رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تقرير لمركز باستيت: ليبيا بعد مقتل سيف الإسلام القذافي

سيف الاسلام القذافي
سيف الاسلام القذافي

 

 

منذ منتصف يناير/كانون الثاني 2026، يتحرك المشهد الليبي ضمن معادلة مزدوجة تجمع بين مظاهر استقرارٍ شكلي في بعض المسارات الوظيفية للدولة-لا سيما في قطاع الطاقة وتسيير الإدارة اليومية-وبين هشاشة أمنية وسياسية بنيوية تجعل أي حادث نوعي قابلًا لإعادة تشكيل توازنات الفاعلين بسرعة، وفى هذا السياق حدث تطور مؤسسي لافت تمثّل في تعيين رئيس أركان جديد للجيش، في خطوة قُدِّمت رسميًا بوصفها محاولة لإعادة ضبط المشهد العسكري وتخفيف حالة التشرذم داخل المؤسسات الأمنية. وقد رُوِّج لشخصية رئيس الأركان الجديد باعتباره فاعلًا "وحدويًا" يسعى إلى إعادة توحيد البنية العسكرية، وتقليص نفوذ التشكيلات المسلحة المتنازعة، وإعادة الاعتبار لمنطق الدولة المركزية بوصفه إطارًا ناظمًا للعمل الأمني. وبغضّ النظر عن حدود القدرة الفعلية لهذا التعيين على إحداث اختراق حقيقي في معادلة الانقسام الليبي، فقد عكس الخطاب المصاحب له محاولة لخلق مناخ سياسي–أمني أكثر قابلية للاحتواء، في لحظة اتسمت بقدر من التهدئة النسبية وإدارة التوازنات القائمة بدل كسرها.

وجاء مقتل سيف الإسلام القذافي في 3 فبراير/شباط 2026 ليقلب هذا المسار الناشئ رأسًا على عقب، ويعيد إدخال المشهد الليبي في دائرة الشك وعدم اليقين. فالحادث-وفق الرواية المتداولة من فريقه القانوني- يحمل سمات واقعة عرضية، بل اتسم بمؤشرات عملية اغتيال مُدبَّرة، شملت اقتحامًا منظمًا نفذه مسلحون ملثمون مع تعطيل متعمد لكاميرات المراقبة. وهو ما لا يضعف فقط سردية "التهدئة المؤسسية" التي سعى تعيين رئيس الأركان إلى ترسيخها، بل يطرح تساؤلات أعمق حول قدرة أي ترتيبات وحدوية على الصمود في بيئة لا تزال تحكمها منطق تصفية الحسابات السياسية والأمنية، وتداخل مراكز القوة الرسمية وغير الرسمية.

وانطلاقًا من ذلك، تسعى هذه المقالة إلى تحليل مقتل سيف الإسلام القذافي بوصفه مدخلًا لفهم التحولات الجارية في توازنات القوة داخل ليبيا، من خلال تفكيك دلالات الحادث وتداعياته على الوضع الأمني والسياسي الراهن، ورصد تفاعلات الفاعلين المحليين-بما في ذلك القبائل والجماعات المسلحة والنخب السياسية-إلى جانب تقييم سياق تعيين رئيس أركان جديد للجيش، وما إذا كان يشكل محاولة لإعادة الضبط المؤسسي أم إدارة مرحلية للأزمة. كما تتناول المقالة مواقف القوى الإقليمية والدولية من هذه التطورات، قبل الانتقال إلى استشراف السيناريوهات المحتملة للمسار الليبي في المدى القريب بين الاحتواء، أو التصعيد، أو فتح مسار سياسي-أمني جديد.

الاطار المنهجي:

تعتمد هذه المقالة على المنهج التحليلي–الوصفي ضمن مقاربة دراسة الحالة(Case Study)، باعتبار مقتل سيف الإسلام القذافي حدثًا مفصليًا يمكن من خلاله تحليل ديناميات أوسع تتعلق بهشاشة الترتيبات الأمنية–السياسية في ليبيا. ويقوم التحليل على تتبّع التفاعلات بين الحدث الأمني عالي الرمزية، واستجابات الفاعلين المحليين (القبائل، التشكيلات المسلحة، النخب السياسية)، والمؤسسات الرسمية، بما يسمح بفهم كيفية تشكّل توازنات القوة وإدارتها في سياق انتقالي يتسم بالسيولة وعدم الاستقرار. ويستند هذا النهج إلى الأدبيات التي ترى أن الأحداث الصادمة (critical events) تمثل نقاط كشف للبُنى العميقة للصراع، وليس مجرد انقطاعات زمنية معزولة  (International-Crisis-Group، Libya: Preventing escalation after renewed political violence. Brussels.، 2026).

كما توظّف الدراسة تحليل الخطاب السياسي–الأمني (Discourse Analysis) لفحص البيانات الرسمية، والتصريحات الدولية والإقليمية، والتغطيات الإعلامية الدولية خلال الفترة من منتصف يناير حتى فبراير/شباط 2026، بهدف رصد أنماط السرد السائدة حول مفاهيم مثل "الاستقرار"، و"التحقيق القانوني"، و"إدارة المخاطر". ويُكمل ذلك استخدام التحليل الاستشرافي القائم على السيناريوهات (Scenario-Based Analysis) لتقدير المسارات المحتملة للمشهد الليبي في المدى القريب، استنادًا إلى متغيرين رئيسيين: أداء مؤسسات الدولة، ومستوى التعبئة السياسية–الاجتماعية. وتنسجم هذه المقاربة مع الأطر التحليلية المعتمدة أمميًا في تقييم النزاعات الهشة، والتي تجمع بين التحليل الآني واستشراف المخاطر المستقبلية(UN-Security-Council، 2026)

أولاً: دلالات مقتل سيف الإسلام القذافي وأثره على الوضع الليبي الراهن:

لا يمكن مقاربة مقتل سيف الإسلام القذافي بوصفه حدثًا أمنيًا معزولًا، بل كواقعة مركّبة تتقاطع فيها أبعاد رمزية وأمنية–حوكمية وقانونية وسياسية، بما يجعلها مؤشّرًا كاشفًا لهشاشة الترتيبات الانتقالية القائمة. ويمكن تفكيك دلالات هذا الحدث عبر أربع ابعاد تحليلية رئيسية: 

1-​ الدلالة الرمزية-السياسية

ظلّ سيف الإسلام القذافي، منذ سقوط النظام السابق، فاعلًا رمزيًا أكثر منه لاعبًا سياسيًا مباشرًا، إذ مثّل نقطة تجمّع لتيارات الحنين إلى الدولة المركزية السابقة، أو لشرائح اجتماعية ترى في "الاستقرار بأي ثمن" أولوية تتقدم على مسارات التحول الديمقراطي المتعثرة. ورغم تعثّر ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021، فإن حضوره الرمزي استمر كبديل افتراضي أو كأداة ضغط داخل المشهد السياسي المنقسم. ويُنتج غيابه القسري فراغًا داخل هذا المعسكر، يفتح الباب أمام سيناريوهين متناقضين: إما تفكك هذا التيار إلى شبكات محلية متنافسة، أو إعادة تشكّله حول رموز جديدة وتحالفات ظرفية، بما قد يعيد إدماجه في صراعات السلطة بوجوه مختلفة. ( Georgy، 3February2026) (Financial-Times, 4February2026)

2-​الدلالة الأمنية-الحوكمية

يحمل الاغتيال-لا سيما في مدينة الزنتان ذات الرمزية العسكرية والأمنية-دلالة مباشرة على محدودية قدرة السلطات القائمة على فرض احتكار الدولة للعنف الشرعي. فحدوث عملية من هذا النوع، وما رافقها من مؤشرات تخطيط وتنفيذ منظم، يضع مؤسسات الأمن والعدالة أمام اختبار مزدوج: اختبار القدرة على كشف الفاعلين ومحاسبتهم، واختبار استعادة الثقة العامة في منظومة الردع. وفي هذا السياق، لا يقل فشل التحقيق أثرًا عن الاغتيال ذاته، إذ من شأنه أن يعمّق الانطباع السائد بأن المجال الأمني لا يزال خاضعًا لمنطق الفاعلين غير الرسميين، وأن الدولة تعمل بوصفها وسيطًا هشًا لا سلطة جامعة . (Jazeera، 4February2026)   (الشرق-الاوسط، 4فبراير2026)

3-​الدلالة المرتبطة بمسار العدالة الانتقالية

من منظور حقوقي وقانوني، يثير مقتل سيف الإسلام خارج أي مسار قضائي إشكاليات جوهرية تتصل بمستقبل العدالة الانتقالية في ليبيا. فغياب المحاكمة لا يحرم المتهم فقط من ضمانات العدالة، بل يحرم الضحايا والمجتمع من حقهم في الحقيقة والمساءلة، ويُعيد إنتاج منطق "العدالة الانتقامية" بدل العدالة المؤسسية. وبذلك، يُسهم الحدث في تقويض فرص بناء سردية وطنية جامعة حول الماضي، ويزيد من تعقيد أي مسار محتمل للمصالحة، عبر تكريس فكرة أن التصفية الجسدية لا تزال بديلًا عن القانون. (DAWN، 3February2026)

4-​الأثر الفوري على الراهن السياسي

على المدى القصير، يُرجّح أن يُسهم الحدث في رفع منسوب الاستقطاب السياسي، سواء عبر توظيفه في خطاب التخوين المتبادل بين المعسكرات المتنافسة، أو باستخدامه كورقة ضغط في صراع النخب حول ترتيبات المرحلة الانتقالية المقبلة، بما في ذلك ملف الانتخابات وتوازنات السلطة داخل المؤسسات السيادية. كما قد يُستخدم الاغتيال لإعادة رسم خطوط الاصطفاف، أو لتبرير إجراءات أمنية استثنائية، بما يهدد بتحويله من واقعة كاشفة للأزمة إلى عامل مُسرّع لإعادة إنتاجها. (The-Guardian، 4February2026)

ثانياً: ردود الأفعال على مقتل سيف الإسلام القذافي

نظرًا لتسارع تطوّر ردود الفعل وتداخلها، تُعدّ مقاربة"دوائر التفاعل" أكثر ملاءمة من حصر المواقف في أسماء أو كيانات بعينها. فمقتل شخصية ذات حمولة رمزية عالية يُنتج استجابات متباينة تتوزع بين الاجتماعي/المحلي،  والأمني/المسلّح، والسياسي/المؤسسي، مع قابلية انتقال التأثير من دائرة إلى أخرى.

 

 

أ) الدائرة الاجتماعية/المحلية (القبائل والمناطق(

تشير المؤشرات الأولية-استنادًا إلى تغطيات إعلامية دولية وتحليلات ميدانية-إلى حالة قلق حذر داخل البيئات الاجتماعية التي احتفظت بتعاطف مع ما يُعرف بـ”التيار القذافي”، أو التي رأت في سيف الإسلام عنوانًا محتملاً لإعادة إنتاج الاستقرار المركزي بعد سنوات من الانقسام. ولا تتمثل المخاوف هنا في ردود فعل فورية منظمة بقدر ما تكمن في قابلية التوتر للانتشار عبر خطاب تعبئة عاطفي أو تداول شائعات انتقامية، بما قد يُعيد تفعيل خطوط انقسام محلية كامنة. (Reuters، 2026)

ب) الدائرة المسلحة (التشكيلات والفاعلون الأمنيون)

تفتح طبيعة الاغتيال باب التحليل أمام سؤال "القدرة التنفيذية" أكثر من سؤال "الهوية". فمؤشرات التنظيم والتخطيط تفرض مقاربة احتمالية منضبطة لا تقوم على الاتهام، بل على رسم سيناريوهات تفسيرية: (1) تورط شبكات محلية تمتلك معرفة ميدانية وقدرة لوجستية؛ (2) تصفية ضمن حسابات صراع سياسي–أمني؛ (3) تداخل مسارات أمنية غير رسمية في بيئة يغيب فيها الاحتكار الكامل للعنف.وتُعدّ هذه الدائرة الأكثر حساسية، إذ إن أي انزلاق في الخطاب العام نحو الاتهام غير المستند إلى أدلة قد يُفاقم الاحتقان، أو يدفع فاعلين مسلحين إلى اتخاذ إجراءات "وقائية" تزيد من هشاشة الوضع الأمني. (MAGDY، 4February 2026)

ج) الدائرة السياسية–المؤسسية (النخب والمؤسسات)

على المستوى السياسي، تباينت الاستجابات بين دعوات علنية لإجراء تحقيق عاجل وشفاف-صدرت عن شخصيات سياسية وإعلامية-وبين تحرّك مؤسسي تمثّل في إعلان النيابة العامة فتح تحقيق جنائي، وفحص مسرح الجريمة والجثمان. وتكمن أهمية هذه الدائرة في أنها تُتيح تقييم "استجابة الدولة" لا الحدث ذاته: سرعة الإجراءات، درجة الشفافية، وقدرة المؤسسات على إدارة التحقيق بعيدًا عن الاستقطاب.وعليه، فإن مآلات هذه الاستجابة-نجاحًا أو إخفاقًا-ستنعكس مباشرة على الثقة العامة، وعلى قدرة السلطات على احتواء التداعيات ومنع توظيف الحادث سياسيًا ضمن صراع النخب على ترتيبات المرحلة الانتقالية والانتخابات. (Aljazeera, 4Febraury2026)

ثالثاً: تعيين رئيس الأركان: إعادة ضبط أم إدارة أزمة

لفهم دلالات تعيين رئيس الأركان في الغرب الليبي، يصبح من الضروري التمييز بين زمن التعيين ووظيفته السياسية–الأمنية، بما يمنع إسقاط علاقات سببية لاحقة على تطورات لم تكن جزءًا من سياق القرار الأصلي.

 

أ) زمن التعيين وسياقه

جاء تعيين/تكليف صلاح الدين النمروش رئيسًا للأركان في المنطقة الغربية في أواخر ديسمبر/كانون الأول 2025، عقب وفاة رئيس الأركان السابق في حادث مفاجئ، وهو ما دفع السلطات إلى التحرك السريع لسد فراغ قيادي داخل مؤسسة عسكرية تعاني أصلًا من تداخل الصلاحيات وتعدد مراكز القوة .(Reuters، Libya appoints new chief of staff in western region after sudden vacancy.، 2025) ومن ثمّ، يُقرأ هذا القرار-زمنيًا-بوصفه إجراءً إداريًا/مؤسسيًا يهدف إلى الحفاظ على الحد الأدنى من الاستمرارية القيادية، أكثر من كونه استجابة لتطورات سياسية أو أمنية وقعت لاحقًا.

ب) وظيفة التعيين خلال نافذة 15 يناير–4 فبراير 2026

خلال هذه الفترة، يمكن مقاربة دور رئيس الأركان الجديد عبر مستويين تحليليين غير متعارضين:

أولًا، إعادة ضبط داخلي محدود، تمثّل في محاولة خلق قناة قيادة مركزية تقلل من الاحتكاك بين التشكيلات المسلحة في معسكر الغرب، وتُوحِّد الحد الأدنى من القرار العسكري، بما ينسجم مع الطروحات الأممية حول ضرورة توحيد الهياكل العسكرية كشرط للاستقرار (UNSMIL، 2024)  ثانيًا، إدارة أزمة مستمرة، إذ لم يتخذ الدور طابع إصلاح بنيوي شامل، بقدر ما انصبّ على احتواء سلسلة صدمات متراكبة، شملت اشتباكات محلية ومنافسة بين التشكيلات المسلحة وارتفاع وتيرة الاغتيالات، في محاولة لمنع الانفلات الأمني والحفاظ على تماسك هشّ للمشهد  (International-Crisis-Group، 2024)وعليه، يبدو التعيين أقرب إلى أداة لإدارة المخاطر قصيرة الأمد منه إلى مشروع لإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية.

ج) هل توجد صلة مباشرة بمقتل سيف الإسلام؟

استنادًا إلى المصادر العلنية الموثوقة، لا تتوافر مؤشرات تُثبت وجود علاقة سببية أو تنسيقية مباشرة بين تعيين رئيس الأركان ومقتل سيف الإسلام القذافي. والأكثر اتساقًا مع المنهج الأكاديمي هو طرح مجموعة فرضيات تفسيرية دون الجزم بأي منها:

•​فرضية الاستقلال: التعيين مسار مؤسسي لسد فراغ قيادي، في حين يعكس الاغتيال هشاشة البيئة الأمنية وتعدد الفاعلين القادرين على تنفيذ عمليات نوعية (Reuters، Libya launches investigation after high-profile killing amid political tensions.، 2026)

•​فرضية البيئة الممكنة: حتى في غياب ارتباط مباشر، فإن صراع النفوذ داخل القطاع الأمني يخلق بيئة تمكينية تسمح بحدوث عمليات اغتيال عالية الحساسية  (African-Security-Analysis، 2026)

•​فرضية الرسائل السياسية: قد يحمل الاغتيال رسائل ردع أو إعادة رسم خطوط داخل المشهد السياسي، بما يفرض على القيادة العسكرية التعامل مع ارتدادات أمنية لاحقة، دون أن يعني ذلك التخطيط لها أو التورط فيها(African-Security-Analysis، 2026)

في المحصلة، لا تكمن أهمية هذا العنصر في إثبات علاقة سببية بين الحدثين، بقدر ما تتجلى في إبراز كيف حوّل مقتل سيف الإسلام تعيين رئيس الأركان من إجراء إداري محدود إلى اختبار عملي لقدرة القيادة العسكرية على امتصاص الصدمات وضبط التفاعلات في بيئة لا تزال تحكمها توازنات قوة غير رسمية.

رابعاً: موقف القوى الإقليمية والمجتمع الدولي

في أعقاب مقتل سيف الإسلام القذافي في 3 فبراير 2026، تجلّى ردّ الفعل الدولي والإقليمي في اتجاهات متوازية تعكس "أولوية الاستقرار السياسي" ،مع تشديد على التحقيق القانوني والتقليل من المخاطر الأمنية–السياسية التي قد تنجم عن هذا الحادث في بيئة ليبية هشة.

1-​ على مستوى المجتمع الدولي والمؤسسات الدولية، ظهر خطاب قوي أكد على ضرورة التحقيق في ملابسات القتل ضمن إطار قانوني بدل التسامح مع الإرهاب أو العنف خارج نطاق القضاء، حيث أدان  الاتحاد الافريقي  الحادث باعتباره تهديدًا لمسار الانتقال السياسي الهش في ليبيا ودعت إلى ضبط النفس وعدم الانزلاق إلى مزيد من التصعيد، معتبرة أن الاغتيال قد يضر بآفاق المصالحة الوطنية والاستقرار العام في البلاد. هذه الدعوات عبرت عن أولوية المجتمع الدولي لترسيخ سيادة القانون كمدخل أساسي لاحتواء تداعيات الاغتيال على العملية السياسية، وجعل التحقيق الشفاف أداة في مواجهة منطق “قانون الغاب” الذي يهدّد المؤسسات الليبية  (African-Union، 4February2026)

كما شهدت الساحة الدولية دعوات من الجهات الحقوقية إلى تقديم الحادث إلى مسار قانوني عالمي، واعتبرت أن التصفية خارج القضاء تضر بمفهوم العدالة والمساءلة وتحرمه من فرصة إخضاع الفاعلين للمساءلة القانونية؛ وهو ما عكس تركيزًا حقوقيًا دوليًا في ظل التوترات المتزايدة. (DAWN، 3February2026)

2-​  على مستوى القوى الإقليمية القريبة جغرافيًا من ليبيا، اتضح تركيز مُسبق على احتواء المخاطر الأمنية–الحدودية التي قد تنجم عن اغتيال شخصية وطنية بوزن سيف الإسلام. فبينما لم تُصدر بيانات رسمية قوية من دول بعينها حتى الآن، فإنه من المتوقع-بما يتماشى مع المواقف التقليدية لدول الجوار-أن تسعى القوى الإقليمية إلى تجنّب أي ردود فعل قد تؤدي إلى تصعيد واسع أو تمدّد العنف إلى الحدود والمناطق المتاخمة لها، في ظل اهتمامها بمسائل مثل الحدود، الهجرة، مكافحة الإرهاب، وحماية الموارد الاقتصادية. وأظهر هذا الشكل من المقاربة رغبة في إدارة المخاطر الأمنية وتقليل أي انعكاسات سلبية على استقرار الإقليم الأوسع، حتى مع اختلاف الأولويات السياسية بين هذه القوى. (برن-برس، 2026)

في مجمل الموقف، برز موقف المجتمع الدولي رغبة في ربط الاستقرار السياسي بآليات قانونية للتحقيق والمساءلة، في حين تتجه المقاربات الإقليمية نحو إدارة المخاطر الأمنية والسياسية في محيط ليبيا، مع الدعوة ضمنيًا إلى تجنب أي توترات تُفاقم الانقسامات الداخلية.

خاتمة   السيناريوهات المحتملة لمسار الوضع الليبي بعد مقتل سيف الاسلام

في ضوء التفاعلات الأمنية والسياسية والاجتماعية التي أعقبت مقتل سيف الإسلام القذافي، يمكن استشراف المسار الليبي القريب من خلال مصفوفة تحليلية بثلاثة سيناريوهات رئيسية، تتباين وفق متغيرين حاسمين: أداء مؤسسات الدولة "خصوصًا التحقيق والضبط الأمني"، ومستوى التعبئة السياسية–الاجتماعية.

السيناريو الأول: احتواء مضبوط (السيناريو الأرجح مشروطًا)

يفترض هذا السيناريو نجاح السلطات في إدارة الحدث ضمن إطار مؤسسي/قانوني، بما يمنع تحوله إلى رافعة تصعيد. ويتحقق ذلك عبر إحراز تقدم ملموس في التحقيقات الجنائية- من حيث جمع الأدلة، الاستماع إلى الشهود، واتخاذ إجراءات قضائية واضحة-بما يُنتج رواية رسمية ذات مصداقية تقلل من مساحة الشائعات. ويتزامن ذلك مع ضبط أمني استباقي في المناطق الحساسة لمنع ردود فعل انتقامية أو اشتباكات محلية. وفي هذا السياق، يُرجَّح أن يشهد "التيار القذافي" إعادة تموضع محدودة داخل المشهد السياسي دون انفجار واسع، مع انتقال الثقل من التعبئة الرمزية إلى محاولات اندماج أو تحالفات ظرفية. (African-Security-Analysis، 2026)

الدلالة التحليلية: هذا المسار يتسق مع أولوية المجتمع الدولي لـ"الاستقرار المنظّم" وربط التهدئة بالمسار القانوني.

السيناريو الثاني: تصعيد تدريجي (في حال استمرار الغموض)

ينطلق هذا السيناريو من فشل الدولة في إنتاج رواية رسمية مقنعة، أو بطء شديد في الإجراءات، ما يفتح المجال أمام الشائعات وخطاب الانتقام. ومع توسّع حالة الغموض، قد تظهر اشتباكات محلية ورسائل عنف متبادلة بين فاعلين غير رسميين، تُستخدم فيها واقعة الاغتيال كأداة تعبئة سياسية وإعلامية. ومن شأن هذا المسار أن يُربك أي ترتيبات انتخابية محتملة، ويُعيد إنتاج مناخ الاستقطاب الحاد، بما يطيل أمد المرحلة الانتقالية ويزيد من هشاشة المؤسسات. (International-Crisis-Group، Libya: Preventing escalation after renewed political violence. Brussels.، 2026)

الدلالة التحليلية: هنا يتحول الاغتيال من حادث أمني إلى عامل مُسرِّع للتفكك السياسي–الأمني

السيناريو الثالث: فتح مسار جديد (إعادة ترتيب التوازنات)

يفترض هذا السيناريو أن غياب سيف الإسلام قد يُزيل "عقدة رمزية" كانت تُعقّد حسابات بعض الأطراف في مسارات التوافق والانتخابات، بما يسمح بإعادة ترتيب التوازنات السياسية. غير أن تحقق هذا المسار يظل مشروطًا بتوافر بدائل سياسية قادرة على ملء الفراغ الرمزي، وبمستوى كافٍ من التهدئة الأمنية يمنع توظيف الحدث في صراعات انتقامية. وفي حال غياب هذه الشروط، يتحول الفراغ من فرصة لإعادة الترتيب إلى عامل عدم استقرار إضافي.

 

الدلالة التحليلية: هذا المسار الأقل ترجيحًا على المدى القصير، لكنه يظل ممكنًا إذا تلاقت التهدئة الأمنية مع إعادة اصطفاف سياسي واقعي (UNSMIL، Briefing on political and security developments in Libya، 2026)

خاتمة    

تُظهر مجمل التحليلات أن مقتل سيف الإسلام القذافي شكّل لحظة كاشفة لاختلال المعادلة التي حكمت المشهد الليبي منذ منتصف يناير/كانون الثاني 2026، حيث تزامنت مظاهر استقرارٍ شكلي في بعض المسارات الوظيفية للدولة مع هشاشةٍ أمنية–سياسية بنيوية. فالحدث لم يُربك فقط سردية “التهدئة المؤسسية” التي رافقت تعيين رئيس الأركان، بل أعاد اختبار قدرة الدولة على احتكار العنف الشرعي، وفاعلية مؤسسات العدالة، وحدود إدارة التوازنات بدل كسرها. كما أبرزت ردود الفعل المحلية والإقليمية والدولية تقاطعًا بين أولوية الاستقرار وتفضيل إدارة المخاطر، مقابل تشديدٍ معلن-وإن ظل هشًّا-على المسار القانوني بوصفه أداة احتواء لا غنى عنها.

وعليه، لا تتحدد مآلات المرحلة المقبلة بطبيعة الحدث ذاته، بل بكيفية إدارته مؤسسيًا: سرعة وشفافية التحقيق، ضبط المجال الأمني، ومنع توظيف الاغتيال في تعبئة انتقامية أو صراع نخبوي يُربك أي أفق انتخابي.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء