قطعًا لم تكن تصريحات السفير الأمريكي الصهيوني مايك هكابي عن إسرائيل الكبرى زلة لسان. إن الموافقة على مجيء تاكر كارلسون وتكبد عناء هذه الرحلة الطويلة من الولايات المتحدة إلى تل أبيب - وهو المعروف بانتقاداته اللاذعة لإسرائيل وسياساتها الإجرامية، والمعروف أيضًا بأن له ملايين المتابعين في العالم-؛ وكذلك الموافقة على محاورة "هكابي" تحديدًا وتجديد الحديث عن "إسرائيل الكبرى" ونشر الحوار في شهر رمضان الكريم؛ كل ذلك مقصود ومتعمد.
المشهد يقول إن هناك فريقًا صهيونيًا في إدارة ترامب مشبع بأحلام وأساطير وفي عجلة من أمره ويريد استغلال المشهد الدولي والإقليمي ربما تتحقق هذه الأحلام والأساطير. لا ننسى أن هذه الفريق الصهيوني ليس أيدولوجيا بالمعنى الحرفي لكنه قد يحرك بخيوط خفية كما تقول وثائق إبستين وغيرها من عشرات بل مئات الفضائح التي كشفت خواء هذا الغرب المريض.
في المشهد الدولي هناك رئيس أمريكي يريد أن ينتقل من نظام عالمي إلى نظام عالمي تستفيد منه الولايات المتحدة فقط؛ أو على الأقل تكون المستفيد الأكبر؛ لا يهمها إن كان ذلك على حساب الحلفاء أو الخصوم أو الاثنين معًا؛ لكن في نفس الوقت تتراكم أمامه العثرات والمشكلات ولذلك يتراجع كلما كبرت الخسائر وقلت المكاسب؛ ولذلك يريد هذا الفريق الصهيوني تخريب مجلس السلام وانتهاز الفرصة لإجبار ترامب على السماح بضم الضفة الغربية لإسرائيل.
في المشهد الإقليمي، هناك فرصة سانحة لخلط الأوراق مجددًا؛ فهناك حشد عسكري أمريكي ضخم قبالة إيران وحديث لا ينقطع عن الحرب؛ فإذا ما استطاع هذا الفريق الصهيوني إقناع ترامب بأن ضرب طهران سيحقق له مكاسب على الصعيد الداخلي والخارجي؛ فسيكون ضم الضفة الغربية شيئًا لا يذكره أحد أثناء الحرب على إيران.
أما إذا فوت النظام الإيراني الفرصة وجرى التفاوض فما الذي يمنع من قياس رد الفعل العربي والإسلامي في شهر رمضان - حيث المشاعر الدينية تكون في ذروتها وحيث ذكرى حرب العاشر من رمضان المجيدة- بتمرير مثل هذه التصريحات، استغلالًا للحشد الأمريكي الضخم من زاوية أخرى، وهي زاوية الترهيب، أي أن وجود هذا الحشد الأمريكي الضخم سيمنع ردود الفعل العربية والإسلامية بأن تكون قوية بما يكفي لإعاقة مشروع الضم، خاصة وأن إسرائيل تسرع من الإجراءات الاستفزازية في الآونة الأخيرة.
مصر وعلى لسان وزارة خارجيتها فطنت إلى الأمر وكان ردها سريعًا وحاسمًا؛ فأشارت إلى ترامب وخطته ذات النقاط العشرين لإنهاء حرب غزة لتنبيهه بما يحاك ضد رؤيته، بل إن البيان جاء قاطعًا لمجرد التفكير في ضم الضفة الغربية أو أية أجزاء من غزة، ناهيك عن الفكرة الهلامية من النيل إلى الفرات.