رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

فاتورة استيراد باهظة.. كيف يهدد الغاز المسال الاستقرار المالي في كولومبيا؟

أرشيفية
أرشيفية

أصبحت كولومبيا في سباق محموم مع الزمن لتفادي أزمة طاقة هيكلية، حيث تتقاطع احتمالات نفاذ الاحتياطيات المحلية المؤكدة مع تصاعد حاد في معدلات الاستهلاك الوطني، ومع اقتراب المهلة الزمنية التي لا تتجاوز ست سنوات قبل جفاف الآبار الحالية، تحول الغاز الطبيعي من مورد سيادي متوفر إلى عبء اقتصادي ثقيل، تجسد في قفزات تضخمية بلغت 17% في العاصمة بوجوتا، مما يضع أمن الطاقة القومي على المحك أمام خيارات الاستيراد المكلفة التي قد تهيمن على ربع احتياجات البلاد بحلول عام 2026.

 

ويمثل الغاز الفنزويلي المخرج الجغرافي الأقرب والأقل كلفة لكولومبيا، ومع ذلك تظل "إيكوبترول" رهينة التعقيدات القانونية الدولية والبحث عن ضوء أخضر من واشنطن، لا سيما أن تدفق الإمدادات عبر الحدود مرتهنا بتراخيص خاصة من الخزانة الأمريكية.

سيطرة واشنطن على النفط الفنزويلي لا يعكس فقط أزمة موارد، بل يكشف عن عمق الانكشاف الاستراتيجي لبوجوتا في لحظة فارقة تتطلب حلولاً براجماتية سريعة لتجنب سيناريوهات الإظلام الطاقي أو الانهيار السعري للمستهلك النهائي.

ولم يعد أمام الحكومة الكولومبية ترف مما دفعها للتحرك في مسارين متوازيين: الأول دبلماسي يطرق أبواب واشنطن لفك عقدة الغاز الفنزويلي، والثاني ميداني يبحث في سلة بدائل طارئة لامتصاص صدمة الأسعار وتأمين احتياجات السوق قبل بلوغ نقطة الحرجة.

معضلة الترخيص العابر للحدود

باتت شركة "إيكوبترول" المملوكة لكولومبيا في مواجهة مباشرة مع القيود القانونية الدولية، إذ لا يمكنها المضي قدماً في استيراد الغاز الفنزويلي دون موافقة أمريكية صريحة تجنبها العقوبات المالية، مما يحول أزمة الغاز المحلية من شأن داخلي إلى ملف شائك على طاولة العلاقات الثنائية بين بوغوتا وواشنطن.

 

وفي ظل تراجع الاحتياطيات المؤكدة، يمثل انتظار الترخيص الأمريكي مخاطرة زمنية غير محسومة النتائج، خاصة مع تعقيد الإجراءات البيروقراطية في البيت الأبيض وتغير الأولويات السياسية تجاه كراكاس.

كما يضغط هذا التأخير على الحكومة الكولومبية التي تسابق الزمن لتأمين بدائل قبل حلول عام 2026، وهو التاريخ الذي يتوقع أن يصل العجز في الإمدادات المحلية إلى مستويات حرجة تهدد الاستقرار الصناعي والمعيشي في البلاد.

هذا الواقع يضع كولومبيا أمام خيارات صعبة، إما القبول بتكاليف استيراد باهظة للغاز المسال من الأسواق العالمية، أو ممارسة ضغوط دبلوماسية مكثفة في واشنطن لانتزاع استثناء "إنساني وطاقي" يقي البلاد شبح الإظلام.

 

الغاز كأداة لكسر العزلة الفنزويلية

تحولت أزمة الغاز الكولومبية إلى ورقة ضغط استراتيجية بيد حكومة كراكاس، التي تسعى لاستغلال حاجة جارتها الماسة للطاقة لإعادة تأهيل قطاعها النفطي والغازي المعزول دولياً. فمن خلال ربط تدفق الغاز عبر خط أنابيب أنتونيو ريكاروزبالحصول على تراخيص أمريكية، تضع فنزويلا بوجوتا في خندق واحد معها للمطالبة بتخفيف العقوبات، مما يحول الحاجة الطاقية إلى أداة سياسية فعالة تهدف لكسر الحصار المالي المفروض على شركة النفط الوطنية الفنزويلية.

 

هذا التوجه الفنزويلي يفرض على كولومبيا دوراً غير مخطط له كوسيط اضطراري بين واشنطن وكراكاس، حيث تجد القيادة الكولومبية نفسها مضطرة للمرافعة عن ضرورة التكامل الطاقي الإقليمي لتجنب كارثة اقتصادية داخلية.

كذلك، فإن نجاح فنزويلا في ربط مصير الطاقة الكولومبي بملف عقوباتها يمثل انتصاراً تكتيكياً لنظام مادورو، الذي يطمح لاستعادة دوره كمورد أساسي للطاقة في أمريكا اللاتينية، مستفيداً من نضوب آبار الغاز في الدول المجاورة.

 

وعلى الصعيد الإقليمي، تثير هذه التبعية الطاقية الجديدة قلقاً في الأوساط السياسية الكولومبية، حيث يحذر معارضون من لاعتماد الكلي على الغاز الفنزويلي، لأنه قد يمنح كراكاس مفتاح التحكم في الاقتصاد الكولومبي مستقبلاً.

 ومع ذلك، يرى الفريق الحكومي في بوغوتا أن الواقعية الجغرافية والتقارب السياسي الحالي يفرضان المضي في هذا المسار، مع دراسة بدائل تكميلية مثل غاز البترول المسال لتقليل حدة الانكشاف أمام أي تقلبات سياسية قد تطرأ في كراكاس.

 

التحول الأخضر 

تجسد أزمة الغاز في كولومبيا صراعاً حاداً بين الطموحات البيئية للحكومة الحالية وبين الضرورات الأمنية للطاقة؛ فبينما كانت بوجوتا تقدم نفسها كنموذج عالمي في التحول الأخضر وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، أجبرها النضوب المتسارع للاحتياطيات على العودة للبحث عن مصادر تقليدية ملوثة أو مكلفة.

 هذا التحول القسري يضع مصداقية الأجندة المناخية الكولومبية على المحك، ويجبر صناع القرار على منح الأولوية لتأمين البقاء الطاقي على حساب الأهداف البيئية طويلة الأمد.

 

وأدى ارتفاع أسعار الغاز في كولومبيا بنسبة 17% إلى زيادة الضغط الشعبي على الحكومة، مما دفعها للبحث عن حلول سريعة بعيداً عن مشاريع الطاقة المتجددة التي لا تزال في مراحلها الأولى. 

في نهاية المطاف، يكشف لجوء الحكومة لدراسة توريد غاز البترول المسال كبديل طارئ عن تراجع مؤقت في سقف التوقعات المناخية مقابل تأمين احتياجات السوق المحلية. إن هذا المشهد يرسل رسالة واضحة للمجتمع الدولي مفادها أن العدالة الطاقية وتوفر الإمدادات بأسعار معقولة هما الركيزتان الأساسيتان لأي تحول أخضر مستدام، وبدونهما قد تضطر الدول النامية للارتهان لمصادر طاقة خارجية تزيد من تعقيد المشهد الجيوسياسي والبيئي على حد سواء.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء