رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

حكاية ساعة قبل الفطار.. برعي ورباعيات الخيام

ساعة قبل الفطار..
ساعة قبل الفطار.. ياعالم الأسرار

ساعة قبل الفطار، حين يصمت العالم قليلًا، وتصبح كل التفاصيل الصغيرة في بيوتنا ملموسة بعمق.. صوت الراديو، رائحة الخبز، وأصوات التحضيرات على المائدة، وكل ذلك يصبح جزءًا من اللحظة الروحية التي ننتظرها بشوق.

في هذه الرحلة الرمضانية، نسرد حكايات قصيرة لكنها غنية بالمعاني، عن الحياة البسيطة والقلوب الكبيرة، عن الأمل والحنين، عن الوحدة والرسائل التي تصل السماء قبل الإفطار.

واليوم، نقدم لكم الحلقة الثانية من حكاية ساعة قبل الفطار، لنلتقي برعي، الرجل الذي قضى عمره كله في كشك صغير على ترعة المحمودية، بين حي كرموز وحي راغب، كشك يبيع السجائر والبسكويت، لكنه يحمل معه ذكريات أربعين سنة، ورسائل قلبية تصل السماء، وحبًا صامتًا للشعر والموسيقى التي تهدهده في كل يوم قبل الإفطار.

يا عالم الأسرار

يملك برعي كشكًا صغيرًا على ترعة المحمودية، بين حي كرموز وحي راغب.. كان أغلب سكان المنطقة زمان من بائعي الترمس، واليوم ارتفعت العمارات واشتد الزحام، لكن برعي بقي في مكانه، لا يفكر في الانتقال، رغم أن كل من عرفه قد مات أو رحل عن المنطقة.

في بداياته، كان يبيع القصب للأطفال والكبار، واليوم يكتفي بالسجائر والبسكويت. لم يوافق على تنويع بضاعته رغم نصائح أبنائه، قائلاً:

• زمان كنت أقف لأبيع وأربيكما.. الآن أقف لأنه لا يمكن أن أمضي ما بقي من عمري جالسًا في البيت… وأنتظر إشارة من ربنا.

برعي لم يكن يكذب.. بجانب الكشك، يضع منذ أربعين سنة مسجلًا يشغل رباعيات الخيام، موسيقى تهدهده بعيدًا عن صخب الحياة، بينما الناس من حوله تغيروا والزمن مضى.

ذات مرة، قبل نهاية رمضان بأسبوع، طلب برعي من صديقه عبد الحكيم، الشاب الذي يعمل في شركة الغزل والنسيج، أن يساعده في كتابة رسالة لأهله في الصعيد:

• ايه رأيك تفطر معايا؟ أنت وحيد وأنا وحيد… وتكتب لي الخطاب قبل الإفطار.

جلس عبد الحكيم أمام الكشك، والجو شتاء، الشوارع فارغة والأطفال في بيوتهم.. وضع برعي على الطرابيزة الصغيرة المسجل وشريط رباعيات الخيام، وأوراقًا وقلمًا، وبدأ يملي عليه:

• والدي العزيز… والدتي الحبيبة… إخوتي الطيبين… زوجتي…

وبينما كانت الأغنية تتدفق، كتب عبد الحكيم الكلمات التي امتزجت فيها الحيرة والحب والحنين:

• يا من يحار الفهم في قدرتك… تطلب النفس طاعتك… أسكرني الإثم ولكنني صحوت بالآمال في رحمتك… إن لم أكن أخلصت في طاعتك، فإنني أطمع في رحمتك… وشفع لي أنني قد عشت لا أشرك في وحدتك… يا عالم الأسرار… يا كاشف الدر عن البائسين… عدنا إلى ظلك فاقبل توبة التائبين.

انتهت الرسالة، وانفتحت القلوب قبل مدفع الإفطار. جلس برعي مع عبد الحكيم على الطاولة الصغيرة، يتقاسمان طبق الفول والبصل والأرغفة، ممتلئين بالشعور بأن كلمات القلب وصلت إلى السماء، وأن ساعة قبل الفطار هذه حملت رسالة من الإيمان، من الحب، ومن الصبر الطويل.

وبعد قليل، قال برعي لعبد الحكيم:

• بكرة الصبح، قبل ما تفتح الكشك، حط الرسالة في البوسطة… وإن شاء الله يجي لنا رد.

وهكذا، بقي الكشك شاهدًا على حياة بسيطة، على ذكريات طويلة، وعلى رسالة قلبية تصل السماء قبل الفطار، تحمل معها روح رمضان ودفء الإنسان وصموده أمام الزمن.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء