محام بالنقض: ما كان مزاحًا في الماضي أصبح اليوم جريمة مكتملة الأركان|فيديو
قال المستشار علاء مصطفى، المحامي بالنقض والدستورية العليا، أن مفاهيم كثيرة كانت التعامل معها قديمًا باعتبارها “هزارًا” أو سلوكًا عابرًا، تحولت اليوم إلى جرائم مكتملة الأركان يعاقب عليها القانون، وعلى رأسها جرائم التنمر والتحرش، مشددًا على أن تطور التشريعات جاء استجابة لتحولات مجتمعية خطيرة تستوجب الردع والحماية القانونية، موضحًا أن التنمر لم يعد مجرد سلوك لفظي أو تصرف عابر كما كان يُصوَّر في بعض الأعمال الفنية قديمًا، بل أصبح جريمة يعاقب عليها القانون المصري، لما له من آثار نفسية واجتماعية خطيرة، خاصة على الأطفال والمراهقين، وقد يصل تأثيره إلى تدمير الضحية نفسيًا ودفعها إلى العزلة أو الاكتئاب.
التنمر لم يعد هزارًا والقانون يتدخل بحسم
وأضاف مصطفى، خلال لقاء على فضائية صدى البلد، أن التشريعات الحديثة وضعت تعريفًا واضحًا للتنمر، سواء كان لفظيًا أو جسديًا أو إلكترونيًا، مؤكدًا أن أي سلوك متكرر يهدف إلى السخرية أو الإهانة أو التقليل من شأن شخص آخر، يُعد جريمة تستوجب المساءلة القانونية، حيث أن المجتمع لم يعد يقبل بتبرير مثل هذه الأفعال تحت مسمى المزاح أو الدعابة، خاصة مع تصاعد وقائع التنمر داخل المدارس وأماكن العمل وعلى منصات التواصل الاجتماعي، وهو ما دفع الدولة إلى التدخل بقوة لحماية الضحايا.
وأوضح أن التحرش الجنسي يُعد جريمة بنص القانون، إلا أن ذلك لا يعني أن كل بلاغ بالتحرش يؤدي بالضرورة إلى الإدانة، مشددًا على أن القانون يفرق بين الادعاء الجاد والبلاغ الكيدي، وأن الفيصل في النهاية هو الأدلة والتحقيقات أمام جهات العدالة، فالمعاكسة في حد ذاتها كانت تُعد جريمة في فترات سابقة، إلا أن القانون الحالي أصبح أكثر دقة في توصيف الأفعال، حيث قد يتحول السلوك اللفظي أو الإيمائي إلى جريمة تحرش مكتملة الأركان، وقد يتطور الأمر في بعض الحالات إلى هتك عرض إذا تضمن سلوكًا ماديًا أو مساسًا بالجسد.
الضحية قد يكون رجلًا أو امرأة أو طفلًا
وأشار المحامي بالنقض، إلى أن صورة الجريمة النمطية لم تعد صحيحة، لافتًا إلى أن المعتدى عليه قد يكون رجلًا أو امرأة أو طفلًا، وليس بالضرورة أن تكون الجريمة دائمًا من رجل ضد امرأة، موضحًا أن هناك وقائع كثيرة تشهد اعتداءات من إناث على رجال، وقد تندرج قانونًا تحت جرائم تحرش أو هتك عرض وفقًا للوقائع، مؤكدًا أن القانون لا يميز بين الضحايا على أساس النوع، بل ينظر إلى الفعل ذاته ومدى توافر أركان الجريمة، وهو ما يعكس تطورًا مهمًا في الفكر القانوني لحماية جميع فئات المجتمع.
وتطرق المستشار علاء مصطفى إلى الإحصاءات الدولية والمحلية، مشيرًا إلى أن تقارير صادرة عن الأمم المتحدة كشفت أن نحو 99.3% من نساء مصر تعرضن لشكل من أشكال التحرش، وهي نسبة تعكس خطورة الظاهرة وانتشارها، كما أن مركز حقوق المرأة في مصر أكد بدوره انتشار وقائع التحرش، ليس فقط ضد المصريات، بل أيضًا ضد الأجنبيات، حيث أظهرت الدراسات أن 83.8% من الأجنبيات تعرضن للتحرش، ما يعكس أن الظاهرة لا ترتبط بجنسية أو فئة بعينها.
البلاغات الكيدية وحدود المسؤولية القانونية
ولفت إلى أن رغم خطورة الظاهرة، فإن بعض الحالات قد تكون فردية أو تحمل طابعًا شخصيًا، حيث تشعر بعض السيدات أو الأشخاص بأنهم تعرضوا لتحرش وفقًا لتقديرهم الشخصي، إلا أن أقوالهم قد لا تصمد أمام التحقيقات، مشيرًا إلى أن النيابة العامة والمحكمة تفصلان في الأمر وفقًا للأدلة، وفي حال عدم جدية البلاغ أو ثبوت كيديته، قد يحصل المتهم على البراءة، مؤكدًا أن القانون لا يُدان بالظن أو الاتهام المجرد.
وفي ختام حديثه، شدد المستشار علاء مصطفى على أن الهدف من تشديد القوانين ليس فقط معاقبة الجناة، بل تحقيق توازن دقيق بين حماية الضحايا ومنع إساءة استخدام القوانين في تصفية الحسابات الشخصية، مؤكدًا على أهمية الوعي القانوني لدى المواطنين، سواء فيما يتعلق بحقوقهم كضحايا أو بضرورة عدم إطلاق الاتهامات دون سند، مشيرًا إلى أن سيادة القانون تتحقق حينما تُصان كرامة الإنسان، ويُحاسب المخطئ، ويُبرأ البريء وفقًا للأدلة والعدالة.

