بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي أقام للعلم منابر، وجعل في تاريخ الأمم شواهد ناطقة على أن الحضارات تُبنى بالفكرة قبل الحجر، وبالقيم قبل القوة، وبالعلم قبل السيف. وأشهد أن لا إله إلا الله، شهادة تحرر العقول من الجمود، وتبعث في القلوب نور اليقين. وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، الذي أرسى دولة العلم، فكان أول ما نزل عليه: اقرأ، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه إلى يوم الدين.
نلتقي اليوم لا لنعدد الأعوام عدًّا، بل لنقرأ في سفر الزمن صفحة من أعظم صفحات التاريخ؛ نحتفل بمرور ألفٍ وستةٍ وثمانين عامًا على تأسيس هذا الصرح الخالد، الجامع الأزهر، الذي وُلد سنة 970م في قلب القاهرة، ليكون شاهدًا على تعاقب الدول، وتبدل العصور، وتغير الأفكار، وبقي هو ثابتًا كالنجم، راسخًا كالجبل، متجددًا كالحياة.
إن المؤرخ المنصف إذا تناول الأزهر، لم يقرأ تاريخ بناء من حجر، بل قرأ تاريخ أمة من فكر. فالأزهر ليس مجرد مسجد تقام فيه الصلوات، ولا جامعة تمنح فيها الشهادات؛ إنه مؤسسة هوية، وذاكرة حضارة، ومحراب اعتدال صاغ الشخصية الإسلامية عبر أكثر من عشرة قرون. في رحابه تلاقت المذاهب دون صراع، وتحاورت العقول دون إقصاء، وتجاورت المدارس الفقهية والفكرية في مشهد قل نظيره في تاريخ الإنسانية. هنا تجسدت الوسطية، لا شعارًا يُرفع، بل منهجًا يُدرَّس، وسلوكًا يُعاش، ورسالة تُصدَّر إلى العالم.
تعاقبت عليه دول: فاطمية، وأيوبية، ومملوكية، وعثمانية، وحديثة، وتبدلت أنظمة وسلاطين، وبقي الأزهر ثابتًا؛ لأن الذي يحرسه لم يكن سيفًا، بل علمًا، ولم يكن جدارًا، بل فكرة.
ولا شك أن الأزهر الشريف، بقيادة فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، قد شهد في السنوات الأخيرة نهضة راسخة في عمقها، واسعة في أثرها؛ سواء في تطوير المناهج، أو تجديد الخطاب الديني، أو تعزيز الدور العالمي للأزهر في نشر الفكر الوسطي، والتصدي للأفكار المتطرفة، ودحض المفاهيم المغلوطة عن الإسلام، حتى أصبح صوتًا عالميًا للحكمة والسلام. لقد كانت مبادراته جسورًا لا جدرانًا؛ فأسس مراكز للحوار، وأطلق منصات للفكر، وجعل من الأزهر صوتًا عالميًا يخاطب الإنسانية بلغة الحكمة والرحمة والعدل.
وهنا يُشاد بدعم الدولة المصرية للأزهر الشريف، وعلى رأسها فخامة الرئيس **عبد الفتاح السيسي**، راعي السلام وبطله، الذي جعل من مصر ركيزة للاستقرار، ومن رسالة الأزهر قوة ناعمة تحمي الوعي، وتحصن الشباب، وتعزز مكانة مصر في قلب العالم. إن دعمه لرسالة الأزهر يجسد إيمانًا راسخًا بأن بناء الإنسان هو أعظم أساس لبناء الأوطان، وأن السلام لا يُصنع إلا بالعدل والوعي والعلم.
ومن رحم هذا الجامع العريق وُلدت جامعة الأزهر، لتكون الامتداد الأكبر لرسالته، والصيغة المعاصرة لدوره التاريخي. فلم تعد المسيرة قاصرة في مجالس العلم في الرواق، بل امتدت إلى كليات ومعاهد ومراكز بحثية تجمع بين علوم الشريعة واللغة، وعلوم الطب والهندسة والعلوم والزراعة وغيرها، في تكامل فريد بين الدين والحياة، وبين الأصالة والمعاصرة.
ومن هنا، فإن الجامع الأزهر لم يكن تاريخًا يُروى، بل حاضرًا يتجدد في جامعته العريقة، التي حملت الرسالة عبر العصور، ووسعت آثارها في مجالات العلم كافة، حتى أصبحت مشروع أمة، ومعمار وعي، ومنصة تكامل بين علوم الدين وعلوم الدنيا. وجامعة الأزهر ليست مجرد اسم على بوابة عريقة، ولا مبنًى يضج بالحجرات والمدرجات؛ إنها فكرة حية تنبض في ضمير الأمة، وترتفع بقامات العلماء والطلاب إلى حيث يتلاقى العلم مع القيم، وتتعانق الفكرة مع الرسالة، ويُصاغ المستقبل على مهل من حروف القرآن ونبض الإنسان.
إن رسالة الأزهر العالمية ليست شعارًا معلقًا على الجدران، بل منهج عمل يظهر في كل تفصيلة من تفاصيل الحياة الجامعية؛ حتى يخرج الخريج سفيرًا للأزهر في بلده، حاملًا علمًا على بصيرة، ولسانًا يحسن الخطاب، وقلبًا يعرف كيف يختلف بأدب ويجتمع على الحق.
وهنا تكمن قيمة الوافدين؛ فهم شركاء في صناعة أثر الأزهر، وملاك شرعيون لسردية حضارية تؤكد أن مصر قادرة على جمع العالم في قاعة درس واحدة، وفي ساحة حوار واحدة، وفي ميثاق أخلاقي جامع.
لقد كانت جامعة الأزهر وما زالت مصنعًا للرجال والعلماء، ومدرسة لتكوين الوعي الرشيد، وجسرًا يربط بين مصر ومحيطها الإسلامي والإنساني. تخرج فيها ملايين الطلاب من شتى بلاد العالم، فعادوا إلى أوطانهم سفراء للوسطية، وحملة للعلم الرصين، ورسلًا للسلام والاعتدال، فأصبحت أحد أعظم أذرع القوة الناعمة لمصر، ومصدرًا لإشعاع علمي وفكري يمتد أثره إلى آفاق بعيدة.
ألفٌ وستةٌ وثمانون عامًا ليست رقمًا يُذكر، بل عهدًا يُجدد. هي شهادة بقاء في عالم سريع الزوال، وبرهان على أن المؤسسات التي تُبنى على الإيمان والعلم تبقى، وأن الأفكار التي تُغرس في وجدان الشعوب لا تموت، وأن المنهج الوسطي إذا تجذر في الأمة صار حصنها الحصين.
نحن لا نحتفل بماضٍ انقضى، بل نحتفل بمستقبل يتجدد. نحتفل بأزهر سيظل بإذن الله منارة للعلم، ومرجعًا للفكر، وصوتًا للحكمة، ما بقي في الأرض باحث عن حق، أو طالب علم، أو قلب يتطلع إلى نور.
وفي هذه الذكرى العطرة، يُرفع الدعاء إلى الله تعالى أن يحفظ مصرنا الحبيبة، وأن يوفق قيادتها الرشيدة، وعلى رأسها فخامة الرئيس **عبد الفتاح السيسي**، لما فيه خير البلاد والعباد، وأن يجعلها دائمًا منارة للعلم، وواحة للأمن والسلام، ومصدرًا لنشر الوسطية في العالم؛ وأن يحفظ الأزهر الشريف منارة للإسلام الصحيح، وأن يوفق قيادته وعلماءه وطلابه في أداء رسالتهم السامية.
ختامًا، ألفٌ وستةٌ وثمانون عامًا شهادة بقاء وعهد وفاء ورسالة مستقبل. سيبقى الأزهر، ما بقي الزمان، شاهدًا على أن العلم هو أعظم ما تخلده الأمم، وأن الحضارة الحقة تُقاس بعدد العقول التي أنارتها، لا بعدد الجدران التي شيدتها.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.