رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

وثائق الإخوان العسكرية: كيف صاغت الجماعة عقيدة التدريب المسلح؟

 عنف جماعة الإخوان
عنف جماعة الإخوان - أرشيفية

في ظل استمرار تأثير الجماعات الأصولية على الشباب، تبرز الوثائق التنظيمية كمرآة لفكرها واستراتيجياتها، لا سيما في تنظيم الإخوان الذي اتخذ من التربية العسكرية والعمل المسلح أداة مركزية لبناء قواعده الفكرية والعملية. تُعد وثيقة "المسلمون والتربية العسكرية" (التي كتب فصولها الإخواني السوري خالد أحمد الشنتوت، وقدم لها علي جريشة، أحد قيادات الإخوان بمصر)، مثالًا واضحًا على كيفية صياغة الجماعة لمبادئها بين الإقناع الفكري والتلقين الممنهج، مستهدفة الأجيال الصاعدة لتعزيز الولاء الفكري والقدرة على تنفيذ أهداف التنظيم، سواء داخل مصر أو خارجها. تكشف هذه الوثيقة عن الرؤية الإخوانية التي تمزج بين التربية الدينية والعسكرية، وتؤسس لفهم شامل لطبيعة العلاقة بين الدين والسياسة والعنف في المشروع التنظيمي للجماعة.

ومن ثم تُعد وثيقة "المسلمون والتربية العسكرية" المرجع الرسمي لشباب الإخوان حول فكرة التدريب المسلح، وفرضية الإيمان بها، وفقًا للطرح الذي قدمه خالد الشنتوت.

كتاب التربية العسكرية 
كتاب التربية العسكرية 

ويشير مؤلف الكتاب في وثيقته إلى "أن المسلم الذي لا يتقن استخدام المسدس والبندقية والرشاش والرمانة اليدوية، مقصر في حقه وحق أمته وحق البشرية جميعًا، وسيعيش على هامش العصر في القرن الخامس عشر الهجري ومطلع الحادي والعشرين الميلادي، وعلى مؤسسات التربية في المجتمع المسلم أن تقدم التربية العسكرية والعمل المسلح لكل فرد مسلم، حتى تعود الأمة المسلمة إلى سابق عهدها في العزة والكرامة". ص 38.

حاولت وثيقة العمل المسلح التأكيد على بعض المفاهيم التنظيمية للإخوان، كاستقطاب الأطفال والمراهقين وشباب الجامعات ضمن كياناتها ولجانها التنظيمية، فأوضحت أن التربية العسكرية تبدأ منذ الصغر على جميع هذه المستويات، وتشمل النساء والرجال، حتى يؤمن الجميع بأن الجهاد فرض عين على كل مسلم.

وبناءً على هذه القاعدة التي أرساها المؤلف في وثيقته، أكد أن التربية العسكرية والعمل المسلح هما العامل الرئيسي في تغيير المجتمعات نحو أهداف التنظيم ومخططه. وأشارت الوثيقة الإخوانية إلى ضرورة الاقتداء بالمجاهدين الأوائل ومعرفة سيرتهم والتأثر بما قدموه، وكذلك مسيرة الرعيل الأول من قيادات التنظيم وتاريخهم.

كتاب التربية العسكرية 
كتاب التربية العسكرية 

وتطرقت وثيقة العمل المسلح إلى أن قضية التربية في التنظيمات الإسلامية فشلت ولم تحقق أهدافها الحقيقية، نتيجة عدم اعتمادها على تطبيق فقه العمل المسلح، ما أدى إلى إنتاج أجيال ناعمة لا تعرف شيئًا عن تاريخ الجهاد والمجاهدين.

وأوضحت الوثيقة أنه لا بد من تربية الأجيال والاهتمام بهم وفق مفاهيم التربية العسكرية المسلحة منذ المرحلة الثانوية والمعاهد والجامعات بصورة ملزمة، وأنه لن يستقيم أمر هذه الأمة إلا بالعودة للجهاد والتربية على العمل المسلح، وأن يعيش الشباب المسلم تحت راية السيوف وظلها.

ولفتت الوثيقة الإخوانية إلى أنه لا بد للدعوة الإسلامية من قوة تحميها بالعدد والسلاح، مستشهدة بما طرحه سيد قطب في "الظلال" 3/1543: "فالاستعداد بما في الطوق فريضة تصاحب فريضة الجهاد، إنه لا بد للإسلام من قوة ينطلق بها في الأرض لتحرير الإنسان.. وأول ما تصنعه هذه القوة في حقل الدعوة أن تؤمن الذين يختارون هذه العقيدة على حريتهم في اختيارها، فلا يُصَدوا عنها بعد اعتناقها".

كتاب التربية العسكرية 
كتاب التربية العسكرية 

وهي مصطلحات استخدمها الكثير من قادة التنظيمات المتشددة، فيقول الباحث الأمريكي فيليب جينكينز، المدير المشارك لبرنامج "بايلور للدراسات التاريخية في الدين" في ولاية تكساس الأمريكية، إن داعش اعتمد على فكر القيادي الإخواني سيد قطب أساسًا في منهجه الفكري، مؤكدًا أن قطب يعتبر الأب الروحي للتنظيمات التكفيرية التي نشأت على مدار التاريخ الحديث، أبرزها تنظيم "القاعدة" و"داعش".

ودعت وثيقة "التربية العسكرية" للإخوان إلى ضرورة بناء فلسفة التربية وتطوير المناهج التربوية داخل الجماعة على فقه الجهاد والتربية العسكرية المسلحة، حتى تسري فيهم روح الاستشهاد وتصبح غاية لنفوسهم، وبينت أن الشعوب العربية عانت من هزيمة ونكسة 67 من الكيان الصهيوني بسبب بُعد الشعوب العربية عن التربية العسكرية وعن مفاهيم الجهاد.

وحاولت وثيقة "التربية العسكرية" تأصيل مفاهيم الجهاد في القرآن الكريم والأحاديث النبوية، وقصرها على القتال المسلح والجهاد العسكري، فخاطبت الشباب الإخواني قائلة: "وأعدوا لأعدائكم الكفار الساعين في هلاككم وإبطال دينكم كل ما تقدرون عليه من القوة العقلية والبدنية وأنواع الأسلحة ونحو ذلك، مما يعين على قتالهم فدخل في ذلك أنواع الصناعات التي تعمل فيها أصناف الأسلحة والآلات من المدافع والرشاشات والبنادق والطيارات والمراكب البرية والبحرية، والقلاع والخنادق، وآلات الدفاع والرأي والسياسة التي يتقدم بها المسلمون".

كتاب التربية العسكرية 
كتاب التربية العسكرية 

وتشير وثيقة العمل المسلح إلى: "إن الإعداد للجهاد يشمل جانبين أساسيين وهما إعداد الرجال ثم إعداد العتاد، وإعداد الرجال أصعب من إعداد العتاد، لأنه يتطلب إعدادًا من المهد روحيًا وعقليًا ونفسيًا وجسديًا، لذلك وجبت التربية العسكرية على الأمة المسلمة، وهي جزء أساس من التربية الإسلامية، فالقتال في سبيل الله يحتاج جسمًا يتحمل عبء القتال، ومعرفة بفنون القتال وأسلحته".

فقد كان الجناح المسلح للإخوان عقب ثورة 30 يونيو 2013، والاتجاه للعنف المسلح المباشر مع مؤسسات الدولة وأطراف وفئات المجتمع، نتيجة طبيعية للتربية المغلقة والتأهيل المنحرف فكريًا وسلوكيًا تجاه القضايا الدينية وتطبيقاتها على أرض الواقع، كما أنه امتداد حقيقي للتنظيم الخاص المسلح الذي تكون في أربعينيات القرن الماضي، ونفذ العديد من عمليات الاغتيالات ضد رموز الدولة المصرية حينها.

كتاب التربية العسكرية 
كتاب التربية العسكرية 

ربما لم تكن ميليشيات الإخوان التي قدمت عروضًا عسكرية في عام 2006، وحاصرت مكتب الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، عندما كان رئيسًا لجامعة الأزهر، احتجاجًا على فصل عدد من طلاب الإخوان لمدة شهر، بعيدة عن النهج الإخواني المسلح، وحصيلة عملية التأهيل المسلح التي تربى عليها شباب الجماعة في المعسكرات المغلقة.

وتم تداول القضية أمام القضاء العسكري، وعُرفت إعلاميًا بـ"ميليشيات الأزهر"، حيث تمت فيها محاكمة 140 متهمًا من شباب الإخوان، بعد أن أثبتت النيابة أن ذلك العرض لم يهدف للتنديد باعتقال الطلاب، وإنما كان الغرض منه فرض هيمنة طلاب الجماعة على جامعة الأزهر.

عنف الإخوان 
عنف الإخوان 

إذ اعتمدت جماعة الإخوان منذ تأسيسها في أساليب تربيتها لعناصرها على وسيلة المعسكرات والكتائب الداخلية التي تقوم عن طريقها بالتأصيل الفكري لمبادئ التنظيم داخل عقول عناصرها وتطويعهم لأهدافهم.

كما انتهجت الجماعة مع عناصرها فكرة المستويات والدرجات التنظيمية، التي بدأت من مستوى محب ومؤيد ثم منتسب، حتى يصل في النهاية إلى مستوى الأخ المجاهد، وكانت تقام هذه المعسكرات الإخوانية داخل الشقق المفروشة أو في فصول المدارس الخاصة التي يمتلكها قيادات الإخوان، أو وسط المزارع في المناطق الصحراوية.

تُظهر وثيقة "المسلمون والتربية العسكرية" عمق ارتباط التنظيم الإخواني بفكرة العمل المسلح أساسًا للتغيير المجتمعي وتحقيق أهدافه السياسية، مؤكدة أن التربية العسكرية ليست مجرد مهارات قتالية، بل عملية شاملة لإعداد الفرد فكريًا وجسديًا ونفسيًا على حد سواء. ومن خلال تحليل هذه الوثيقة، يتضح أن نهج الجماعة في غرس الولاء الفكري والتدريب المسلح بين الشباب يشكل امتدادًا طويل الأمد لخبراتها التنظيمية السابقة، ويكشف عن مخاطر استمرار هذه الممارسات على الأمن المجتمعي واستقرار المؤسسات، ما يجعل مواجهة الفكر المسلح والتصدي له ضرورة ملحة لضمان حماية الشباب والمجتمع من الانزلاق نحو التطرف والعنف.

عمرو فاروق*

كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية وقضايا الأمن الإقليمي

كتاب التربية العسكرية 
كتاب التربية العسكرية 
تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء