حكومة جديدة أم تعديل وزاري؟ استاذ علوم سياسية يحدد المسارات |خاص
طرح الدكتور كريم عبد الرازق، أستاذ العلوم السياسية، رؤية تحليلية حول مدى قانونية استمرار الحكومة الحالية تلقائياً أو ضرورة تجديد ثقتها أمام مجلس النواب المنتخب.
واعتبر عبد الرازق أن هذا التساؤل يتجاوز كونه تقنية قانونية جامدة، ليصبح اختباراً حقيقياً لجدية التحول المؤسسي في مصر، ومعياراً لنضج العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، خاصة في ظل وجود تكوين برلماني جديد بوجوه وأولويات مختلفة، وظرف اقتصادي واجتماعي حساس يتطلب وضوحاً كاملاً في المسؤوليات وتجديداً للتعاقد بين الحكومة والشارع عبر ممثليه.
فلسفة الشرعية وازدواجية النموذج المصري
وفي سياق تأصيله للموقف، استعرض الدكتور كريم عبد الرازق فلسفة الشرعية في النظم السياسية المقارنة، موضحاً الفوارق الجوهرية بين النظم الرئاسية التي تنبع فيها الثقة من الرئيس مباشرة، والنظم البرلمانية التي تنحصر فيها الثقة داخل البرلمان.
وأشار إلى أن النظام المصري يتبنى صيغة مختلطة قريبة من النموذج الفرنسي، حيث يملك رئيس الجمهورية سلطة التكليف، بينما يختص البرلمان بسلطة الإقرار أو الحجب، مؤكداً أن هذه الثنائية تعد الضمان الدستوري الوحيد لوجود حكومة تحظى بقبول رئاسي وبرلماني متزامن.

إشكاليات المادة 146 ومدرسة "تجديد الثقة
" وانتقل أستاذ العلوم السياسية إلى تحليل نص المادة (146) من الدستور، والتي تُلزم رئيس الوزراء المكلف بعرض برنامجه على مجلس النواب لنيل الثقة خلال ثلاثين يوماً.
وتوقف عبد الرازق عند الانقسام الفقهي حول مدى امتداد هذه الثقة بعد انتخاب برلمان جديد، حيث تبرز "مدرسة الاستمرار" التي تكتفي بالثقة السابقة، مقابل "مدرسة التجديد" التي يميل إليها العرف البرلماني المستقر في الجمهوريات العريقة احتراماً للإرادة الشعبية الجديدة.
وأكد أن مدرسة التجديد هي الأقرب لروح الرقابة البرلمانية، إذ لا يمكن منطقياً إلزام مجلس جديد ببرنامج حكومي أقره مجلس سابق في ظرف سياسي وزمني مختلف.
المسارات المشروعة وشروط منح الثقة
وشدد الدكتور كريم عبد الرازق على أن الحكومة في النظم المختلطة تدور وجوداً وعدماً مع ثقة البرلمان القائم، مما يجعل التقدم ببرنامج جديد شرطاً دستورياً وسياسياً مع انتهاء الفصل التشريعي السابق.
وحصر الخيارات أمام صانع القرار في مسارين، إما تكليف رئيس وزراء جديد بتشكيل حكومة مغايرة، أو الإبقاء على رئيس الوزراء الحالي مع إجراء تعديل وزاري يعيد ترتيب الأولويات، معتبراً أن جوهر الحسم يكمن في "البرنامج" لا الأشخاص.
وفصّل عبد الرازق معايير البرنامج الجدير بالثقة، والتي يجب أن تشمل أولويات محددة زمنياً، وأهدافاً قابلة للقياس والرقابة، وسياسة مالية واضحة للتحديات الاقتصادية، وخططاً لتحسين جودة الحياة، بالإضافة إلى آلية معلنة للتواصل بين السلطتين، محذراً من أن غياب هذه المعايير يحول منح الثقة إلى تفويض مطلق يناقض روح الدستور.
اختبار الدولة وترسيخ التقاليد الدستورية
وأكد الدكتور كريم عبد الرازق في رؤيته على أن اللحظة الراهنة تمثل اختباراً للدولة برمتها وليس للحكومة فقط، لقياس مدى الالتزام بالنصوص الدستورية كفعل سياسي حقيقي بعيداً عن الشكليات الإجرائية.
وأوضح أن خطوات تقديم البرنامج ومناقشته بجدية ثم التصويت عليه هي التي تصنع التقاليد الدستورية الراسخة وتعيد بناء الثقة مع المواطنين.
وخلص إلى أن القاعدة الأساسية لأي تعاقد سياسي جديد تتمثل في أنه "لا حكومة بلا برنامج، ولا برنامج بلا ثقة برلمانية، ولا ثقة بلا مساءلة"، معتبراً هذا النهج هو الطريق المؤسسي الصحيح لضمان فعالية الحكومة ورفع جودة الرقابة البرلمانية في هذه اللحظة السياسية الفارقة.