رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

إغلاق معبر الكرامة.. تصعيد لسيناريو "خنق الضفة الغربية"

معبر الكرامة  الرابط
معبر الكرامة الرابط بين الضفة الغربية والأردن

يأتي الإغلاق في سياق ردة فعل على المشروع الفلسطيني للاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية. يبدو أن نتنياهو يسعى لإرسال رسالة الخطوات الدبلوماسية التي تقوّض الوضع القائم تُقابل بإجراءات ميدانية ضد السلطة وموقفها السياسي.  يشير القرار إلى محاولة لإعادة فصل جزئي والتحكم في الحركة والتنقل، وخنق اقتصادي تدريجي.  وبأتي في وقت حساس تشهد فيه الساحة الفلسطينية نشاطًا دبلوماسيًا متصاعدًا، تمثّل في جهود فلسطينية حثيثة في الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية للحصول على اعتراف أوسع بالدولة الفلسطينية، والانضمام إلى منظمات ومعاهدات دولية. في المقابل، ترى حكومة نتنياهو هذه التحركات بمثابة تهديد مباشر لـلوضع القائم، ومحاولة للالتفاف على المفاوضات الثنائية التي ترفض إسرائيل الالتزام بها فعليًا منذ سنوات.

حشود من الفلسطينيين أمام معبر الكرامة 
حشود من الفلسطينيين أمام معبر الكرامة 

وبذلك يبدو أن إغلاق المعبر يُعد ردًا سياسيًا مباشرًا، يهدف إلى توجيه رسالة بأن أي تقدم فلسطيني في الساحة الدولية سيُقابل بخطوات ميدانية تُمارس فيها إسرائيل سلطتها وسيطرتها على الأرض، خصوصًا في ملفات حساسة مثل حرية الحركة والسيطرة على الحدود.

   المعابر الحدودية ليست فقط منافذ للناس والبضائع، بل وظائف استراتيجية: السيادة، الاقتصاد، النفوذ، العلاقات الإقليمية. إغلاقها هو أحد أساليب الضغط الذي يُستخدم لتحقيق أهداف سياسية بسبب ضعف البدائل أمام الفلسطينيين. بالإضافة تأثر العمال والطلاب والمرضى الذين يحتاجون إلى التنقل. بالإضافة لإحداث ازمة في استيراد البضائع، خصوصًا المواد الأساسية والأدوية، وارتفاع الأسعار ونقص المعروض وزيادة الفقر، واحتمال أن تستغل إسرائيل الاضطرابات كبادرة أمنية لتبرير إجراءات أكثر تشدداً. 

   الإغلاق قد يُستخدم كذريعة لتقليل فعالية المساعي الدولية، ويؤثر على حركة البضائع والأشخاص بين الضفة والعالم العربي، وقد يضطر الأردن لتقديم رد فعل دبلوماسي أو حتى إعادة النظر في الاتفاقيات التي تربطه بإسرائيل والفلسطينيين،  يمثل معبر الكرامة نقطة تقاطع بين السياسة الإسرائيلية والسيادة الأردنية، مما يجعل قرار الإغلاق أمرًا حساسًا في العلاقات الأردنية-الإسرائيلية. 

احتمالية أن يُدرج القرار ضمن شكاوى أمام المحافل الحقوقية والقانونية باعتباره من عناصر العقوبة الجماعية، والدعوة لتدخل المنظمات الدولية ومجلس الأمن والمجتمع المدني للضغط على إسرائيل لفك الحصار وأداء دور حفاظ على حقوق الإنسان.

 ولتقييم فاعلية الإغلاق كأداة لتحقيق الأهداف الإسرائيلية نرى أن الإغلاق حتى إشعار آخر قد يكون مؤقتًا، لكنه يمهّد لسياسة طويلة الأمد إذا استمر دون ردّ أو ضغط. وقد يعزز التعاطف الدولي مع الفلسطينيين، ويزيد من عزلة إسرائيل سياسيًا ودبلوماسيًا، ويفتح المجال لمطالبات بحقوق إنسانية وقانونية أقوى.

يتطلب القرار الإسرائيلي نشاط دبلوماسي فلسطيني وعربي ودولي سريع لاستنكار القرار ومحاسبة إسرائيل على انتهاكات الحريات وحقوق النقل والحركة. وتوثيق حقوقي وإنساني من حوادث إغلاق المعابر وما ينتج عنها من معاناة منظمات مثل الأونروا المفوضية العليا لحقوق الإنسان، هيئات المجتمع المدني يجب أن تجمع بيانات دقيقة، بالإضافة لتحشيد الرأي العام الدولي لنشر الواقع أمام المنابر الدولية والإعلام العالمي لتكثيف الضغط على إسرائيل، خاصة من الدول التي تؤمن بمعايير حقوق الإنسان.

قرار إغلاق معبر الكرامة ليس إجراءً بسيطًا أو عارضًا، بل مؤشر على استراتيجية إسرائيلية متصاعدة تهدف إلى خنق الضفة الغربية تدريجيًا، وهذا يتطلب تحرّك لوقف هذا المسار قبل أن يتحوّل الحصار الناعم إلى واقع شمولي.

يصبح القرار الإسرائيلي بإغلاق معبر الكرامة أكثر من مجرد إجراء سياسي أو أمني، إنه صفعة إنسانية قاسية لملايين الفلسطينيين الذين يعتمدون على هذا المنفذ كحق طبيعي للعبور والتواصل مع العالم. إن تحوّل الجسر الوحيد الذي يربط الضفة الغربية بالعالم إلى أداة عقاب جماعي، يعكس استخفافًا صارخًا بأبسط معايير الكرامة الإنسانية، ويكشف الوجه الحقيقي للاحتلال الذي لا يتردد في خنق حياة الناس من أجل معاقبة خياراتهم السياسية أو تطلعاتهم الوطنية.

منذ عقود يعاني الفلسطينيون من قيود الاحتلال وسياساته، لكن ما يحدث اليوم يوسّع من دوائر الألم ويضرب عمق الحياة اليومية: مريض يُمنع من السفر للعلاج، طالب يفقد فرصته في الدراسة بالخارج، عائلة تُحرم من لمّ شملها، وتاجر يخسر مصدر رزقه. وكل ذلك في وقتٍ يعيش فيه الشعب الفلسطيني أصلاً تحت صدمة المجازر المتواصلة في غزة، وتضييق مستمر في الضفة، وانهيار شامل في ثقة الناس بالعدالة الدولية.

هذا الإغلاق يكرّس فصلًا آخر من سياسة العقاب الجماعي التي تخالف كل القوانين والأعراف، وتؤكد أن الإنسان الفلسطيني لا يزال مستهدفًا في وجوده وحقه في الحياة والحركة والعمل والتعليم.

إن المجتمع الدولي مدعو اليوم للخروج من صمته، ليس فقط من باب السياسة بل من باب الإنسانية. فحين تُغلق المعابر أمام المرضى، وتُمنع المساعدات، ويُحاصر الناس فقط لأنهم فلسطينيون، فإن هذا لا يشكل خطرًا على السلام فقط، بل جريمة أخلاقية بحق الإنسانية جمعاء.

إن فتح المعابر ليس منّة ولا مكافأة بل واجب قانوني وأخلاقي. وعلى العالم أن يقول بوضوح: لا للحصار، لا لخنق المدنيين، ولا لاستخدام الحواجز كأدوات إذلال جماعي. فالكرامة الإنسانية لا تقبل أن تُختزل في بوابة مغلقة.

دكتور سعيد محمد أبو رحمة

كاتب وباحث فلسطيني- قطاع غزة

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء