رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

أحمد رفعت: نحتاج تاريخا شعبيا يُقرأ لا سرديات مشوهة يُعاد تدويرها

جانب من الندوة
جانب من الندوة

نظمت قاعة الندوات المتخصصة، بمعرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ57، ندوة لمناقشة كتاب بـعنوان "الذاكرة الاجتماعية: رؤية جديدة للماضي"، ترجمة الدكتور هدى زكريا، وناقشها الكاتب الصحفي أحمد رفعت رئيس تحرير موقع إيجبتك، والدكتور جمال شقرة أستاذ التاريخ الحديث المعاصر، وأدارت الندوة ناهد عبد الحميد. 

 

قالت الدكتورة ناهد عبدالحميد، “الكتاب يمثل منجزًا ثقافيًا بالغ الأهمية، لم يولد دفعة واحدة، بل نما عبر تراكم الذاكرة والذكريات، ليصبح ثمرة جهد فكري مشترك للمؤرخين مثل جيمس فينتريس وكريس ويكهام، بوصفه عملًا يعيد الاعتبار إلى الذاكرة البصرية ودورها في فهم التاريخ”.

معرض الكتاب ومعركة الاختراق الثقافي

ومن جانبه، قال أحمد رفعت، إنه سعيد بحالة الزخم والإقبال الكبير الذي يشهده معرض القاهرة الدولي للكتاب، مؤكدًا أن الكتاب المطروح يمثل عملًا بالغ الأهمية في معركة الوعي ومواجهة الاختراق الثقافي، خاصة فيما يتعلق بالوعي الجمعي المصري، مشيرًا إلى أن الحالة المصرية لا تحتاج فقط إلى تاريخ رسمي، بل إلى تاريخ شعبي يُقرأ في الشوارع وعلى الجدران، مضيفًا أن جزءًا كبيرًا مما يُتداول اليوم باعتباره تاريخًا، يصل إلى نحو 90% من السرد المتداول، لا يستند إلى وقائع دقيقة.

وأوضح أن مصر عاشت قرابة أربعة عقود في حالة من التدوين المشوه، حتى منتصف الثمانينيات، حيث جرى تدوير بقايا ذكريات وأفكار جماعة الإخوان داخل السرد العام، ما انعكس على الوعي المجتمعي، لافتًا إلى أن الشعب المصري كان ضحية لسنوات طويلة من التجهيل والتضليل، وهو ما يجعل إعادة قراءة التاريخ ضرورة ملحة، لا ترفًا ثقافيًا.

 

الذاكرة الجماعية

من جانبها، استهلت الدكتورة هدى زكريا، اللقاء بتساؤل لإثارة الذهن "ماذا لو خرج مجدي يعقوب أو أحمد زويل ذات يوم، وقد فقد ذاكرته بالكامل؟ ماذا سيبقى من عبقريته إن لم يعد يتذكر من هو؟ قد يجلس على الرصيف متسائلًا: أنا مين؟ هذا السؤال، في جوهره، هو ما يراد أن يشعر به الشعب حين تُستهدف ذاكرته الجماعية".

 

وأوضحت هدى زكريا، أنها مهمومة بالذاكرة منذ أكثر من 12 عاما، وصفها أساس الهوية، فالذاكرة كانت مرتبطة معي بالتعليم المجاني الذي قدمه جمال عبد الناصر، قبل أن تبدأ الضربات المتتالية على وعي المجتمع، وكأن هناك استهدافًا مباشرًا لمنطقة الذاكرة التي تنشئ الأمجاد.

 

تشويه متعمد للتاريخ

وأكدت أن ما يحدث هو جزء من تشويه متعمد للتاريخ، يتقاطع مع حركة صهيونية عالمية تسعى إلى تفريغ الوعي من رموزه، فجدنا العظيم رمسيس الثاني يقدم أحيانًا بصورة مشوهة، ويتم الخلط بينه وبين "فرعون موسى" رغم أن هذا الأخير ينتمي إلى عصر الهكسوس، في محاولة لطمس الحقائق التاريخية وتشويه الذاكرة المصرية القديمة بفعل فاعل.

 

وأضافت أن ضرب الذاكرة لا يعني فقط فقدان الماضي، بل فقدان القدرة على الفهم والمقاومة وبناء المستقبل.. وحين تتسباح الذاكرة، يصبح السؤال الأخطر: من نحن؟ 

 

وتابعت هدي زكريا، أنه بعد انتصار صلاح الدين الأيوبي على الصليبيين، سعت بعض السرديات الغربية إلى تعويض الهزيمة بصناعة أبطال أسطوريين، فجرى الترويج لشخصيات خيالية تقدم بوصفها أبطالًا قاتلوا الجنود المسلمين، ومن أبرز هذه النماذج أسطورة رولان، التي تقدم  في الأدب الملحمي الأوروبي كبطل خارق، في سردية رمزية لا تستند إلى وقائع تاريخية دقيقة، ولا تزال هذه النصوص تُدرَّس في بعض المدارس الأوروبية، ومنها باريس، باعتبارها تراثًا أدبيًا لا سجلًا تاريخيًا.

 

مصر أم الحرف

أضافت هدى زكريا، أن مصر كانت في يوم من الأيام دولة الحِرَف بامتياز، أكثر من 300 مهنة حية يعمل بها ما يقرب من 14 ألف أسطة، لم يكونوا مجرد عمال، بل أكاديميين بالفطرة، يتعلم الصغير على أيديهم، وتنتقل المعرفة من جيل إلى جيل دون كتب أو شهادات، بل عبر الخبرة واليد والعين، هذه المنظومة لم تنهر من تلقاء نفسها، بل تعرضت إلى تفريغ متعمّد، حين جرى خطف هؤلاء الأسطوات ونقلهم قسرًا إلى إسطنبول، لتغذية القوة الصناعية للدولة العثمانية على حساب مصر، ويشير السرد إلى ممارسات قاسية وتعذيب داخل عاصمة الخلافة، حيث ثار بعض الحرفيين واعترضوا على بعض الأمور، وكان المصريون يُتركون لأيام في آلام مبرحة، في محاولة لكسر إرادتهم.

 

 

جانب من الندوة
جانب من الندوة
جانب من الندوة
جانب من الندوة
جانب من الندوة
جانب من الندوة
جانب من الندوة
جانب من الندوة
جانب من الندوة
جانب من الندوة
جانب من الندوة
جانب من الندوة

 

 

أهمية الذاكرة الاجتماعية

وفي السياق ذاته، قال الدكتور جمال شقرة، إن الدكتورة هدى أحسنت في إبراز أهمية الذاكرة، مشيرًا إلى أنه اطّلع على الكتاب في نسخته الإنجليزية عام 2012، ولاحظ أن المؤلفين كتباه بلغة إنجليزية معقدة وأسلوب نقدي شديد الكثافة، ما يجعل الترجمة العربية إضافة حقيقية تفتح النص أمام قارئ أوسع.

 

وأضاف أن ما نواجهه هو محاولات ممنهجة لمسخ الذاكرة الوطنية، مؤكدًا أن مصر كانت عبر تاريخها عاصمة للثقافات، لكن هناك ترميزًا متعمدًا يستهدف ضرب الهوية وتشويه التاريخ المصري، موضحًا أن هذه المحاولات لا تقتصر على التاريخ وحده، بل تمتد إلى الدين واللغة والرموز الثقافية، لا يوجد رمز من رموز التاريخ المصري إلا وتعرض للتشويه، ويأتي أحمد عرابي في مقدمتهم، فقد جرى تقديمه في بعض السرديات بوصفه مجرد شخصية مسرحية، في محاولة لتفريغ ثورته من معناها الحقيقي، رغم أنه من غير المنطقي أن يثور إنسان على من كان أخًا له في الرضاعة، كما تروح بعض الروايات.

 

وأكد أن الطرح أن هذه السردية المشوّهة لا سند لها، مشيرًا إلى أنه بحث طويلًا ولم يجد هذا الادعاء في أي كتاب موثوق، ما يكشف حجم التلاعب بالتاريخ ومحاولات إعادة تشكيل الوعي عبر قصص مختلقة لا تستند إلى مصادر حقيقية، مشيرًا إلى أن كثيرًا مما يقدم اليوم باعتباره سردًا تاريخيًا، يتضمن كتابات مشوهة ومزيفة، ما يستدعي اليقظة وإعادة قراءة التاريخ بوعي نقدي يحمي الذاكرة المصرية من التشويه والاختزال. 

 

ولفت إلى أن الكاتب أرهقنا حتى يصل بنا في النهاية إلى جوهر بالغ الأهمية: الذاكرة، خاصة الذاكرة الشفاهية، ويطرح سؤالًا مقلقًا: ماذا لو لم يكن هناك فعل؟ ماذا لو لم تُرو الحكايات ولم تُنقل الخبرات؟ عندها لا يبقى من التاريخ سوى فراغ، ويؤكد الكاتب الإنجليزي  أن مهنة المؤرخ أصعب من أصعب فروع علم الاجتماع، لأن المؤرخ لا يسير في طريق مستقيم، بل يتحرك عبر مسالك شديدة التعقيد، بين الوثيقة والرواية، وبين المكتوب والمروي، ولهذا ركز الكتاب على الذاكرة الفردية، باعتبارها ذاكرة مشكلة عبر التجربة، بل ومحمّلة بما يشبه جينات موروثة تنتقل عبر الأجيال.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء