طهران تحت خط النار: قراءة في مؤشرات العملية العسكرية ضد إيران
في تطور لافت ومثير، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجومًا موسعًا يوم السبت 28 فبراير على العديد من المدن الإيرانية مثل طهران وقم وأصفهان وكرمنشاه وكرج، وذلك بعد أقل من يوم على انتهاء جولة المفاوضات الثالثة بين طهران وواشنطن التي شهدتها مدينة جنيف السويسرية برعاية عمانية.
انتهت نتائج الجولة الأخيرة من المفاوضات بغضب أمريكي، حيث عبّر مبعوثا البيت الأبيض جاريد كوشنر وستيف ويتكوف عن غضبهما من عدم التعاون الإيراني ومحاولة المماطلة في المفاوضات، مما دفع واشنطن إلى تنفيذ تهديداتها بتوجيه ضربة عسكرية استباقية إلى إيران.
تأتي الحرب الجارية بعد مضي ثمانية شهور على الحرب السابقة التي اندلعت في يونيو 2025 بين إسرائيل وإيران، وتدخلت الولايات المتحدة في الحرب في أيامها الأخيرة بقصف مفاعلي نطنز وفوردو الإيرانيين.

تغير المبرر
في منتصف يناير الماضي سبق أن هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتوجيه ضربة عسكرية ضد إيران في حال إقدامها على قمع المحتجين والمتظاهرين، إلا أنه في اللحظات الأخيرة تم التراجع عن توجيه الضربات، وسكنت الاحتجاجات الإيرانية مما أدى إلى انتفاء السبب الذي من أجله سيتم ضرب إيران.
خلال خطاب حالة الاتحاد الأخير ادعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن إيران باتت تهدد الأمن القومي الأمريكي من خلال امتلاكها أسلحة وصواريخ باليستية قادرة على الوصول إلى الأراضي الأمريكية، ويبدو أن هذا المبرر هو ما تم تسويغه لتبرير الهجمات الأخيرة على المواقع الإيرانية.
ففي تعقيبه على الحرب الجارية صرح الرئيس الأمريكي على منصة تروث سوشيال بأنه لا يمكن أن تمتلك إيران سلاحاً نووياً إطلاقاً، مؤكداً أن طهران رفضت التخلي عن طموحاتها النووية واستمرت في تطوير صواريخ بعيدة المدى، مضيفاً أيضاً أن النظام الإيراني ظل يردد شعار الموت لأمريكا لمدة 47 عامًا.
رغم مرور سويعات قليلة على اندلاع الحرب الحالية، إلا أنه ثمة مؤشرات يمكن البناء عليها حول مستقبل العملية العسكرية الأمريكية في إيران، ومن أبرز تلك المؤشرات:
أولًا: غياب المفاجأة الاستراتيجية
في حرب الإثني عشر يوماً تمكنت إسرائيل في الأيام الأولى من الحرب من تحقيق نجاحات ومفاجآت استراتيجية كبرى، حيث نجحت في الاستهداف المباشر للعديد من قادة الحرس الثوري الإيراني والعديد من علماء البرنامج النووي الإيراني، فضلاً عن تدمير العديد من المنشآت النووية والعسكرية الإيرانية.
أما في تلك الحرب الجارية الآن فنلاحظ غياب المفاجأة الاستراتيجية؛ فالنظام الإيراني كان على استعداد لتلقي الضربات، كما أن الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران لم يُرَ لها أي أثر حتى الآن، فما زال المرشد الإيراني علي خامنئي والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في مأمن من الضربات القاتلة، كما لم تشر وكالات الأنباء حتى الآن إلى حجم الدمار الذي أصاب المنشآت الإيرانية، عكس الحرب الأولى، وما يتم تداوله حتى الآن هو تدمير مدرسة بها طالبات بمدينة بندر عباس، وترجح المصادر الإيرانية بأن عدد الضحايا حوالي 50 طالبة.
ثانيًا: استهداف القيادات
حرصت الضربات والغارات الأمريكية الأولى على استهداف المقار الحكومية السياسية مثل مقر المرشد ورئيس الجمهورية، وليس مقار البرنامج النووي الإيراني، مما يعني أمرين: أولهما اتجاه واشنطن إلى إزالة النظام الإيراني وقدرته على الحركة باستهداف القادة الكبار من ناحية، ومن ناحية أخرى لا ترغب الولايات المتحدة في شن حرب طويلة الأجل ضد إيران؛ فمن ملامح الضربات الأولى نرى أنها تريد شل القيادة الإيرانية ودفعها إلى الانهيار التام.
ويبدو أن النظام الإيراني على حذر وحيطة من تلك الخطة، حيث تم نقل المسؤولين إلى مراكز مؤمنة، كما تم إجراء العديد من التعيينات في العديد من القطاعات العسكرية والسياسية بهدف استمرارية النظام السياسي في حال تعرض أفراده للاستهداف من قبل الولايات المتحدة.
ثالثًا: إغلاق مضيق هرمز
ادعت وكالة أنباء فارس حالياً إغلاق مضيق هرمز، إلا أنه من الناحية الفعلية لم يتم إغلاق المضيق، وإنما قلت حركة المرور فيه نتيجة الحرب الحالية، وتصريح الوكالة الإيرانية يمكن اعتباره بمثابة إنذار بالمرحلة الثانية من الحرب وهي إغلاق المضيق الحيوي.

رابعًا: الضغط على دول الخليج
منذ الدقائق الأولى للهجوم الأمريكي مارست إيران ضغوطاً عسكرية مباشرة على العديد من دول الخليج العربي، فحتى كتابة هذه السطور تشير وكالات الأنباء إلى سماع دوي انفجارات في العاصمة السعودية الرياض قد يكون ناجماً عن محاولات التصدي لصواريخ إيرانية، كما تم استهداف قاعدة العديد الأمريكية في قطر، مما أدى إلى إدانة الخارجية القطرية للهجوم، كما تم استهداف مركز العمليات في مدينة الظفرة في الإمارات، كما شوهدت محاولات لاستهداف مدينة أبوظبي، كما تم استهداف قاعدة علي السالم في الكويت ومركز قيادة الأسطول الخامس الأمريكي في المنامة، أي أن جميع دول مجلس التعاون الخليجي تم استهدافها بالصواريخ الإيرانية ما عدا سلطنة عمان.
برر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اتجاه طهران لضرب الدول الخليجية بأن إيران في حالة دفاع عن النفس، ويبدو أن طهران تحاول ممارسة مزيد من الضغوط على الدول الخليجية بمطالبة واشنطن بالإيقاف الفوري للحرب.
خامسًا: الصمت غير المفهوم
لم تنجر الأذرع الإيرانية حتى الآن سواء في العراق أو اليمن أو لبنان إلى الحرب الدائرة حالياً، عكس الحرب الماضية التي انطلق فيها تنظيم الحوثي في إطلاق المئات من الصواريخ والمسيرات تجاه إسرائيل، كما أن الحكومة اللبنانية حالياً بقيادة نواف سلام مترقبة لما ستؤول إليه المشهد، حيث يخشى سلام من انزلاق بلده مرة أخرى إلى مغامرة جديدة لحزب الله وإعلان الحرب على إسرائيل.
وختامًا:
الأمور ما زالت ملتبسة، فنتائج الضربات الأخيرة سواء الأمريكية والإسرائيلية أو الإيرانية لم تشر إلى أضرار كبرى في كلا الجانبين، كما أن إيران أكدت سلامة الرئيس مسعود بزشكيان والمرشد الإيراني علي خامنئي، لذا يُثار تساؤل سيتم التكشف عنه خلال الأيام المقبلة: هل كانت الضربة الحالية بمثابة رد لحفظ ماء الوجه لأمريكا، خاصة بعد حالة الحشد العسكري التي نفذتها واشنطن خلال الفترة الماضية، أم أنها عملية عسكرية شاملة تهدف إلى اقتلاع النظام الإيراني؟

فالشرق الأوسط يقف اليوم على تخوم مرحلة أكثر اضطراباً، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع رهانات السياسة، ويصبح أي خطأ في التقدير شرارة لتوسيع رقعة الصراع. فإما أن تنجح الضربات في فرض واقع تفاوضي جديد بشروط القوة، وإما أن تتدحرج المنطقة نحو مواجهة مفتوحة تتجاوز حدود الردع التقليدي، لتدخل في زمن اشتباك طويل يعيد تشكيل خرائط النفوذ والتحالفات لسنوات قادمة.
محمد الدابولي*



