اللقاء الأخير بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس رجب طيب أردوغان لم يكن مجرد مشهد بروتوكولي عابر، بل لحظة سياسية كاشفة لتغيّر أعمق في إدراك الإقليم لطبيعة التهديدات التي تواجهه، وحدود المناورة في زمن الانكشاف الكامل.
نحن هنا نتحدث عن أهمية وجود التنسيق الفعّال بين الأطراف الإقليمية الكبرى، بما يضمن إدارة الخلافات وتقليل مخاطر التصعيد، خصوصًا في ظل إعلان أطماع توسعية صريحة من بعض الفاعلين، وتغوّل تيارات متطرفة تتعامل مع القانون الدولي وكأنه عبء يمكن تجاوزه بالقوة.
في هذا السياق، لا يمكن فصل التقارب المصري-التركي عن الديناميكية الإقليمية الأوسع، بما فيها المفاوضات الأمريكية-الإيرانية التي استؤنفت في مسقط بوساطة سلطنة عمان.
وقد عبّرت جمهورية مصر العربية عن دعمها الكامل لاستئناف هذه المفاوضات، انطلاقًا من توجيهات السيد رئيس الجمهورية لدعم الجهود الرامية إلى خفض التصعيد والتوصل إلى تسوية سلمية ومستدامة للملف النووي الإيراني.
وتؤكد مصر أن نجاح هذه الجهود يعتمد على تهيئة مناخ مواتٍ يقوم على حسن النية والاحترام المتبادل، بما يسمح بالتوصل إلى اتفاق سريع ومستدام، ويجنب المنطقة المخاطر الكارثية لأي تصعيد عسكري، مع التأكيد على أن هذا التحرك يأتي في إطار الوساطة ووقف التوتر، بعيدًا عن أي تصور لتحالف مباشر أو تنسيق رسمي بين مصر وإيران.
اليوم، تبدو المرحلة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. المنطقة لا تتحمل القطيعة الكاملة، ولا أوهام التحالفات الصلبة. هي بحاجة إلى إدارة اختلاف ذكية، لا إلى صراعات صفرية، وإلى تنسيق واقعي يضع “منع الانفجار الشامل” كأولوية، حتى في ظل الخلافات الحادة.
الرهان الحقيقي الآن هو الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق السلام ورفع المعاناة الهائلة عن الشعب الفلسطيني، وصولًا إلى حل الدولتين وفق قرارات الشرعية الدولية. وهو رهان صعب وملغوم بمحاولات متعمدة لتفريغه من مضمونه والعصف بأسسه القانونية والأخلاقية.
لكن صعوبة الطريق لا تعني التخلي عنه. بل تعني أن أي جهد، وأي تحرك، وأي إعادة تموضع عقلانية داخل الإقليم، هي خطوات تستحق التوقف والتحية.
في لحظة يغيب فيها اليقين، ويعلو فيها صوت التطرف، تصبح السياسة الرشيدة فعل مقاومة، أداة بقاء لا رفاهية نظرية.
ومن زاوية المرأة العربية، لا يُقرأ هذا المشهد باعتباره مجرد خرائط نفوذ أو موازنات قوة، بل كسؤال عن المستقبل: البيوت التي تنتظر الأمان، الأمهات اللاتي يقلقن على أبنائهن، والنساء اللواتي يعرفن أن انهيار السياسة يعني دائمًا عبئًا مضاعفًا عليهن. غياب التنسيق لا يولّد انتصارات، بل فراغًا تملؤه الفوضى، وإن إدارة الخلاف – مهما كانت شاقة – أقل كلفة من صدام شامل يدفع ثمنه المدنيون أولًا.
من هنا، فإن أي تقارب عقلاني، وأي محاولة لضبط الإيقاع الإقليمي، تُقرأ من منظور المرأة العربية كخطوة دفاع عن الحياة، وعن الحق في مستقبل أقل قسوة وأكثر عدلًا، قبل أن تكون مجرد مناورة سياسية أو تحرك استراتيجي، خاصة لشعب أنهكته الصراعات ولم يعد يحتمل مزيدًا من الانتظار.