بداية ضرورة ملحة أن نقول كلمة حق يراد بها حق ولا يراد بها باطل.
هذه الكلمة لا تدخل في باب المجاملات أو من باب التملق والمداهنة.
لماذا؟! لأننا جميعا نتابع ما يقدم في وسائل الإعلام، خصوصا الإعلام المشاهد على وجه التخصيص، ولعل المدقق البصير الناقد يجد برامج المفترض أنها إعلامية غثة لا ترقى إلى عقل المشاهد المستنير مقارنة بما كان يقدم قديمًا، أو ما يمكن أن نطلق عليه إعلام الزمن الجميل.
فكنا نشاهد مادة إعلامية محترمة سواء كانت هذه المادة سياسية أو اقتصادية أو علمية، ولن أذكر برامج بعينها حتى لا تخونني الذاكرة وأنسى إحداها، لكن لا يمكننا مثلا على المستوى العلمي أن ننسى العلم والإيمان، أو أن ننسى عالم البحار، أو عالم الحيوان، أو أن ننسى برامج ثقافية كان يقدمها عظماء الإعلام المصري، مذيعي ومذيعات ماسبيرو الأفاضل، والقامات الذين كانوا يستضيفونهم وعلى رأسهم عميد الأدب العربي.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه، فإنه على الرغم من العالم الحداثي وما بعد الحداثي الذي نعيشه، وثورة المعلومات الرهيبة وعالم الرقمنيات والميتافيرس والذكاء الاصطناعي، لماذا اختفت مثل هذه البرامج، وحتى إن كانت موجودة فما هي إلا مسميات جوفاء مفرغة من المضمون! إلا ما رحم ربي.
ليس ثمة مادة ثقافية تخاطب العقل، ليس ثمة مذيع أو مذيعة مثقف، ليس ثمة لغة.
ليست ثمة هدف اللهم إلا الاهتمام بالصورة فقط، بالشكل، إلا ما رحم ربي، فهناك من لا يزالون قابضين على الجمر مستمسكين بمبادئهم ومواثيقهم الإعلامية التي تربوا عليها وتعلموها من أساتذتهم في كليات الإعلام بأقسامها المختلفة أو أقسام الإعلام بكليات الآداب.
كان لهذه الأسباب مجتمعة الفضل في إحجام كثير من الأساتذة عن الظهور في مثل هذه البرامج المختلفة سواء في التليفزيون الرسمي أو في الفضائيات، أضيف إلى هذه الأسباب سبب رئيس، ألا وهو أن بعض هذه البرامج إن لم يكن كلها، برامج موجهة تملي إملاءات وتفرض فرضا على المشاهد، مما أصاب الإعلام المرئي وغيره في مقتل، وأفقده مصداقيته.
وهذا كان سبب إحجامي الشخصي عن الظهور في مثل هذه البرامج، لماذا؟! لأن أساتذة الفلسفة أصحاب رأي وأهل فكر ولا يمكن أن يكبت حريتهم الفكرية أحد أو يحجم نشاطاتهم الذهنية أحد أو يصادر على آرائهم أحد كائنا من كان.
إلى أن دعيت ذات مرة إلى برنامج على قناة فضائية عنوانه "هذا المساء مع قصواء"، حقيقة كنت لا أعرف هذه السيدة، لكنني كنت أسمع اسمها من الزملاء في الجامعة أولئك الذين تم استضافتهم في برنامجها.
اتصلت بي أسرة إعداد البرنامج، ترددت كثيرا، لكن قلت أتابع حلقة أو حلقتين من هذا البرنامج خصوصا أنه كان يذاع يوميا قبل أن أبدي موافقتي، وبالفعل وافقت، بل أنا من اتصل بهم وأبديت موافقتي، لماذا؟! لأنه من خلال مشاهدتي لهذا البرنامج ومتابعتي لهذه المذيعة، وجدت نفسي أمام حالة فريدة لم أشاهدها وسط هذا الكم الهائل من المذيعات، سيدة مثقفة جدا، واعية، مستنيرة، تعي جيدا ما تقوله، تعرف متى تناقش ومتى تتوقف وكيف تستدرج الضيف إلى ما يخدم الموضوع محل النقاش دون إحراجه.
شخصية تمتلك أدوات إعلامية ممتازة أهمها المهارة في إدارة الحوار، هي التي تمسك بزمام الحلقة، فضلا عن خفة دمها ومرحها، أيضا لديها القدرة على استخراج ما بجعبة الضيف من أفكار، تخرج عن النص كثيرا وفقا لما يقتضيه الموقف الذي وضعت فيه.
هذا من خلال مشاهداتي لها على مدار يومين متتاليين.
فعلا اتصلت بالمعد فقال لي سنتحدث عن فلسفة الفارابي وعن كتاب الموسيقى وأثره، قلت له تمام، وقبل اللقاء بيوم تواصل معي قائلا ممكن نتحدث عن ابن رشد وسيرته ومؤلفاته ومحنته، أنا أستاذ فلسفة إسلامية، والفلاسفة عندي سواء، بمعنى دارسهم دراسة متعمقة.
وبالفعل ذهبت إلى هذه القناة وتلك كانت المرة الأولى، واستقبلني الإعداد، وأتت اللحظة الفارقة ودخلت إلى الاستوديو فوجدت سيدة راقية محترمة وقورة صافحتني بترحيب شديد، جلست أمامها، أقسم شاهدتها وهي تراجع الحوار بحرفية تسبقها موهبة لامعة.
وبدأ اللقاء الذي جاء على غير العادة فالحلقة كانت مدتها ثلث الساعة، لكن استمر اللقاء إلى حوالي ثمان وعشرين دقيقة على الهواء.
سيدة دارسة لابن رشد، فكره، فلسفته، نكبته، مؤلفاته، أثره في الغرب الأوروبي، حاجتنا إلى عقل ابن رشد.
حتى عندما ذكرت تاريخ مولده ووفاته استوقفتني قائلة (على أرجح الأقوال).
بل كانت في بعض المواقف تستنبط الأسئلة من خلال كلامي وهذا قلما يحدث الآن..
وتوقف برنامجها فترة طويلة، ثم عادت متوهجة أفضل مما كانت، وعادت ببرنامجها لتبعث الأمل فينا من جديد، ولتقدم برنامجها هذا المساء مع قصواء، ولتقدم كل ما هو جديد، وكل ما يهم المواطن المصري في المقام الأول، وتناقش قضايانا المعيشة مع كبار المسؤولين، وتستضيف كبار الكتاب والمثقفين، على موقع إيجبتك الإلكتروني.
وأتمنى أن ينتشر هذا الموقع الإلكتروني وإن كنت أطمح أن يكون له صحيفة ورقية، لعل وعسى أن نجد من خلاله بارقة أمل وحلول جذرية لمشكلاتنا الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية.
لأنه جد لن تقوم قائمة لدولة ونحن في القرن الحادي والعشرين وقد أوشك العقد الثالث منه على الانفراط، لن تقوم قائمة لدولة تسعى إلى التنمية المستدامة إلا من خلال الشفافية والمصارحة والمكاشفة والمصداقية والمواجهة.