رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

المعادن مقابل الشرعية|معادلة واشنطن الجديدة مع أوزبكستان

الهجرة غير الشرعية
الهجرة غير الشرعية إلى الولايات المتحدة - أرشيفية

في خطوة عكست ازدواجية لافتة في التعاطي الدبلوماسي، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية فرض عقوبات وقيود مشددة على تأشيرات استهدفت شبكة هجرة غير قانونية في أوزبكستان، شملت كبار المسؤولين في شركتين متخصصتين في تسهيل السفر عن علم لأفراد يعتزمون التسلل إلى الولايات المتحدة.

وجاء هذا الإجراء الصارم بتهمة تقويض الأمن القومي الأمريكي عبر استغلال مطارات ونقاط عبور في أمريكا الوسطى لتهريب المهاجرين، مؤكدة أن واشنطن لن تتساهل مع أي محاولات لخرق قوانين الهجرة المعمول بها.

وفي مفارقة لافتة، تزامنت هذه العقوبات مع وجود الرئيس الأوزبكي شوكت ميرزيوييف في واشنطن للمشاركة في الاجتماع الافتتاحي لمجلس السلام الذي يترأسه الرئيس دونالد ترامب والمخصص لإعادة إعمار غزة، وهو ما يبرز نهج الإدارة الأمريكية في فصل الملفات الأمنية والحدودية الحساسة عن مسارات الشراكة الاستراتيجية والاقتصادية.

ورغم ضرب شبكات التهريب، شهدت الزيارة توقيع اتفاقيات كبرى لتعزيز التعاون في قطاع المعادن الحرجة، ما يعكس رغبة واشنطن في إبقاء طشقند شريكاً استراتيجياً في آسيا الوسطى بعيداً عن ملف الهجرة الشائك.

وتجسد هذه المفارقة فلسفة البراجماتية المشروطة في سياسة واشنطن الحالية، حيث تفتح ذراعيها للشراكات الاقتصادية والسياسية الكبرى في مجلس السلام، بينما تضرب بيد من حديد أي تجاوزات تمس أمن حدودها؛ مما يضع طشقند أمام اختبار دقيق للموازنة بين طموحاتها الاستراتيجية وضبط شبكاتها الداخلية.

  شوكت ميرزيوييف
  شوكت ميرزيوييف

أمن الحدود فوق الدبلوماسية التقليدية

تأتي العقوبات الأمريكية الأخيرة لترسخ مفهوم "السيادة أولاً" الذي تتبناه إدارة ترامب، حيث لم يعد القرب السياسي كافيًا للتغاضي عن الثغرات الأمنية. فاستهداف كبار المسؤولين في شركات التأشيرات الأوزبكية بفرض قيود على السفر يبعث برسالة حازمة مفادها أن واشنطن تراقب بدقة مسارات الظل التي تبدأ من طشقند وتمر عبر دول أمريكا الوسطى وصولاً إلى الحدود الجنوبية للولايات المتحدة.

هذا الإجراء الصارم يمثل تحولًا في أسلوب التعامل مع الحلفاء، إذ لم تكتفِ وزارة الخارجية بالتنديد الدبلوماسي، بل انتقلت إلى الجراحة القانونية لضرب الهياكل الإدارية التي تسهل الهجرة غير النظامية. ومن خلال تسمية هذه الشركات واتهامها بالعمل عن علم، تضع واشنطن الحكومة الأوزبكية أمام مسؤولية مباشرة لضبط حدودها الداخلية وتطهير قطاع السفر والسياحة من شبكات التهريب الدولية.

وفي العمق، يخدم هذا التوقيت الأجندة الداخلية للإدارة الأمريكية، حيث يظهر للناخب الأمريكي أن الرئيس ترامب لا يقدم تنازلات في ملف الحدود حتى أثناء استقبال القادة الأجانب في البيت الأبيض. إنها دبلوماسية المكاشفة التي تفصل بين التقدير السياسي للزعماء وبين المحاسبة القانونية للمؤسسات المتورطة في تهديد الأمن القومي، مما يجعل من أوزبكستان نموذجاً لبقية دول آسيا الوسطى في هذا الملف الشائك.

ماركو روبيو
ماركو روبيو

أوزبكستان كلاعب في الشرق الأوسط

يمثل انضمام أوزبكستان إلى مجلس السلام تحولًا استراتيجيًا في هوية أوزبكستان الخارجية، من دولة حبيسة في آسيا الوسطى إلى فاعل دولي في أزمات الشرق الأوسط. هذا المجلس، الذي يركز على إعادة إعمار قطاع غزة، يمنح طشقند منصة لإثبات قدراتها في مجالات الهندسة والبناء والخدمات الإنسانية، وهو ما يتماشى مع طموحات ميرزيوييف لتعزيز حضور بلاده في المحافل الدولية الكبرى.

وتنظر واشنطن إلى أوزبكستان كشريك سني معتدل يمكنه لعب دور متوازن في مشاريع الإعمار الطموحة التي يروج لها البيت الأبيض ضمن خطة غزة الجديدة؛ فالتعهدات الأوزبكية ببناء المدارس والمستشفيات لا تقتصر على الجانب الإنساني، بل هي استثمار سياسي يمنح طشقند مقعداً على الطاولة بجانب القوى الإقليمية والدولية الكبرى، مما يعزز من ثقلها الدبلوماسي في مواجهة الضغوط التقليدية من جيرانها الكبار.

إلا أن هذه العضوية لا تخلو من أبعاد براجماتية بحتة، فالمشاركة في مبادرات ترامب الكبرى غالبًا ما تكون تذكرة مرور لتسهيل الصفقات الثنائية في مجالات أخرى. وبالنسبة لأوزبكستان، فإن الانخراط في ملف غزة يوفر لها غطاءً سياسياً دولياً، مما قد يخفف من حدة الضغوط الحقوقية أو العقوبات القطاعية في المستقبل، مقابل الالتزام بخطط واشنطن لإعادة تشكيل المنطقة.

معركة المعادن الحرجة 

تبرز أهمية اتفاقية المعادن الحيوية بين الولايات المتحدة وأوزبكستان في دورها لكسر الهيمنة الصينية على موارد المستقبل، فمن خلال تأمين الوصول إلى احتياطات أوزبكستان الضخمة من اليورانيوم والليثيوم والنحاس، تضع واشنطن مسمارًا في نعش سلاسل التوريد التي تتحكم بها بكين، وهو ما يفسر الحفاوة الاقتصادية الكبيرة التي قوبل بها الوفد الأوزبكي رغم عقوبات الهجرة.

الهجرة غير الشرعية إلى الولايات المتحدة - أرشيفية 
الهجرة غير الشرعية إلى الولايات المتحدة - أرشيفية 

وتأتي هذه الاتفاقية ضمن مظلة مشروع فولت الاستراتيجي، الذي يهدف إلى بناء مخزون أمريكي هائل من المعادن الضرورية لصناعات الدفاع والطاقة والتكنولوجيا، وبالنسبة لطشقند، يمثل هذا التعاون فرصة لفك الارتباط التاريخي مع النفوذ الاقتصادي الروسي والصيني، وجذب استثمارات تكنولوجية أمريكية متطورة تساعدها في تحويل مواردها الخام إلى قيمة مضافة حقيقية تدعم اقتصادها الوطني الناشئ.

كما أن التداخل بين الاستثمار الاقتصادي والأمن القومي يبدو جليًا في المنصة الاستثمارية المشتركة التي تم الإعلان عنها بمليارات الدولارات؛ فواشنطن لا تشتري المواد الخام فحسب، بل تبني حائط صد جيوسياسيًا في آسيا الوسطى عبر ربط مصالح طشقند الاقتصادية بالسياسة الأمريكية الطويلة الأمد.

الرئيس ترامب 
الرئيس ترامب 

ختامًا:

ترسم زيارة الرئيس ميرزيوييف لواشنطن ملامح النظام العالمي الجديد القائم على المصالح المتقاطعة والواقعية الصارمة؛ حيث تتعايش العقوبات الأمنية جنباً إلى جنب مع الشراكات المليارية. إذ أثبتت هذه الزيارة أن إدارة ترامب تجيد العزف على أوتار متعددة؛ فهي تدافع عن حدودها بالقيود والتأشيرات، وتؤمن مستقبلها الصناعي بالمعادن، وتصيغ دورها القيادي عبر مجلس السلام لإعادة إعمار المناطق المنكوبة.

أما بالنسبة لأوزبكستان، فقد نجحت في عبور حقل الألغام الدبلوماسي بحصولها على صفقات استراتيجية كبرى مقابل تقديم تنازلات في ملف الهجرة وانخراط أعمق في الأجندة الأمريكية الإقليمية.

وأخيراً، ستبقى العلاقة بين البلدين محكومة بمعادلة الأمن مقابل الاقتصاد، وهي معادلة تفرض على طشقند تحدياً مستمراً لتطهير مؤسساتها الداخلية من شبكات التهريب، لضمان استمرار تدفق الاستثمارات الأمريكية التي أصبحت شريان الحياة الجديد لطموحاتها في آسيا الوسطى.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء