المشروع الوطني للقراءة يعيد تشكيل الوعي الثقافي داخل الجامعات المصرية|خاص
في ظل توجه الدولة نحو بناء الإنسان المصري وتعزيز قدراته المعرفية، برز المشروع القومي للقراءة بالجامعات إحدى المبادرات الثقافية الكبرى التي أعادت الاعتبار لفكرة القراءة بوصفها ركيزة للتنمية الشاملة، وليس مجرد نشاط ترفيهي أو مسابقة عابرة.
ومع انخراط الجامعات المصرية في المشروع، تحوّل الحرم الجامعي إلى ساحة تنافس معرفي، انعكس بشكل مباشر على وعي الطلاب ومهاراتهم الأكاديمية والشخصية.
ومنذ إعلان Ministry of Higher Education and Scientific Research دعمها الكامل للمبادرة، بدأت الجامعات في إدماج المشروع ضمن خطط الأنشطة الطلابية، وتكليف منسقين بالكليات المختلفة لتنظيم ورش تعريفية وجلسات تدريب على مهارات القراءة النقدية والتلخيص والعرض.
مشاركة واسعة داخل الجامعات الكبرى
في Cairo University، شهدت المشاركة توسعًا ملحوظًا، حيث نظمت الكليات ندوات تعريفية ولقاءات مفتوحة مع الطلاب للتعريف بمسارات المشروع، خاصة مسار “الطالب الجامعي المثقف”، الذي يتطلب قراءة عدد محدد من الكتب وتقديم ملخصات وتحليلات نقدية. وأكدت إدارة الجامعة في أكثر من مناسبة أن المشروع ساهم في إعادة الحيوية إلى المكتبات الجامعية، وزيادة معدلات الاستعارة والاطلاع خارج نطاق المقررات الدراسية.
أما Benha University فقد اتجهت إلى تنظيم فعاليات موسعة داخل المجمعات الجامعية، مع توفير دعم لوجستي للطلاب المشاركين، وتخصيص مقار للتنسيق والمتابعة. واعتبرت الجامعة أن المشروع يمثل “نهضة ثقافية” داخل الحرم الجامعي، تعزز من بناء شخصية الطالب وتدعم قدرته على التفكير والتحليل.
وفي Menoufia University، جرى دمج المشروع ضمن خطة الأنشطة الثقافية السنوية، مع تحفيز الطلاب عبر شهادات تقدير ودعم إعلامي داخلي للفائزين والمتميزين، الأمر الذي ساعد في توسيع قاعدة المشاركة، خاصة في الكليات النظرية.
مردود مباشر على شخصية الطالب
لم يقتصر أثر المشروع على عدد الكتب المقروءة، بل امتد إلى تطوير مهارات نوعية لدى الطلاب. فقد ساهمت آليات التقييم القائمة على التلخيص والعرض الشفهي في تنمية مهارات التفكير النقدي، والقدرة على تحليل النصوص وربطها بالسياق المجتمعي.
كما عزز المشروع مفهوم “التعلم الذاتي”، حيث أصبح الطالب مسؤولًا عن اختيار الكتب، وتنظيم وقته، وبناء رؤيته الخاصة تجاه القضايا الفكرية والعلمية. هذا التحول انعكس إيجابيًا على الأداء الأكاديمي للعديد من المشاركين، وفق ما أكدته إدارات الكليات التي لاحظت تحسنًا في مستوى النقاش داخل المحاضرات، وارتفاع جودة التكليفات البحثية.
إضافة إلى ذلك، أسهمت المنافسة في رفع سقف الطموح لدى الطلاب، خاصة مع وجود جوائز مالية كبيرة في بعض المسارات، ما جعل المشروع عامل جذب حقيقي لشريحة واسعة من الشباب.
تصريحات رؤساء الجامعات: المشروع يتجاوز فكرة المسابقة
وفي ذات السياق أكد الدكتور محمد سامي عبد الصادق، رئيس جامعة القاهرة، أن المشروع الوطني للقراءة للجميع يمثل ركيزة أساسية في استراتيجية الجامعة لبناء شخصية الطالب المتكاملة، مشددًا على أن القراءة لم تعد نشاطًا ثقافيًا هامشيًا، بل أصبحت عنصرًا محوريًا في تطوير الوعي النقدي والقدرة على التحليل وصياغة الأفكار.
وأوضح تصريح خاص لموقع ايجبتك أن جامعة القاهرة حرصت منذ انطلاق المبادرة على توفير بيئة داعمة للمشاركة الفعالة، من خلال تنظيم ندوات تعريفية داخل الكليات، وتدريب منسقي المشروع، وتحفيز الطلاب على الانخراط في مساراته المختلفة، بما يعزز روح التنافس الإيجابي ويكرّس ثقافة الاطلاع المنهجي.
وأضاف أن الجامعة تنظر إلى المشروع باعتباره استثمارًا طويل الأمد في رأس المال البشري، حيث يسهم في صقل مهارات العرض والتلخيص والنقاش العلمي، وهي مهارات ترتبط مباشرة بجودة العملية التعليمية ومخرجاتها. كما أشار إلى أن دمج أنشطة القراءة ضمن خطط الأنشطة الطلابية يعكس التزام الجامعة بتحويل المعرفة إلى ممارسة يومية مستدامة داخل الحرم الجامعي.

واختتم تصريحه بالتأكيد على أن دعم المبادرات الثقافية الجادة يأتي في صميم رسالة جامعة القاهرة، التي تسعى دومًا إلى تخريج أجيال تمتلك الوعي والمعرفة والقدرة على الإبداع والمشاركة الفاعلة في بناء المجتمع.
أجمع عدد من رؤساء الجامعات على أن المشروع الوطني للقراءة ليس مجرد سباق ثقافي، بل هو مشروع استراتيجي يهدف إلى بناء وعي مستدام. وأكدوا أن القراءة المنظمة تُعد أساسًا لتخريج طالب يمتلك أدوات التحليل والفهم العميق، وهو ما يتماشى مع رؤية الدولة في إعداد كوادر قادرة على المنافسة إقليميًا ودوليًا.
وأشاروا إلى أن المشروع ساعد في إعادة الاعتبار للمكتبة الجامعية كمركز إشعاع ثقافي، وليس فقط مكانًا للمراجع الأكاديمية.
كما شددوا على أن الثقافة الواسعة للطالب أصبحت عنصرًا مهمًا في تأهيله لسوق العمل، الذي بات يتطلب مهارات تواصل وتحليل وحل مشكلات، لا تقتصر على المعرفة التخصصية الضيقة.
وفي سياق متصل أكد الدكتور ناصر سعيد مندور، رئيس جامعة قناة السويس، أن المشروع الوطني للقراءة للجميع لم يكن داخل الجامعة مجرد مسابقة تنافسية عابرة، بل جرى التعامل معه منذ اللحظة الأولى باعتباره مشروعًا استراتيجيًا لبناء الإنسان الجامعي معرفيًا وثقافيًا. وأوضح أن الهدف لم يكن قياس عدد الكتب المقروءة بقدر ما كان ترسيخ عادة القراءة كجزء أصيل من نمط الحياة الجامعية، بحيث تصبح ممارسة يومية تنعكس على وعي الطالب وسلوكه وأدائه الأكاديمي.
وأشار في تصريح خاص لموقع ايجبتك إلى أن الجامعة عملت على تطوير آليات التنفيذ بصورة مستمرة، فتم ربط المشروع بالأنشطة الطلابية والبرامج الثقافية وورش العمل وحلقات النقاش، بما أتاح للطلاب الانتقال من مجرد القراءة الفردية إلى القراءة التحليلية القائمة على الحوار والتفكير النقدي.
وأضاف أن هذا التحول هو المؤشر الحقيقي لنجاح المشروع، حيث لم تعد القراءة هدفًا للفوز أو الحصول على شهادة تقدير، بل أصبحت أداة لفهم أعمق للتخصصات العلمية والقضايا المجتمعية المعاصرة.
وفيما يتعلق بمؤشرات قياس التأثير، أوضح رئيس الجامعة أن التقييم استند إلى شواهد أكاديمية ملموسة، من بينها تحسن جودة الأبحاث والتكليفات العلمية، وارتفاع مستوى الاستشهاد بالمراجع المتنوعة في مشروعات التخرج، فضلًا عن تطور قدرة الطلاب على التحليل والمقارنة والاستنتاج داخل القاعات الدراسية. كما لوحظ ارتفاع معدلات المشاركة في الندوات الثقافية والفكرية، وزيادة الإقبال على المكتبات الجامعية، وهو ما يعكس تحولًا حقيقيًا في الوعي الثقافي لدى الطلاب.
وأكد الدكتور ناصر مندور أن التأثير لم يتوقف عند الإطار الأكاديمي، بل امتد إلى الجانب المجتمعي، حيث بادر العديد من الطلاب إلى تنظيم فعاليات لنشر ثقافة القراءة خارج أسوار الجامعة، والمشاركة في مبادرات تطوعية تستهدف المدارس ومراكز الشباب، بما يعكس إدراكًا متناميًا لدورهم في بناء مجتمع المعرفة. واختتم تصريحه بالتأكيد على أن المشروع الوطني للقراءة للجميع نجح في إحداث نقلة نوعية داخل الجامعة، بتحويل القراءة من نشاط تنافسي محدود الأثر إلى ثقافة مستدامة تسهم في تكوين شخصية جامعية واعية، قادرة على التفكير النقدي، والانفتاح الثقافي، والمشاركة المجتمعية الفاعلة.
تحديات واقعية وجهود للتطوير
رغم النجاح الملحوظ، واجهت الجامعات عددًا من التحديات، أبرزها ضغط الجداول الدراسية، وضعف ثقافة القراءة لدى بعض الطلاب في البداية، إضافة إلى الحاجة لتحديث بعض المكتبات وتوسيع مصادر الكتب الرقمية.
غير أن إدارات الجامعات تعاملت مع هذه التحديات عبر تكثيف الحملات التعريفية، وتنظيم مسابقات داخلية تمهيدية، وتوفير دعم إلكتروني لتسهيل الوصول إلى الكتب. كما يجري العمل على ربط المشروع بأنشطة بحثية وتطوعية، لضمان استدامة أثره بعد انتهاء كل دورة.
نحو ثقافة جامعية مستدامة
يؤكد متابعون أن القيمة الحقيقية للمشروع تكمن في قدرته على تحويل القراءة من نشاط موسمي إلى عادة يومية. فالجامعات التي نجحت في توسيع نطاق المشاركة بدأت تشهد تغيرًا ملحوظًا في المزاج الثقافي العام داخل الحرم الجامعي، حيث ارتفعت معدلات حضور الندوات والأنشطة الفكرية، وازدادت المبادرات الطلابية المرتبطة بالكتاب والمعرفة.
وفي هذا السياق، يواصل National Reading Project تطوير آليات التقييم والتوسع في المسارات، بما يضمن استيعاب أكبر عدد ممكن من الطلاب، وتحقيق العدالة في المنافسة.
يمكن القول إن المشروع الوطني للقراءة نجح في وضع القراءة مرة أخرى في قلب العملية التعليمية داخل الجامعات المصرية. فقد أعاد تشكيل العلاقة بين الطالب والكتاب، وعزز من حضور الثقافة في المشهد الجامعي، وفتح آفاقًا جديدة أمام الشباب لاكتشاف ذواتهم وتنمية مهاراتهم.
ويبقى التحدي الأكبر في السنوات المقبلة هو الحفاظ على هذا الزخم، وتحويله إلى سياسة مؤسسية دائمة، بحيث تصبح القراءة جزءًا أصيلًا من هوية الطالب الجامعي المصري، لا مجرد محطة عابرة في مسيرته الأكاديمية.