رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

بين الضغط والاتفاق.. خبير يكشف ملامح الصراع بين واشنطن وطهران|حوار

الدكتور علي عبد النبي
الدكتور علي عبد النبي

تتصاعد التوترات بين واشنطن وطهران، مع تحولات استراتيجية تجمع بين الضغط العسكري والدبلوماسية المباشرة. 

 

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن إدارة ترامب تسعى لتحقيق صفقة شاملة تحد من النفوذ الإقليمي الإيراني وطموحاتها النووية، عبر مزيج من التهديد والمفاوضات تحت شروط صارمة.

وفي هذا السياق يكشف لنا الدكتور علي عبد النبي، خبير طاقة ونائب رئيس هيئة المحطات النووية المصرية الأسبق، تطورات الأوضاع في حوار خاص لـ "إيجبتك".

 

تطور الأحداث الأخيرة من تهديد ترامب وإلى الدعوة إلى الحوار مع طهران 

قال الدكتور علي عبد النبي إن ما نشهده هو محاولة من ترامب لاستنساخ تجربته السابقة مع كوريا الشمالية، ولكن بوتيرة أسرع وأكثر عنفاً؛ ضغط عسكري هائل يتبعه عرض مفاجئ للحوار، بهدف الوصول إلى اتفاق شامل ينهي نفوذ إيران الإقليمي وطموحها النووي دفعة واحدة. فالتطورات الأخيرة بين ترامب وإيران تعكس استراتيجية تجمع بين الضغط العسكري الأقصى والدبلوماسية المباشرة، ويمكن فهم ملامح هذا المشهد من خلال النقاط التالية: أولا، سياسة "حافة الهاوية" لانتزاع التنازلات، حيث يستخدم ترامب التهديد العسكري والتحشيد البحري كأداة ضغط لإجبار طهران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات بشروطه.

فالتهديد بالدمار يقابله فتح باب "الحوار الجاد" لإظهار أن الخيار العسكري ليس غاية، بل وسيلة لتحقيق "صفقة أفضل"؛ ثانيا، المفاوضات تحت ضغط "المهلة النهائية"، فقد كشف ترامب مؤخراً عن إجراء محادثات "جدية" مع إيران، مشيراً إلى وجود مهلة نهائية سرية (أبلغها لطهران مباشرة) لإبرام اتفاق نووي جديد.

 

هذا يعني أن واشنطن لم تعد تقبل بمفاوضات مفتوحة زمنياً، بل تضع طهران أمام خيارين: "الاتفاق أو المواجهة"؛ ثالثا، مطالب صارمة أمام طهران، (1) بخصوص الملف النووي، مطلوب التفكيك الكامل والنهائي للبرنامج النووي ووقف التخصيب، وتسليم نحو 400 كيلوجرام من الوقود المخصب، والتعاون مع الوكالة الدولية ، وضمان الوصول الكامل وغير المشروط لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية للمنشآت النووية. ، (2) مطالب تتجاوز الملف النووي، وهي تفكيك الصواريخ الباليستية، ووقف إنتاجها ووقف تطوير الصواريخ بعيدة المدى التي يمكنها حمل رؤوس نووية، وقف تطوير برامج الطائرات المسيرة التي تستخدم في النزاعات الإقليمية، (3) وقف دعم الفصائل المسلحة الإقليمية ماليا وعسكريا، حزب الله في لبنان، وحماس في غزة، والحوثيين في اليمن، والميليشيات في العراق وسوريا (4) قضايا داخلية مثل "وقف قتل المحتجين" في إيران؛ رابعا، التهدئة الإقليمية وتجنب الانزلاق لحرب شاملة، فرغم نبرة التهديد، إلا أن هناك مؤشرات على رغبة في احتواء الصراع: مثل، اتفاقيات وقف إطلاق النار، من خلال تثبيت تفاهمات لوقف التصعيد بين إيران وإسرائيل، و الحديث عن جولة محادثات مرتقبة في إسطنبول، مما يعكس وجود قنوات خلفية (بوساطة مصرية وتركية وقطرية) تهدف لتجنب "الحرب الإقليمية الكبرى" التي حذر منها المرشد الإيراني؛ خامسا، هناك غموض استراتيجي وتنسيق مع الحلفاء، وهو ما نلاحظه من أن ترامب يتبنى "غموضاً" متعمداً؛ فهو لا يكشف عن خططه العسكرية الكاملة لحلفائه في المنطقة ليبقى هو المحرك الوحيد للمشهد، وفي الوقت نفسه ينسق التحركات العسكرية مع إسرائيل لضمان جاهزية كل الخيارات.

 

 

 

هل الحوار يعكس فشل ترامب في توجيه ضربة لإيران وإسقاط النظام الإيراني؟ 

حتى اليوم، لا توجد تقارير تفيد بـ "فشل" ضربة عسكرية حالية، بل إن التطورات تشير إلى أن ترامب لم يتخذ قرارًا نهائيًا بعد بشن هجوم شامل، مع وجود مسار دبلوماسي مواز. ترامب يستخدم الحشود العسكرية كأداة ضغط قصوى لإرغام طهران على القبول بشروطه "التعجيزية" في المفاوضات المرتقبة، مع بقاء خيار "القوة العسكرية" رهنًا بفشل هذه المحادثات.

لذلك لا يمكن اعتبار الحوار الحالي بين واشنطن وطهران "فشلاً" لترامب، بل هو جزء من استراتيجية "الدبلوماسية الخشنة" أو "نظرية الرجل المجنون" التي يتبعها، حيث يلوح بالضربة العسكرية لإجبار النظام على تقديم تنازلات كبرى. ومع ذلك، تعي طهران استراتيجية أمريكا وتلجأ بدورها إلى "رسائل مزدوجة" تجمع بين التهديد بالرد الإقليمي الساحق وإبداء الاستعداد للدبلوماسية، مع الحرص على إخفاء قدراتها الحيوية في منشآت حصينة.

وأستطيع أن أقول، أن الضربة العسكرية مؤجلة مرحليا، والغموض لا يزال سيد الموقف حول ما إذا كان هذا التأجيل سيؤدي لاتفاق أم أنه مجرد "هدوء ما قبل العاصفة". لكن التلويح بضربة عسكرية أو تصعيد التوتر يوفر فرصاً استراتيجية لأمريكا في الكشف عن القدرات الإيرانية، وذلك عبر:(1) كشف أنماط استجابة إيران "لحالات الطوارئ" وآليات تحشيد القوة لديها، فالتصعيد يتيح مراقبة كيفية الاستجابة؛ (2) تحديد المواقع الدفاعية بدقة وخاصة وأن مساحة إيران كبيرة (1.6 مليون كيلومتر مربع) وإيران دولة جبلية بامتياز وتعد من بين أكثر دول العالم جبلية وعرة على معظم مساحتها، والتهديد الجدي يدفع الجانب الإيراني لرفع حالة التأهب وتفعيل أنظمة الدفاع الجوي (تحت الأرض وفوقها)، مما يسهل على الاستخبارات (مثل CIA والموساد) تحديد مواقع هذه المنصات ورصد التحركات العسكرية الدقيقة؛ (3) اختبار سرعة الرد، فالتحركات العسكرية الأمريكية (مثل إرسال حاملات الطائرات والمدمرات) تهدف إلى دفع طهران للكشف عن جاهزية صواريخها الباليستية ومواقع انتشارها الاستراتيجي قبل وقوع أي اشتباك فعلي؛ (4) الردع المرن، حيت تستخدم أمريكا أحياناً استراتيجية "الردع المرن" لجس نبض الدفاعات الإيرانية دون الانزلاق إلى حرب شاملة، مما يساعد في تحديث بنك الأهداف الاستخباراتي بناءً على ردود الفعل الميدانية.

 

هل مناورات هرمز لها دور في ذلك؟

بالفعل لعبت مناورات مضيق هرمز دورًا محوريًا في تعقيد حسابات الضربة الأمريكية، فقد اعتبرت هذه المناورات أقوى رسالة ردع لأمريكا، حيث أثبتت إيران عدم عزلتها دوليًا، مما دفع ترامب للتفكير في العودة للمفاوضات بدلا من الهجوم الفوري. كما أن انطلاق مناورات مضيق هرمز بمشاركة رمزية أو تنسيق مع روسيا والصين، جعل منطقة مضيق هرمز "منطقة محظورة دوليًا" بحكم الأمر الواقع، وأي هجوم من أمريكا أثناء وجود قطع بحرية لحلفاء إيران، سيخلق تعقيدات سياسية وأمنية تتجاوز طهران لتشمل القوى العظمى الأخرى.

مضيق هرمز هو ممر مائي يمر عبره نحو 20% أو أكثر من إمدادات البترول والغاز المسال العالمية، وإيران تستخدم مضيق هرمز كسلاح، حيث تهدد بتعطيل الملاحة العالمية في المضيق بإغلاقه أو تلغيمه. تعطيل الملاحة في المضيق قد يرفع أسعار البترول إلى مستويات جنونية (بين 120 و150 دولاراً للبرميل)، مما يشكل ضغطاً اقتصادياً هائلاً يمنع ترامب من المخاطرة بالهجوم.

 

ومن وجهة نظرك هل سيتم توجيه ضربة محدودة ؟ أم ستندلع حرب شاملة؟

خطر "التصعيد" من ضربة محدودة إلى مواجهة شاملة مرتفع جدًا، مما يجعل القرار العسكري محفوفاً بمخاطر وجودية لجميع الأطراف، إلا إذا وافقت طهران علي ضربة محدودة لـ "حفظ ماء وجه" ترامب، وأنا استبعد ذلك.

نظرا لتعاظم القوة العسكرية الإيرانية، ونظرا للأهوال التي شهدتها المدن الإسرائيلية خلال حرب الـ 12 يومًا. تتمني كل من أمريكا وإسرائيل أن تكون الضربة "ضربة خاطفة" أو "محدودة" تهدف إلى شل قدرات محددة دون الانزلاق إلى حرب شاملة. ويتمنوا أن توافق طهران علي ضربة محدودة على المنشآت النووية (مثل نطنز وفوردو) أو بعض مواقع من البنية التحتية للصواريخ الباليستية. بينما يلوح ترامب بالخيار العسكري، إلا أنه يسعى لـ "صفقة كبرى" لتجنب حرب استنزاف طويلة.

إذا لم توافق طهران علي "ضربة محدودة" فرد إيران علي أي هجوم، سيواجه بـ "حرب شاملة"، حيث قد تستهدف صواريخها القواعد الأمريكية في المنطقة ومدنا إسرائيلية بكثافة قد تصل إلى 200-300 صاروخ يوميًا. وهناك مخاوف من انخراط أذرع إيران في المنطقة (في لبنان واليمن والعراق) في الحرب، مما يحول المواجهة إلى حرب إقليمية واسعة النطاق. هذا الاحتمال هو الاحتمال الراجح، خاصة أن النظام الإيراني، الذي يعاني من أزمات داخلية واحتجاجات، يفضل التصعيد إلي حرب شاملة لتوحيد الجبهة الداخلية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء