رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت


في العاشر من أكتوبر الماضي، دخل اتفاق غزة حيّز النفاذ، وتوقفت الحرب الإسرائيلية العنيفة على القطاع بعد نحو عامين من القتال، خلّفت دمارًا شبه كامل في البنية العمرانية، وأكثر من سبعين ألف شهيد فلسطيني، غالبيتهم من المدنيين، وفق الإحصاءات المتاحة، مع ترجيحات بأن يكون العدد الحقيقي أعلى من ذلك بكثير.


الاتفاق الذي انطلق رسميًا من شرم الشيخ، في إطار ما عُرف بـ«خطة ترامب»، قدّم تصورًا شاملًا لإنهاء الحرب وتسوية الوضع في غزة. وتضمّن تبادلًا للأسرى، وإدخالًا للمساعدات الإنسانية، وفتحًا للمعابر، والسماح بحرية الدخول والخروج من القطاع، إلى جانب مسار للتعافي المبكر وإعادة الإعمار، كما نصّ على تخلي حركة حماس عن حكم غزة، وتسليم إدارتها للجنة فلسطينية وطنية من التكنوقراط، وانسحاب الجيش الإسرائيلي إلى منطقة عازلة، ونزع سلاح الفصائل الفلسطينية.


هذه الخطة، رغم افتقارها الواضح للإنصاف وتجاهلها لجذور الصراع، لم تكن — في ضوء موازين القوى المختلّة — سوى «أقل الممكن سوءًا». فغزة كانت مدمَّرة، والمقاومة الفلسطينية تلقت ضربات قاسية، والحكومة الإسرائيلية، خلافًا لتوقعات كثيرين، بدت متماسكة سياسيًا، مع احتمالات حقيقية لاستمرار التحالف الحاكم في السلطة. أما الإدارة الأمريكية الحالية، فلم تُبدِ التزامًا جديًا بمسار حل الدولتين، وانحازت لإسرائيل بصورة فاقت حتى الانحياز الأمريكي التقليدي.


في هذا السياق، تحركت دول عربية وإسلامية وازنة — في مقدمتها مصر وقطر وتركيا — لمحاولة انتزاع أكبر قدر ممكن من الضمانات داخل اتفاق هش، عبر الانخراط الواقعي مع واشنطن. وكان أبرز ما تحقق هو تأمين «اليوم التالي» فلسطينيًا، عبر إدارة انتقالية مرجعيتها السلطة الفلسطينية، ووضع تصور أولي لمسار إعادة الإعمار، والأهم إسقاط خيار التهجير من الحسابات الأمريكية، بعدما تبنّته إدارة ترامب في الأشهر الأولي لفترتها الثانية الاستجابةً لطرح إسرائيلي مناقض للقانون الدولي.


كما تضمّن الاتفاق انسحابًا إسرائيليًا من معظم أراضي القطاع، مع الإبقاء على منطقة عازلة بعمق يقارب كيلومترًا واحدًا داخل غزة بمحاذاة الحدود مع إسرائيل.


لكن بعد أكثر من 120 يومًا على سريان الهدنة، تهاوت آمال المتفائلين أمام واقع مغاير. فقد واصلت إسرائيل انتهاك الاتفاق على نحو شبه يومي، عبر عمليات عسكرية أسفرت عن استشهاد أكثر من 500 فلسطيني منذ بدء وقف إطلاق النار.

 

 كما عمدت إلى توسيع سيطرتها الميدانية عبر ما تُسمّيه «تحريك الخط الأصفر»، فبعد أن كانت تسيطر على نحو 53% من مساحة القطاع، ارتفعت النسبة إلى قرابة 60% نتيجة نسف مربعات سكنية جديدة وإعادة رسم خطوط السيطرة.


إلى جانب ذلك، عرقلت سلطات الاحتلال دخول المساعدات الإنسانية عبر السماح بكميات أقل من المنصوص عليها في الاتفاق، وواصلت المماطلة في إعادة فتح معبر رفح.

 ففي حين تصرّ مصر على تشغيل المعبر في الاتجاهين، بما يضمن حرية الحركة وتدفّق المساعدات، تسعى إسرائيل إلى تشغيله باتجاه الخروج فقط، دون السماح بعودة السكان، وهو طرح ترفضه القاهرة بشدة، فضلًا عن كونه مخالفًا لنص وروح الاتفاق.
 

وسط هذا المشهد القاتم، لاح بصيص أمل مع إعلان الولايات المتحدة دخول المرحلة الثانية من الاتفاق حيّز النفاذ، والتي تنصّ على تسلّم اللجنة الفلسطينية إدارة غزة، وبدء عملية إعادة الإعمار، وانسحاب الجيش الإسرائيلي إلى خطوط جديدة.

 

 غير أن هذا الأمل سرعان ما تبدّد، مع التفاف إسرائيل على الاتفاق، واشتراطها البدء في المرحلة الثانية بنزع سلاح المقاومة، وتقديم هذا البند على سائر الالتزامات الأخرى.
 

هذا الطرح أعاد المشهد إلى حالة من الجمود. فمسألة سلاح الفصائل لا يمكن حسمها بقرارات فوقية أو اشتراطات خارجية، بل تتطلب حوارًا فلسطينيًا داخليًا شاملًا، بضمانات واضحة، وهو المسار الذي كانت القاهرة ترعاه بشكل جاد وبنّاء، مع تفهّم أمريكي صامت في مراحل سابقة. 

 

لكن رهن إعادة الإعمار واستمرار الاتفاق بنزع السلاح، وبتوافق أمريكي–إسرائيلي، يعمّق الانسداد ويقوّض فرص إنقاذ المسار برمّته.
 

وفي ظل هذا التعثر، تستمر معاناة مليوني فلسطيني يعيشون في قطاع دُمّرت أكثر من 80% من بنيته التحتية. وتتراجع فرص إحياء أي أفق سياسي حقيقي، مع تهميش غير مسبوق لحل الدولتين، وتكريس إسرائيل لوقائع ميدانية في غزة والضفة الغربية تجعل قيام الدولة الفلسطينية أقرب إلى المستحيل.


ومنذ السابع من أكتوبر، تغيّر جوهر النقاش جذريًا. فبعدما كان يدور حول إنهاء الاحتلال ووقف الانتهاكات، بات يتمحور حول كيفية إنقاذ ما تبقّى من الوجود الفلسطيني على أرضه. الاستيطان تضاعف توحشًا، وغزة التي كانت خالية من الجنود الإسرائيليين تحوّلت إلى أرض مدمّرة ومحتلة، فيما يستمر الانقسام الفلسطيني في تعميق المأساة.
 

تلك هي الهدنة المُرّة، لا سلام حقيقيًا، ولا حربًا انتهت، بل واقع قاسٍ يُدار تحت ضغط القوة، ويُترك فيه الشعب الفلسطيني وحيدًا بين أنقاض ما تبقّى من أرضه وحقوقه.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء