رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

لم تعد وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) مجرد مؤسسة أممية تُعنى بتقديم الخدمات الإنسانية للاجئين الفلسطينيين، بل تحولت مع مرور الزمن إلى أحد أهم الأعمدة القانونية والسياسية التي تحفظ جوهر القضية الفلسطينية في النظام الدولي. فوجود الوكالة لا يقتصر على الإغاثة والتعليم والصحة، بل يشكل اعترافًا دوليًا مستمرًا بأن قضية اللاجئين ما زالت قائمة، وأن النكبة لم تكن حدثًا عابرًا في التاريخ، بل جريمة سياسية وقانونية لم تُغلق ملفاتها بعد. 

ومن هذا المنطلق يمكن فهم حجم الاستهداف الإسرائيلي المتصاعد لأونروا، والذي يتجاوز الاتهامات الأمنية أو الإدارية، ليطال دورها الرمزي والسياسي في الحفاظ على الحق الفلسطيني وإبقائه حاضرًا في الوعي الدولي.

تأسست أونروا عام 1949 استجابةً للتهجير الجماعي الذي تعرض له الشعب الفلسطيني، وكان يُفترض أن تكون وكالة مؤقتة إلى حين التوصل إلى حل عادل لقضية اللاجئين وفق قرارات الشرعية الدولية. غير أن تعثر الحل السياسي، واستمرار الاحتلال، جعلا الوكالة تتحول إلى شاهد دولي دائم على فشل المجتمع الدولي في إنصاف الفلسطينيين. 

هذا التحول منح أونروا خصوصية فريدة داخل منظومة الأمم المتحدة، إذ أصبحت الوكالة الوحيدة المخصصة لفئة لاجئين بعينها، ما منح اللاجئين الفلسطينيين وضعًا قانونيًا خاصًا مرتبطًا ارتباطًا مباشرًا بحق العودة والتعويض، وليس فقط بالحاجة الإنسانية الطارئة.

تكمن حساسية دور أونروا في أنها تحافظ على سجل اللاجئين الفلسطينيين عبر الأجيال، وتُبقي تعريف اللاجئ الفلسطيني قائمًا قانونيًا وسياسيًا في مواجهة محاولات الطمس والإلغاء. فالمخيمات التي تديرها الوكالة ليست مجرد تجمعات سكنية مؤقتة، بل فضاءات للذاكرة الجماعية، تُنقل فيها رواية النكبة والاقتلاع القسري من جيل إلى آخر. 

كما أن مدارس أونروا ومؤسساتها التعليمية، رغم التحديات والضغوط السياسية، تسهم في ترسيخ الهوية الوطنية الفلسطينية وتعزيز الوعي بالحقوق التاريخية، وهو ما تعتبره إسرائيل تحديًا مباشرًا لسرديتها التي تسعى إلى تصوير قضية اللاجئين باعتبارها قضية منتهية أو قابلة للتصفية.

من هنا يصبح استهداف أونروا جزءًا من استراتيجية إسرائيلية أوسع تهدف إلى إعادة تعريف جوهر الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. فالتركيز المتكرر على اتهام الوكالة بعدم الحياد، أو الادعاء بوجود ارتباطات مخالفة لبعض موظفيها، لا يمكن فصله عن السياق السياسي العام. هذه الاتهامات تُستخدم كأدوات ضغط على الدول المانحة من أجل تقليص التمويل أو وقفه، مما يضع الوكالة في أزمات مالية متكررة تُضعف قدرتها على أداء مهامها الإنسانية، وتفتح الباب أمام التشكيك في جدوى استمرارها.

الأخطر في هذا المسار هو السعي إلى نقل ملف اللاجئين الفلسطينيين من أونروا إلى أطر دولية أخرى تتعامل مع اللجوء بوصفه حالة إنسانية مؤقتة تُحل بالاندماج أو التوطين. مثل هذا التحول إن تحقق، يعني عمليًا شطب البعد السياسي والتاريخي لقضية اللاجئين، وإخراج حق العودة من أي تسوية مستقبلية محتملة. وبذلك يتحول اللاجئون من أصحاب حق سياسي غير قابل للتصرف إلى مجرد فئة اجتماعية تحتاج إلى إدارة إنسانية، وهو ما ينسجم مع الرؤية الإسرائيلية لتصفية أحد أعقد ملفات القضية الفلسطينية.

ويتجلى استهداف أونروا بشكل أوضح في سياق الحروب المتكررة على قطاع غزة، حيث تعرضت منشآت الوكالة للقصف أو التدمير، وسقط عشرات الضحايا من اللاجئين والموظفين الأمميين. هذه الاعتداءات لا يمكن النظر إليها باعتبارها أخطاء عسكرية معزولة، بل رسائل سياسية تستهدف فكرة الحماية الدولية نفسها، وتسعى إلى تقويض أي وجود أممي قادر على توثيق الجرائم أو توفير مظلة قانونية للاجئين.

في ظل هذا المشهد، تبدو أونروا اليوم في قلب معركة تتجاوز حدود العمل الإنساني لتلامس جوهر الصراع على فلسطين نفسها. فالمعركة الدائرة حول الوكالة ليست صراعًا على ميزانيات أو صلاحيات إدارية، بل مواجهة مفتوحة حول من يملك حق تعريف اللاجئ الفلسطيني، ومن يملك سلطة شطب ذاكرته وحقوقه من النظام الدولي. إن استمرار أونروا رغم كل محاولات التجفيف والتشويه، يمثل بقاء شاهد قانوني وسياسي على جريمة لم تُغلق فصولها بعد، ويؤكد أن قضية اللاجئين لا يمكن اختزالها في معونات أو حلول بديلة. ومن هنا فإن الدفاع عن أونروا هو دفاع عن الذاكرة الفلسطينية وعن جوهر العدالة المؤجلة، في مواجهة محاولات إعادة صياغة الصراع بما يخدم منطق القوة على حساب الحق.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء