رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

نحن اليوم أمام دورة برلمانية جديدة جاءت في سياق انتخابي مختلف، انتخابات أُحيطت باهتمام واسع ورسائل مكثفة تحث المواطن على المشاركة، وتؤكد أن صوته هو الأساس في تشكيل هذا البرلمان.

 

 ورغم ذلك، لم تكن العملية الانتخابية بعيدة عن الجدل، وهو ما انعكس في تصريحات واضحة وصريحة من الرئيس عبد الفتاح السيسي، حين أكد أن ما حدث في الانتخابات البرلمانية لم يكن محل رضا الناس ولا محل رضاه هو شخصياً، مشدداً على أن التغيير يتطلب إرادة حقيقية، وأن الإصلاح ممكن إذا توفرت هذه الإرادة. هذا الموقف الرئاسي لم يكن عابراً، بل حمل رسالة مباشرة لكل من وصل إلى مقعده تحت القبة، مفادها أن الطريق إلى البرلمان لم يكن مفروشاً بالسهولة، وأن هناك مسؤولية مضاعفة على النائب أن يقدّر كيف وصل، ويدرك أن الكم الهائل من الإعلانات والدعوات التي طالبت المواطن بالنزول والمشاركة لم تكن بلا معنى، وأن صوت المواطن الذي خرج وانتخب هو وحده من منح النائب شرعية الجلوس تحت القبة، لا الحصانة ولا المقعد ولا أي اعتبارات أخرى.


ورغم هذا، أصبح واضحاً أن حالة الغضب لم تعد مجرد انفعال عابر، بل تعبيراً صادقاً عن شعور عام بأن المسافة بين الناخب ونائبه اتسعت إلى حد غير مسبوق. المواطن البسيط لم يعد يرى في البرلمان بيتاً له، ولا في النائب صوتاً ينقل أوجاعه، بل بات يشاهد مؤسسة كان من المفترض أن تُقام لحمايته تتحول تدريجياً إلى عبء إضافي على حياته اليومية. جوهر الأزمة لا يكمن فقط في ضعف الأداء، بل في فكرة أخطر، وهي استخدام المقعد النيابي والحصانة كدرع ، أو كمنصة لطرح أولويات بعيدة تماماً عن الواقع الذي يعيشه الناس.


في أبسط تعريفات الديمقراطية، يُفترض أن يكون البرلمان بيت الأمة الحقيقي، والمساحة التي يجد فيها المواطن من يدافع عن حقوقه، ويراقب إنفاق أمواله العامة، ويقف سداً أمام أي قرارات تمس حياته أو تزيد من أعبائه. البرلمان في جوهره لم يُنشأ ليكون عبئاً على الناخب، بل ليكون صوته داخل مؤسسات الدولة، وضمانته الأولى في مواجهة التقصير أو الانحراف.

 

 غير أن الواقع، في كثير من الأحيان، يعكس صورة مغايرة تماماً، حيث يتحول بعض النواب من مدافعين عن حقوق الغلابة إلى مستثمرين في السلطة، ومن ممثلين حقيقيين للشارع إلى مجرد أصوات ترفع الأيدي بالموافقة على قرارات وتشريعات تزيد من أعباء الناس، وتُعمّق الفجوة بين المواطن ومن يفترض أنهم وُجدوا لخدمته وحمايته.


هذا التحول الخطير يفسر لماذا يشعر المواطن اليوم بأنه خارج الحسابات، وأن ما يجري تحت القبة لا يمت بصلة لما يعانيه في الشارع. المواطن يئن تحت ضغط الغلاء وارتفاع الفواتير وتراجع الخدمات، بينما ينشغل بعض النواب بتمرير تشريعات أو اقتراحات تزيد الكلفة على الفقراء بحجة المصلحة العامة، دون أدنى إحساس بواقع الناس أو قدرتهم على التحمل.


أخطر ما في المشهد هو هذا الانفصام الكامل عن الواقع. المواطن في وادٍ والنائب في وادٍ آخر. الشارع يتحدث عن كهرباء لا تُحتمل، وأسعار لا ترحم، ودخل لا يكفي أساسيات الحياة، بينما تُطرح تحت القبة أفكار وتشريعات تعكس غياباً صادماً للإحساس بالناس. مثال صارخ على ذلك اقتراح أحد النواب زيادة رسوم الكهرباء بقيمة ثلاثين جنيهاً بحجة دعم ميزانية بناء ملاجئ للكلاب الضالة. قد تبدو القضية في ظاهرها إنسانية، لكن توقيتها وطريقة طرحها يكشفان حجم الأزمة. كيف يمكن لنائب أن يطلب من مواطن بالكاد يسدد فاتورته أن يتحمل عبئاً إضافياً، بينما لا يرى في معاناته اليومية أولوية تستحق الدفاع عنها؟.


هذا الاقتراح لم يكن مجرد فكرة عابرة، بل صفعة رمزية على وجه المواطن، ورسالة واضحة بأن همومه تأتي دائماً في ذيل الأولويات، وأنه الطرف الأسهل الذي يمكن تحميله أي زيادة أو رسم جديد. هنا يتحول النائب من حائط صد إلى أداة ضغط، ومن ممثل لإرادة الناس إلى شخص مستعد للتضحية بمصالحهم مقابل شعارات أو حسابات لا علاقة لها بالعدالة الاجتماعية.


النائب الذي يتعامل مع معاناة الناس باعتبارها أرقاماً في ميزانية، أو تضحية ضرورية لا تمسه شخصياً، يكون قد خان العقد الاجتماعي الذي منحه شرعية الجلوس تحت القبة. الأكثر إيلاماً أن المواطن يجد نفسه محاصراً بين نار الأسعار ونار القوانين، وكلاهما يصدر باسم المصلحة العامة، بينما تغيب عنه أي حماية حقيقية أو إحساس صادق بالمسؤولية.
البرلمان ليس نادياً مغلقاً، والكرسي النيابي ليس امتيازاً شخصياً، بل أمانة ثقيلة يُفترض أن تُحمل لصالح الناس لا فوق رؤوسهم. واستمرار هذا الأسلوب يباعد المسافة بين النائب والشارع، ويضعف الإحساس الحقيقي بالتمثيل. المواطن لا ينتظر خطباً رنانة ولا مواقف استعراضية، بل ينتظر نائباً يشعر ببرد الشتاء في بيته، وبحرّ الصيف في طوابير الخدمات، ويقول لا عندما يكون القرار على حساب لقمة عيشه.

أما بعض النواب الذين يدخلون البرلمان وقد غابت عنهم فكرة التمثيل الحقيقي، وتعاملوا مع المقعد النيابي باعتباره مكسباً شخصياً لا تكليفاً عاماً، فيبدون استعداداً للتفريط في مصالح الشعب الذي منحهم صوته وثقته، ولفرض أعباء جديدة تثقل كاهل المواطن، وكأن الناس دائماً هم الحلقة الأضعف في معادلة لا تُدار بروح العدالة ولا تحكمها أولويات المجتمع الحقيقية. ودور نائب الشعب في جوهره ليس تمرير القرارات ولا مجاراة السلطة أو الحسابات الضيقة، بل الدفاع عن حقوق من لا صوت لهم، ومساءلة كل قرار يمس حياة الناس اليومية، والوقوف كخط الدفاع الأول عن لقمة عيشهم وكرامتهم. وعندما يغيب هذا الدور، ويحل محله الصمت أو التبرير، يصبح الغضب الشعبي مفهوماً، ويشعر الناس أن الكيل قد طفح، وأن البرلمان الذي كان من المفترض أن يكون بيتهم، تحول في نظرهم إلى عبء عليهم لا سنداً لهم.
فمن بيت الأمة كبرت فجوة الثقة، ويظل السؤال المطروح: هل ما زال البرلمان فعلاً صوت الشعب؟


تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء