركيا في قصف مقرات الحزب في الأراضي الإيرانية على غرار تدخلاتها المستمرة في الأراضي السورية.

ختامًا:

 يمكن القول إن حرب الإثني عشر يوماً وما تلاها من الحرب الأخيرة واغتيال القادة والمرشد قد تسهم فعلياً في إضعاف النظام السياسي ولا تسقطه، ويبقى أمام واشنطن وتل أبيب أمل أخير في إسقاط النظام، وهو حدوث هبة احتجاجية إيرانية حالياً ضد النظام الإيراني، حيث قد تستغل واشنطن تلك الهبة الاحتجاجية في التدخل في الشؤون الإيرانية بتوفير غطاء جوي لحماية المتظاهرين، مثلما حدث في تجربة إسقاط النظام الليبي بقيادة معمر القذافي عام 2011، إلا أن هذا الخيار معرض للفشل، إذ إنه قد يستغرق أياماً وأسابيع طويلة قد تؤدي في النهاية إلى استنزاف القدرات الأمريكية.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء