رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من المساعدات إلى المصالح: بوصلة العلاقات الأمريكية–الأفريقية في عهد ترامب

التواجد الأمريكي
التواجد الأمريكي في الدول الافريقية

شكّل نجاح دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الماضية وتوليه السلطة في يناير 2025 نقطة تحول فارقة في العلاقات الدولية، إذ عملتالتوجهات السياسية للرئيس الأمريكي، والمتمحورة حول رؤية «أمريكا أولًا»، على إحداث تغيرات جذرية في بنية العلاقات الدولية؛ إذ حرصترامب على تقليل انخراط أمريكا في العديد من الأزمات السياسية في معظم قارات العالم، كما حرص ترامب على تقليل المساهماتالأمريكية في المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة والعديد من المنظمات الأخرى التابعة لها.

مع بداية الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب تغيرت العديد من السياسات الدولية؛ فعلى سبيل المثال بدأت دول الاتحاد الأوروبي انتهاجسياسات أكثر تعزيزًا لدفاعاتها العسكرية، خاصة بعد تقليل ترامب انخراط بلاده في حلف الناتو، وبالتالي باتت الموازنات الأوروبية حاليًامركزة بشكل أساسي على شراء وتصنيع الأسلحة القتالية والدفاعية، وفي المقابل تم تخفيض مساهمات الدول الأوروبية والاتحاد الأوروبيفي المشاريع التنموية العالمية.

دونالد ترامب 
دونالد ترامب 

وفي إسرائيل، التي تعد أبرز حليف استراتيجي للولايات المتحدة، بدأت تتحسس هي الأخرى تغيرًا في نمط علاقتها مع واشنطن، وبدأت تُعدالعدة لخريف قادم في العلاقات مع أمريكا، إذ باتت تسعى هي الأخرى إلى تقليل الاعتماد على أمريكا، خاصة في مسائل التسليح وتوريدالمعدات العسكرية.

أما فيما يخص القارة الأفريقية، فتعد من أكثر مناطق العالم تضررًا من سياسات الرئيس ترامب، خاصة في الجزئية المتعلقة بتقليل الانخراطالأمريكي في المنظمات الدولية، والتي باتت تواجه عجزًا نقديًا أثّر على عمليات تلك المنظمات في أفريقيا، وفي مقدمة تلك العمليات عملياتحفظ السلام التي تقوم بها الأمم المتحدة رفقة الاتحاد الأفريقي في العديد من المناطق الملتهبة في أفريقيا مثل الصومال والكونغوالديمقراطية.

 

التواجد الأمريكي في الدول الافريقية
التواجد الأمريكي في الدول الافريقية

أفريقيا في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي

لم تحتل أفريقيا أي مكانة متميزة في الاستراتيجية الأمنية التي صدرت في نهاية ديسمبر 2025، حيث لم يُفرد لأفريقيا سوى سطور قليلةللغاية، إلا أنها كانت واضحة للغاية؛ إذ حدد ترامب أطر تعامل بلاده مع الدول الأفريقية في إطار ما يسمى تجارة المعادن والمواد النفطيةوالمواد الخام، أي أن العلاقات بين أمريكا وأي دولة أفريقية أخرى يتم تحديدها طبقًا لحجم المعادن النادرة التي تمتلكها تلك الدولة.

تتشابه الاستراتيجية الأمريكية لعام 2025 مع الاستراتيجية التي تمت صياغتها خلال الولاية الأولى للرئيس ترامب عام 2017؛ فكلاهما لميُبدِ اهتمامًا يُذكر بأفريقيا، خاصة في مجالات مكافحة الإرهاب، وذلك عكس الاستراتيجية التي تمّت صياغتها في عام 2022 في عهدالرئيس السابق جو بايدن، والتي عُدّت فيها أفريقيا شريكًا استراتيجيًا مستقلًا في الشؤون العالمية.

التواجد الأمريكي في الدول الافريقية
التواجد الأمريكي في الدول الافريقية

ولكن مما يميز الاستراتيجية الأمريكية الأخيرة هو التركيز على التجارة والاستثمار والابتعاد عن مسألة المساعدات، كما تم تحييد دبلوماسيةالأبعاد الثلاثة السائدة في السابق، والتي كانت تفترض قيام المؤسسات الدولية كالأمم المتحدة بإدارة علاقة الولايات المتحدة بأفريقيا،واستبدالها بدبلوماسية ثنائية، حيث باتت واشنطن تفضل بناء شراكات ثنائية مع دول أفريقية موثوقة.

لذا من المرجح أن يكون مستقبل علاقة الولايات المتحدة مع الدول الأفريقية خلال عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الموضوع المسيطر علىأعمال القمة التاسعة والثلاثين للاتحاد الأفريقي، والمقرر عقدها يوم 14 فبراير 2026 في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا.

اختلاف في اللهجة

منذ تولي الرئيس ترامب في يناير 2025، تعالت العديد من الأصوات المنادية بضرورة تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة وتخفيف العلاقاتمعها، إلا أن هناك رؤية مغايرة قدمها الدكتور جوزيف ساني، الباحث بمعهد الدراسات الأمنية بجنوب أفريقيا، والتي رأى فيها ضرورةتوسيع الحكومات الأفريقية خياراتها لتعزيز مصالحها، حيث ستظل أمريكا شريكًا محوريًا للدول الأفريقية، خاصة أننا أصبحنا في عالممتعدد الأقطاب.

أضاف ساني في مقالته على موقع معهد الدراسات الأمنية أن استراتيجية الأمن القومي ليست ملزمة بشكل كبير لصانع القرار، وأنها فيالحقيقة أقرب إلى الوثائق الاسترشادية، وأن طبيعة ترامب المزاجية والمتقلبة ستجعله في أوقات كثيرة يتجاهل الوثيقة الأخيرة.

التواجد الأمريكي في الدول الافريقية
التواجد الأمريكي في الدول الافريقية

بناء شراكة مستدامة

يرى الدكتور جوزيف ساني ضرورة قيام الدول الأفريقية بتعزيز مصالحها وبناء شراكة مستدامة ومربحة للطرفين، ويجب على الحكوماتالأفريقية أن تصبح أكثر استراتيجية ودقة في علاقاتها مع الولايات المتحدة، وذلك من خلال الخطوات التالية:

أولًا: تحديد المصالح الاستراتيجية

يجب أولًا على الحكومات الأفريقية تحديد مصالحها الاستراتيجية، والتركيز على كيفية مساهمة العلاقات البينية مع واشنطن في تحقيقالأهداف التنموية الأفريقية؛ فعلى سبيل المثال تسعى الولايات المتحدة إلى إيجاد شركاء أفارقة قادرين على تأمين إمدادات المعادن إلىأمريكا، لذا ينبغي على الدول الأفريقية معالجة المعادن محليًا قبيل تصديرها إلى الولايات المتحدة، وهو الأمر الذي يعزز المصالح المشتركةبين الجانبين، كما ستتحرر أفريقيا من الهيمنة الصينية التي تصر على استيراد المعادن الأفريقية في صورتها الخام وإعادة معالجتها فيالصين.

 

ثانيًا: تعزيز الحضور الدبلوماسي

ينبغي على الدول الأفريقية تعزيز حضورها الدبلوماسي في العاصمة واشنطن من أجل تحقيق التواصل المباشر مع المسؤولين الأمريكيين؛فإدارة ترامب الحالية تعتمد بشكل أساسي على العلاقات الشخصية أكثر من العلاقات المؤسسية.

 

ثالثًا: توسيع النطاق

ينبغي على الدبلوماسية الأفريقية توسيع دائرة تعاملاتها في أمريكا، وعدم الاقتصار فقط على القنوات الرسمية الدبلوماسية؛ فيجب علىالحكومات الأفريقية تعزيز شراكاتها مع الشركات الأمريكية والجاليات الأفريقية ومنظمات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية وغيرهامن جماعات الضغط في أمريكا.

التواجد الأمريكي في الدول الافريقية
التواجد الأمريكي في الدول الافريقية

رابعًا: تغيير تكتيكات التفاوض

اعتمدت الدول الأفريقية في السابق على استراتيجيات تفاوضية قائمة على استجلاب المساعدات الدولية للقضايا الأفريقية، لكن مؤخرًا فيعهد ترامب يجب على الدول الأفريقية دراسة أسلوب ترامب التفاوضي القائم على المبادلة النفعية بين جميع الأطراف.

 

خامسًا: تعزيز المنصات متعددة الأطراف الأفريقية

رغم تفضيل ترامب سياسة المفاوضات الثنائية، إلا أنه يجب أيضًا تعزيز المنصات الأفريقية متعددة الأطراف مثل الاتحاد الأفريقيوالتجمعات الأفريقية الإقليمية.

التواجد الأمريكي في الدول الافريقية
التواجد الأمريكي في الدول الافريقية

ختامًا:

تعكس استراتيجية الأمن القومي التي طرحها ترامب عام 2025 تحولًا جذريًا في العلاقات الأمريكية الأفريقية، والتي تتسم بنهج أمريكيانتهازي يُعطي الأولوية لمصالح الولايات المتحدة المحدودة على حساب التعاون والتنمية؛ لذا ينبغي للحكومات الأفريقية الاستجابة بتوسيعخياراتها بدلًا من استبعاد الولايات المتحدة بشكل تلقائي.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء