سياسة الممرات الخلفية: مفاوضات طهران وواشنطن السرية لتجنب الانفجار
في 21 فبراير 1972، أحدث الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون زلزالًا سياسيًا عالميًا بزيارته التاريخية إلى بكين ولقائه بالرئيس الصيني ماو تسي تونج، لينهي بذلك عقدين كاملين من القطيعة السياسية والجدل السياسي الخاص بأحقية مقعد الصين في الأمم المتحدة، حيث كانت الحكومة في تايوان هي ممثل الأراضي الصينية في المنظمات الدولية خلال الفترة الممتدة من عام 1949 وحتى عام 1972.
شكّلت الزيارة التاريخية للرئيس نيكسون تحولًا هامًا في العلاقات الدولية آنذاك، إذ اعتبرها العديد من المحللين أنها بداية انهيار الاتحاد السوفيتي، خاصة بعد الصعود الصيني ومنافسته للنفوذ السوفيتي في العالم والتأثير عليه.
منذ توليه السلطة في ولايته الأولى أو الثانية، اتخذ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عقيدة الصدمة كأحد أدواته السياسية، سواء في المجال الداخلي أو الخارجي، كاسرًا بذلك العديد من التابوهات السياسية التاريخية الكبرى، مثل زيارته التاريخية إلى كوريا الشمالية ولقائه بالرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ أون في 30 يونيو 2019، وكذلك أيضًا تبني خطاب سياسي منافٍ للمصالح الأوروبية، مثل تقليل المساهمة الأمريكية في حلف الناتو، فضلًا عن مطالباته المستمرة بضم جزيرة جرينلاند الدنماركية، وهو ما يعد تعديًا على أراضٍ أوروبية.

لذا يدور تساؤل هام حول إمكانية انتقال سياسة الصدمة الأمريكية إلى المفاوضات غير المباشرة الجارية حاليًا في العاصمة العمانية مسقط بين الولايات المتحدة وإيران، وهل نشهد في الأجل القريب مفاوضات مباشرة بين الجانبين، على غرار لقاء ترامب بكيم جونغ أون، أو لقاء نيكسون بماو تسي تونج في بداية السبعينيات.
الممرات الخلفية
منذ اندلاع الثورة الإيرانية في يناير/فبراير 1979، وما تلاها من أحداث مثل اقتحام السفارة الأمريكية في نوفمبر من نفس العام واحتجاز الرهائن الأمريكيين، دخلت العلاقات بين البلدين في نفق مظلم غلبت عليه القطيعة والتهديد المتواصل بين الجانبين.
ورغم حالة القطيعة الدائمة بين الجانبين، إلا أنه كانت هناك العديد من الممرات التفاوضية الخفية والخلفية بينهما. فمثلًا، في عام 1980 لعبت الجزائر دور الوسيط التفاوضي بين البلدين في أزمة الرهائن، وما ترتب عليها من صفقة إيران-كونترا، وتلك الصفقة التي زودت بها أمريكا إيران بالعديد من العتاد والسلاح خلال حربها مع العراق.
ومع بداية عام 2004 بدأت أزمة الملف النووي الإيراني، وعليه دخل الطرفان في مفاوضات طويلة الأمد لكنها غير مباشرة. فمثلًا، اعتمدت واشنطن على دول الترويكا الأوروبية (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) في التفاوض مع النظام الإيراني.
ومع قدوم الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، نشطت الممرات الخلفية للمفاوضات الأمريكية الإيرانية، فالبداية عام 2012 في مسقط. ويعد مسار مسقط 2012 من أنجح الممرات التفاوضية غير المباشرة، والتي أسفرت في النهاية إلى التوقيع على الاتفاق النووي في عام 2015.

الانقلاب على الاتفاق النووي
في بداية فترة ولايته الأولى عام 2017، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رفضه للاتفاق النووي الإيراني الموقع في عام 2015، لذا أقدم في عام 2018 على الانسحاب من الاتفاق النووي وإعادة فرض عقوبات واسعة على إيران.
وبلغ التصعيد مع إيران ذروته في مطلع يناير 2020، حين أقدمت واشنطن على اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني بالقرب من مطار بغداد. ومع اغتيال سليماني، عادت القنوات والممرات الخلفية للتفاوض مرة أخرى من أجل احتواء الأزمة الناشئة في ذلك الوقت بين واشنطن وطهران، وشكّلت العراق وقطر وسويسرا في ذلك الوقت القنوات الخلفية للتفاوض المباشر بين الطرفين.
ومع عودة جو بايدن إلى الحكم في عام 2021، عادت المفاوضات غير المباشرة بين الطرفين في العاصمة النمساوية فيينا، وذلك من أجل استئناف جهود إحياء الاتفاق النووي. وجديرًا بالذكر أن إيران وقتها رفضت إجراء مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة.
عوامل إنجاح المفاوضات الجارية
من الاستعراض السابق، يتضح أن الطرفين، إيران وأمريكا، كانا أكثر حرصًا على إنجاح الممرات الخلفية للمفاوضات بينهما. فمثلًا، تم إنجاح الوساطة الجزائرية عام 1981 في الإفراج عن الرهائن الأمريكيين، وتم إنجاح مسار مسقط عام 2012 وخُتم بالتوقيع على الاتفاق النووي في عام 2015، وأخيرًا تم إنجاح الوساطة العراقية القطرية السويسرية في عام 2020 في تهدئة الأجواء بين الطرفين عقب اغتيال قاسم سليماني.
لذا نتوقع، من خلال التجارب السابقة، أن يتم إنجاح المسار الدائر حاليًا للوساطة غير المباشرة بين الطرفين، سواء كانت الوساطة العمانية أو التركية، وذلك للعديد من الأسباب التالية:

أولًا: رغبة الإدارة الأمريكية في التوصل إلى اتفاق
تبدو الإدارة الأمريكية أكثر تلهفًا للوصول إلى اتفاق بين الطرفين يحفظ كبرياء الإدارة الأمريكية، خاصة بعد تصريحات الرئيس الأمريكي إبان التظاهرات الإيرانية في 9 يناير الماضي بالوقوف خلف التظاهرات وتهديد النظام الإيراني بالتدخل العسكري في حال استخدام العنف في التظاهرات الأخيرة. ولكن ما حدث هو العكس، حيث تراجعت واشنطن عن توجيه ضربتها العسكرية، وانخرط النظام الإيراني في إخماد الثورات الإيرانية بالقوة، مما شكّل إحراجًا للإدارة الأمريكية، خاصة أمام المتظاهرين والحركات الاحتجاجية الإيرانية. لذا تسعى الإدارة الأمريكية، خاصة الرئيس دونالد ترامب الذي يسعى إلى تحقيق انتصار سياسي سريع في هذا الملف على وجه الخصوص.
ثانيًا: تخوفات رد الفعل الإيراني
يشكل رد الفعل الإيراني عاملًا حاسمًا في اتخاذ أية قرارات متعلقة بتوجيه ضربة عسكرية إلى النظام الإيراني، إذ تخشى دول المنطقة، وفي مقدمتهم إسرائيل، من خطورة رد الفعل الإيراني. فعلى سبيل المثال، تتكتم إسرائيل حتى الآن عن خسائرها المباشرة في حرب الإثني عشر يومًا. فعلى سبيل المثال، تم تدمير مبنى معهد وايزمان للعلوم ومصفاة حيفا لتكرير البترول، وقد كلفا مئات الملايين من الدولارات من أجل إصلاحهما، فيما بلغت التعويضات الخاصة بأصحاب المنازل المتضررة من القصف الإيراني لإسرائيل حوالي مليار ونصف دولار، وهو رقم كبير يدل على أن الخسائر الإسرائيلية كانت كبيرة للغاية خلال الحرب الماضية.

ثالثًا: نقص مخزونات الأسلحة الأمريكية
وفق موقع معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، فإن حرب الإثني عشر يومًا في يونيو الماضي كلفت الولايات المتحدة من 100 إلى 150 صاروخًا اعتراضيًا من طراز ثاد (أحدث أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية)، وهو رقم كبير للغاية بالنسبة للمخزون العالمي، وليس الأمريكي فقط، من تلك الصواريخ. ففي العالم تقريبًا حوالي 500 صاروخ ثاد، تم استهلاك حوالي 100 صاروخ منها على الأقل في الحرب الماضية، وفي حال اندلاع حرب أخرى قد تبتلع الاحتياطي الأمريكي والعالمي من تلك الصواريخ المتقدمة. وجديرًا بالذكر أن إنتاج الولايات المتحدة من تلك الصواريخ يبلغ حوالي 11 أو 13 صاروخًا سنويًا، وذلك وفق معلومات أوردها معهد واشنطن.
هذا بالإضافة إلى احتفاظ إيران بحوالي نصف مخزونها من الصواريخ الباليستية، وأيضًا الصواريخ متوسطة المدى التي قد تصيب الأهداف الأمريكية في منطقة الخليج.

رابعًا: الفشل التاريخي لواشنطن في دعم الثورات الشعبية
تمتلك واشنطن تاريخًا طويلًا من الفشل في دعم الثورات التحررية في العالم رغم وعودها بمساندة تلك الثورات. ففي البداية كانت في المجر عام 1956، حين حثت الثوار المجريين على الاستمرار في ثورتهم ضد الاحتلال السوفيتي، إلا أنها في الواقع فشلت في دعم ثوار بودابست. وفي ربيع عام 1991، أوعزت واشنطن للعراقيين بعد انتهاء حرب الخليج بخلع نظام صدام حسين، مما أدى إلى حدوث الانتفاضة الشعبانية، والتي قمعها النظام البعثي بالقوة المفرطة مستخدمًا في ذلك عددًا من المروحيات الأمريكية التي حصل عليها الجيش العراقي في إطار خطة صفوان لتسهيل عملية انسحابه من الكويت. كما أن الإيرانيين أنفسهم تعرضوا للخذلان الأمريكي في عام 2009 إبان الثورة الخضراء، حيث لم تفِ واشنطن بوعودها في دعم وتأييد الثورة الإيرانية.
ختامًا:
تكشف المفاوضات الأمريكية الإيرانية الجارية في مسقط عن عودة منطق "الممرات الخلفية" كأداة واقعية لإدارة الصراع بين الطرفين، بعيدًا عن التصعيد العلني الذي طالما طبع علاقتهما منذ الثورة الإيرانية. وبينما تحاول واشنطن توظيف سياسة الصدمة لتحقيق مكاسب سياسية سريعة، تفرض اعتبارات رد الفعل الإيراني، ونقص المخزونات العسكرية الأمريكية، والتجارب التاريخية لفشل دعم الثورات الشعبية، حدودًا واضحة أمام أي خيار عسكري مباشر. ومن ثم، تبدو فرص نجاح المسار التفاوضي الحالي مرهونة بقدرة الطرفين على إنتاج صيغة توازن جديدة، تُجنب المنطقة موجة تصعيد واسعة، وتمنح كل طرف مخرجًا سياسيًا يحفظ مصالحه ويقلل من كلفة المواجهة المفتوحة.
محمد الدابولي*



