حكاية ساعة قبل الفطار.. شفشق وأبريق
مع اقتراب أذان المغرب، ومع أولى إشارات الغروب التي تصبغ الأزقة والأحياء القديمة باللون الذهبي، تلتقي الحياة اليومية باللحظات الرمضانية الخاصة.
رائحة الطعام تتسلل من النوافذ، وضحكات الأطفال تتردد بين الجدران، وصوت الملاعق والمكابس الخشبية يخلط بين الماضي والحاضر، هنا، قبل ساعة الإفطار، تتحرك الحكايات بخفة، وتنتظر قلوبنا أن ترويها لنا.
في سلسلة “حكاية ساعة قبل الفطار”، نعرض تلك اللحظات التي تبدو عابرة لكنها تختزن في طياتها مغامرات صغيرة، ضحكات صادقة، وذكريات لا تُنسى. كل قصة تفتح نافذة على عالم رمضاني مختلف، حيث تتقاطع البراءة مع الفضول، والخيال مع الواقع، واللحظة العابرة تصبح درسًا في الإنسانية والصبر والفرح.
واليوم نقدم لكم القصة الخامسة في السلسلة، «شفشق وأبريق»، حيث نرافق شابين صغيرين من أحياء قريبة، يتشاركان عالمهما الخاص قبل لحظات الإفطار، في الأزقة والبيوت، بين ضحكاتهم ومغامراتهم، في عالم لا يعرف إلا البراءة والمغامرة.
قصة شفشق وأبريق
جلسا معًا في المقهى صامتين، «شفشق» و«أبريق»... هكذا عرفهما الجميع وسط اللصوص، فهما من أبناء منطقتين عشوائيتين قريبتين، ويحبّان الجلوس هنا حيث النشاط كله خارج منطقتيهما.
لا يظهران إلا في الصباح عند المغادرة، وفي منتصف الليل عند العودة. أطلق عليهما زملاؤهما هذين الاسمين بسبب حرصهما على نظافة ثيابهما وعطرهما الذي يضعانه دائمًا.
قال شفشق:
— فيه راجل اشتري تليفزيون عندنا في الزقاق… عايزين نسرقه.
اندهش أبريق:
— يعني إيه؟ ما كل الناس عندها تليفزيونات؟ دا بالذات ما كانش لازم يشتري.
رد شفشق مبتسمًا:
— أنت غريب أوي… ليه؟
قال:
— علشان مراته بتيجي كل ليلة تسهر مع أمي وأخواتي يتفرجوا على التليفزيون عندنا… والمرة دي حلوة وصغيرة.
ضحك أبريق:
— يخرب بيتك… إحنا في رمضان!
ابتسم شفشق وقال:
— ما هو دا اللي معذبني ليلة أول رمضان… بصت لي بصة، يا جدع… سيبت مفاصلي.
— اوعى تكون عملت حاجة.
ضحك شفشق:
— بصت لي وقالت لامي أنا عايزة أشرب شاي بالنعناع… ونفسي أعمله بنفسي وتشربي من إيدي… علشان أنا باعمله حلو أوي... وقبل أمي ما تنطق، قامت للمطبخ… وقمت دخلت وراها، لاقيت نفسي هاجم عليها، صدتني بإيديها وقالت: لا… بكرة رمضان… حرام. بعد رمضان مش حاحرمك من حاجة.
اندهش أبريق وأخرج مطواة من جيبه الخلفي وقال ضاحكًا:
— على النعمة دي… ست عايزة الدبح! طيب وانت عايز تسرق التليفزيون ليه؟
رد شفشق:
— علشان ترجع تسهر مع أمي… أمي دلوقتي اللي بتسهر معاها… مش عارف جوزها جاب فلوسه منين تليفزيون اتناشر بوصة.
— هو بيشتغل إيه؟
— مكوجي… رجل.
ضحك أبريق:
— ومستكتر عليه اتناشر بوصة؟ انت مفتري يا جدع.
وانطلقا يضحكان، ثم قال شفشق:
— بص… أنا عملت الخطة كلها… إنت ما حدش يعرفك في حتتنا. أنا حاجيب لك المفتاح بتاعهم.
— إزاي يعني؟
— هي حتديهولي.
— يعني هي موافقة؟
— طبعا… هي كمان عايزة تسهر مع أمي. قالت لي: على الأقل أشوفك لحد ما يخلص رمضان.
اندهش أبريق:
— طيب بالزمة اللي زي دي… مستنية رمضان يخلص ليه؟ ماهي رايحة جهنم؟
سكت شفشق لحظة وقال:
— برضه الأمل حلو.
— طيب يانبيه… حاروح لوحدي؟
— انت عارف بيتي… البيت التلات أدوار اللي جنبنا… الشقة يمين السلم الدور التالت… هي مش شقة طبعا… أوضة وصالة زي بتاعتنا… التليفزيون في الصالة على طول… وبكرة ساعة الفطار أحسن وقت… الناس كلها مخزنة في البيوت… وهي وجوزها معزومين عند حماتها. خلاص؟
— خلاص… حتجيب لي المفتاح إمتى؟
— أهو المفتاح.
أخرجه من جيبه، فضحك أبريق:
— يا ابن الإيه؟ دا انت محضر كل حاجة وتقول لي: حاجيب لك المفتاح؟
— التليفزيون دا تمنه ييجي خمسميت جنيه… أنا مية، وانت مية… وهي الباقي حنبيعه في أبعد حتة في مصر.
في اليوم التالي، ساعة الإفطار، كان أبريق يصعد السلم على حذر. فتح باب الشقة وانتهى بسرعة من حمل التليفزيون، والتزول به محمولًا أمامه على صدره، وراح ينزل السلم في هدوء. عند باب العمارة، وجد رجلاً يدخل مسرعًا، وقف أمامه متخشبًا، والنظر فيه دهشة:
— شفت حضرتك قلة الأصل بتاعة لناس… تليفزيون زي ده أجيبه لحد هنا؟ تقول لي ميت جنيه… علشان عارف إني محتاج… يعني؟!