مفاوضات مسقط: صفقة أمريكية سريعة أم مقامرة استراتيجية في الشرق الأوسط؟
تُجرى حاليًا المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في العاصمة العمانية مسقط، وسط توقعات باحتمالية توصل الطرفين إلى اتفاقية مشتركة تضمن كافة البنود الخلافية بين الطرفين، وإنهاء حالة التهديد العسكري المتبادل بينهما.
تسعى واشنطن إلى التوصل إلى اتفاقية تضمن تحقيق انتصار سياسي للولايات المتحدة، خاصة بعد تراجعها في الفترة الأخيرة عن التدخل العسكري في إيران، على غرار تجربة فنزويلا التي تم فيها اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، وأيضًا تهدئة المخاوف والهواجس الأمنية لدى حلفاء أمريكا في الشرق الأوسط، وفي مقدمتهم إسرائيل، من البرنامج النووي الإيراني والبرنامج الصاروخي، وأخيرًا أذرع إيران في منطقة الشرق الأوسط.

التحركات الأمريكية الأخيرة على الساحة الإيرانية لم تلقَ قبولًا يُذكر في الأوساط الإسرائيلية، التي ترى ضرورة إزاحة النظام الإيراني الحالي كحل أمني لجميع دول المنطقة، وأن مسألة المفاوضات مع الجانب الإيراني في ظل النظام القائم ضربٌ من ضروب العبث والخيال. لذا، من المتوقع أن تتم زيارة عاجلة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة خلال الأيام القليلة القادمة، في محاولة للتأثير على موقف واشنطن من المفاوضات الجارية في مسقط. وجدير بالذكر أن تلك الزيارة هي الثانية له خلال عام 2026؛ فزيارته الأولى كانت مطلع الشهر الماضي، وفيها تم حث الإدارة الأمريكية على توجيه تهديدها الصريح للنظام الإيراني بالتوقف عن قمع المعارضين، وإلا ستتدخل واشنطن عسكريًا في إيران.
انقلاب إسرائيلي
خلال شهر أكتوبر 2025 بات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هو الحامي والحافظ للحقوق والمصالح الإسرائيلية، حيث دأبت الصحافة ووسائل الإعلام والدراسات الإسرائيلية على وصف عهد ترامب بالجنة المفتوحة لإسرائيل، إذ كان الضامن الوحيد للمصالح الإسرائيلية في اتفاق وقف إطلاق النار في 9 أكتوبر الماضي، كما عُد ممثل إسرائيل خلال مؤتمر السلام بشرم الشيخ في 13 أكتوبر 2025.

يبدو أن حالة الرضا التام عن سياسات ترامب بدأت تتهاوى أمام انتهاج واشنطن سياسة الحوار والمفاوضات غير المباشرة مع الجانب الإيراني، حيث برزت مؤخرًا العديد من مقالات الرأي في الصحف الإسرائيلية منتقدة سياسات ترامب وعدم فهمه للتوجهات والديناميكيات السياسية في منطقة الشرق الأوسط.
وفي هذا الإطار، برز مثلًا الكاتب إريك ر. ماندل، كبير محرري صحيفة جيروزاليم بوست العبرية والمساعد البحثي للعديد من أعضاء الكونجرس الأمريكي، حيث اتهم ماندل الرئيس ترامب بعدم الفهم لما يجري من سياسات الدول في منطقة الشرق الأوسط، وأن ترامب يسعى في المقام الأول إلى تحقيق صفقات ونصر سياسي سريع يصاحبه التقاط للصور، حتى وإن تسبب ذلك في الإضرار بالمصالح القومية لأمريكا وشركائها في المنطقة.
ديناميكيات الشرق الأوسط
يرى ماندل أن مع دخول الولايات المتحدة مفاوضات مع النظام الإيراني الحالي، ينبغي على الأمريكيين إدراك مدى سوء فهمهم لمنطقة الشرق الأوسط، فالعديد من المفاهيم الخاطئة تؤثر على السياسة الأمريكية، وبالتالي يعقبها نتائج أمنية غير مرضية لأمريكا ولا لحليفتها الموثوقة إسرائيل.

مضيفًا ضرورة التواضع وتبني نهج الواقعية عند التعامل مع جميع الأطراف الفاعلة في منطقة الشرق الأوسط، سواء كانوا أصدقاء أو أعداء، فالأمور في منطقة الشرق الأوسط لا تسير وفق المفاهيم الغربية القائمة حول التحالفات والمؤسسية، حيث تتبع العلاقات في منطقة الشرق الأوسط منطقًا مختلفًا قائمًا على الدين والهوية والتاريخ والتنافسات الضاربة في جذور الزمن بين دول المنطقة.
فواشنطن، على سبيل المثال، تُقدر قوة الاتفاقيات الرسمية وتقلل من شأن ثقل الهوية التاريخية لدول المنطقة، أما دول المنطقة فتعزز منطق البقاء في تحالفاتها من ناحية، وتعلي من شأن الهوية والقيم التاريخية الموروثة. لذا قد تلجأ دول الشرق الأوسط إلى التحالف اليوم، وبعد غد تنقض تحالفاتها في حال تغير مصالحها. وفي هذا الإطار يشير الكاتب الإسرائيلي إلى العديد من حالات التحالف في المنطقة، وهي:
أولًا: التحالف السعودي التركي الباكستاني
يتساءل الكاتب حول هوية هذا التحالف، والذي يبدو من الوهلة الأولى أنه تحول استراتيجي كبير في دول المنطقة، لكنه في الأساس وفق الرؤية الإسرائيلية ما هو إلا مجرد مناورة تكتيكية بين خصوم ذوي مصالح متداخلة في لحظة معينة، وسرعان ما يبهت أثر هذا التحالف مع أي تغير متوقع في المنطقة، حيث إن هذا التحالف بُني في الأساس على مصالح وأهداف مشتركة مؤقتة زمنيًا، ولم يُبنَ على أسس من القيم المشتركة.
ثانًيا: تحالف إيران ـ حماس
يعد التحالف بين حماس وإيران من أبرز التحالفات القائمة على المصلحة المشتركة وليس على أسس الثقة والقيم المشتركة؛ فحماس حركة سنية عربية، أما إيران فهي دولة شيعية فارسية، ومن البديهي أن يكون الطرفان أعداء، إلا أن أولوية تدمير إسرائيل (مصلحة مشتركة) دفعت الخلافات الجوهرية بين الجانبين إلى طرحها جانبًا مؤقتًا حتى يتم تدمير إسرائيل، وبعدها تبرز الخلافات الجوهرية بين الجانبين مرة أخرى.
ثالثًا: التقارب المصري التركي
نقطة أخرى يعول عليها الكاتب الإسرائيلي هي مسألة التقارب المصري التركي مؤخرًا؛ فكلا البلدين يمتلك صراعًا كبيرًا متجذرًا في التاريخ، فكلا الدولتين تتصارعان على زعامة العالم الإسلامي السني، كما أن النظام السياسي في تركيا إخواني الطبع والتوجه، بينما تنظر القاهرة إلى جماعة الإخوان على أنها من أبرز التهديدات التي تواجه الدولة المصرية الحديثة. إلا أن المصالح الناشئة بين الطرفين، خاصة الاقتصادية، جعلت الجانبين، أي مصر وتركيا، ينحيان الخلافات البينية جانبًا في سبيل تحقيق المصالح المؤقتة للطرفين.
رابعًا: اتفاقيات إبراهام
يرى الكاتب أن الأمور قبل ثلاث سنوات كانت إيران تشكل الخطر الرئيس لدول الخليج العربي، وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية، مما جعل هذا الأمر دافعًا لدى العديد من دول الخليج العربي لتوقيع اتفاقيات إبراهام مع إسرائيل. لكن مؤخرًا، وبعد الحرب الأخيرة، تراجعت مكانة إسرائيل كقوة استقرار إقليمي، وبالتالي تراجع معها هرولة دول الخليج إلى مسألة توسيع اتفاقيات إبراهام.
لذا ينبغي أن تتحلى واشنطن بالصبر الاستراتيجي والحفاظ على قوتها الرادعة خلال المفاوضات الجارية؛ فإيران تاريخيًا دولة تجيد المماطلة والخداع في المفاوضات، ويتضح ذلك من الاتفاق النووي الإيراني الموقع عام 2015.
ويتضح مما سبق أن الكاتب الإسرائيلي ومن على شاكلته في إسرائيل يعانون فعليًا من العديد من الأزمات في الإدراك الحقيقي لواقع الأمور، سواء كانت في السياسة الدولية بشكل عام أو في منطقة الشرق الأوسط على وجه خاص، ومن أبرز مشكلات الإدراك لديهم:
خامسًا: الابتعاد عن الواقعية السياسية
المدرسة الواقعية السياسية في العلاقات الدولية تقوم على أساس لا خلافات دائمة ولا صداقات دائمة، فقط المصالح هي من تحدد الأعداء قبل الأصدقاء. أما العلاقات المبنية على أسس قيمية كالتي يدعيها ماندل في كتاباته فهي من محض الخيال، فالمصالح هي من تحدد علاقات الدول الخارجية.

سادسًا: احتكار الرؤية
يحاول ماندل، بصفته مساعدًا ومقدمًا للعديد من النصائح لأعضاء الكونجرس الأمريكي، أن تكون المصالح الإسرائيلية على رأس أولويات السياسة الخارجية الأمريكية، وأن الرؤية الإسرائيلية لا بد أن تكون هي السائدة والمحتكرة في عقلية صانع ومتخذ القرار في الولايات المتحدة، ولا يجوز أن تنشأ رؤية أمريكية مستقلة تعبر عن المصالح والاهتمامات الأمريكية، وإن كانت بعيدة عن المصالح الإسرائيلية.
سابعًا: عدم فهم الداخل الأمريكي
أمريكا تتغير، وهو ما يجب أن تفهمه إسرائيل؛ فالعديد من الأصوات داخل الحزبين، سواء الجمهوري أو الديمقراطي، ترى أن إسرائيل باتت تشكل عبئًا سياسيًا ثقيلًا على الولايات المتحدة، لذا يجب فك الارتباط بين المصالح الأمريكية والمصالح الإسرائيلية. ويبرز في هذا الاتجاه أنصار اليمين الأمريكي الجديد من رافعي شعار "أمريكا أولًا" وذلك في الحزب الجمهوري، وأيضًا التيار اليساري التقدمي في الحزب الديمقراطي.

ثامنًا: تناقضات فكرية
اتهم الكاتب الإسرائيلي دول الشرق الأوسط بالمراوغة والالتفاف في تحالفاتها والتهرب من اتفاقياتها، متناسيًا في ذلك الدور المصري في الحفاظ على ثبات اتفاقية السلام عام 1978، رغم وجود العديد من الأزمات التي كادت أن تنهي تلك الاتفاقية، مثل أزمة ترحيل الفلسطينيين في عام 2025 إلى سيناء. كما أن الأردن أيضًا نجح في تثبيت اتفاق وادي عربة 1994، وكذلك السلطة الوطنية الفلسطينية. ومن المثير في هذا الاتجاه أن الجانب الإسرائيلي عمل مرارًا وتكرارًا على خرق اتفاقيات السلام مع الدول العربية، إلا أن ثبات وحزم الدول العربية حال دون ذلك.
ختامًا:
تكشف المفاوضات غير المباشرة الجارية في مسقط أن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط لا تزال أسيرة تصور مبسط لطبيعة الصراعات والتحالفات في المنطقة، وأن منطق “الصفقة السريعة” الذي يفضله ترامب قد يصطدم بواقع أكثر تعقيدًا تحكمه اعتبارات الهوية والتاريخ وميزان القوة، لا مجرد النصوص الدبلوماسية. وفي المقابل، يعكس القلق الإسرائيلي من هذه المفاوضات أزمة أعمق في إدراك التحولات داخل الولايات المتحدة نفسها، حيث لم تعد إسرائيل قادرة على احتكار الرؤية أو ضمان الدعم المطلق كما كان في السابق.
وبين واشنطن التي تبحث عن إنجاز سياسي سريع، وطهران التي تجيد المراوغة وكسب الوقت، ستظل نتائج هذه المفاوضات مرهونة بقدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على الردع، وامتلاك صبر استراتيجي طويل، وإعادة تعريف مصالحها بعيدًا عن الضغوط الإقليمية، وإلا فإن أي اتفاق محتمل قد يتحول إلى هدنة مؤقتة تعيد إنتاج الأزمة بدلًا من إنهائها.
محمد الدابولي*



