العمارة عند الفراعنة.. عندما يصبح الحجر هوية حضارية|فيديو
لم يكن المعمار في مصر القديمة مجرد تشييد جدران أو رص أحجار، بل كان أداة عبقرية لصياغة هوية بصرية وحضارية استطاعت الصمود آلاف السنين، فالمصري القديم لم يصمم الأهرامات والمعابد لأغراض وظيفية بحتة، بل أرادها لغة بصرية تقرأها الأجيال، لترسيخ قيم العقيدة، وفلسفة الدولة، ومفهوم الخلود.
عمارة الروح لا الجسد
وفي هذا السياق، أكد الدكتور عمر المعتز بالله، رئيس مركز دراسات الهوية وحفظ التراث، أن العمارة المصرية القديمة تنقسم علمياً إلى "عمارة حياتية" (البيوت والقصور) و"عمارة دينية جنائزية" المعابد والمقابر، موضحا أن المصري لم يهتم بخلود مسكنه اليومي المصنوع من الطوب اللبن لأن جسده نفسه فانٍ، بينما وجه عبقريته لاستخدام الحجر في بناء المعابد والمقابر إيمانا منه بخلود الروح، ورغبة في إيجاد مأوى يتحدى الزمن في العالم الآخر.
الأهرامات.. سلم نحو السماء ونور الشمس المتجمد
وعن دلالات الرموز البصرية، أشار "المعتز بالله" خلال لقاء له على قناة القاهرة الإخبارية إلى أن الهرم ليس مجرد مقبرة، بل هو تمثيل مادي لأسطورة الخلق الأولى (التل الأزلي "بن بن") الذي تجلى منه الإله الخالق، فالهرم يمثل "سلماً" لطلوع الروح، أو "شعاعاً متجمداً" من الشمس يربط بين الأرض والسماء، وتؤكد "نصوص الأهرام" -أقدم نصوص دينية في التاريخ- هذه الفلسفة التي تعكس هيبة الملكية وعمق المعتقد الديني.
ولفت إلى أنه لم يكن الضوء عند المعماري المصري مجرد وسيلة للإنارة، بل كان عنصراً طقسياً وروحانياً. وتظهر هذه العبقرية في:تعامد الشمس: في معبد "أبو سمبل" (مرتين سنوياً) وفي معبد "الكرنك" خلال الاعتدال الشتوي، ما يعكس براعة فائقة في الربط بين الفلك والهندسة، بجانب الرحلة الكونية، في المجموعة الجنائزية للملك "زوسر"، حيث ينتقل الزائر عبر ممر ضيق من النور إلى الظلام ثم إلى النور، في محاكاة رمزية لرحلة الروح من العالم المحدود إلى عالم الخلود.
حجر ينطق بالطبيعة:
وأشار إلى أنه تظهر التيجان في المعابد (اللوتس والبردي) متفتحة في الأفنية المشمسة، بينما تبدو "مغلقة" في الأماكن المسقوفة، في محاكاة دقيقة للطبيعة النباتية وتأثرها بالضوء، لافتا إلى أن توزيع المعابد والمقابر على ضفاف النيل ساهم في تعزيز مفهوم التوازن؛ حيث خُصصت الضفة الشرقية للحياة (شروق الشمس)، بينما كانت الضفة الغربية عالماً للموتى والبعث (غروب الشمس)..
وأوضح أن هذه الرحلة الروحانية التي يقطعها الموكب الجنائزي من الشرق للغرب عبر المجرى المائي، وثقت هيبة الدولة وسلطة الملك المصري من أقصى الشمال إلى معبد "أبو سمبل" جنوباً.
ولفت إلى أنه بعيداً عن الكتلة الصخرية، كانت الألوان والنقوش سردًا بصرياً حياً، كاشفا عن سر بقاء الألوان حتى اليوم، مرجعاً ذلك لمهارة المصري في خلط المواد الكيميائية والعضوية (مثل زلال البيض والصمغ)، موضحا أنه من المذهل أن المصري القديم هو من اخترع "اللون الأزرق" كيميائياً لعدم توفره في الطبيعة الخام، وكان هذا اللون بمثابة "مصدر للدخل القومي" حيث صدرته مصر للعالم القديم، ويظهر جلياً في جدران معبد "دندرة" الرائعة.
وتابع: إن ما تركه المصري القديم من معمار هو "خطاب حضاري" متكامل؛ فالحجر لم يكن جماداً، بل كان وسيلة لرواية قصة شعب آمن بأن الجمال والاتقان هما الطريق الوحيد للخلود، وهو ما يلمسه زوار المتحف المصري الكبير والباحثون في علم المصريات حتى يومنا هذا.