رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

أنس العاشقات.. بين الحضور الروحي والغياب التنظيمي

المرأة في الطرق الصوفية
المرأة في الطرق الصوفية - أرشيفية

شهد التاريخ الإسلامي حضورًا لافتًا لنساء بلغن مراتب عالية من الكمال الروحي والمعرفة الربانية والفتوحات الإيمانية، وكنّ شريكات أساسيات في بناء التجربة الصوفية الإسلامية. فعلى سبيل المثال، كثيرًا ما يذكر الشيوخ سيرة الإمام الحسن البصري (642–728م)، الذي وُلد في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ودعا له قائلاً: "اللهم فقهه في الدين وحببه إلى الناس"، غير أن ما يُغفل غالبًا أن الحسن البصري كان مريدًا ومتأثرًا بعارفة بالله هي رابعة العدوية، التي أرست أحد أشهر المذاهب الصوفية، وهو مذهب الحب الإلهي، القائم في جوهره على إخلاص القلب والجوارح لله وحده، بعيدًا عن الخوف من النار أو الطمع في الجنة.

 الحضور التأسيسي 

نعِمت المرأة المسلمة بذروة الحضور الإنساني والروحي في العصر الذي وصفه الرسول ﷺ بأنه خير القرون، حيث تجلّت شراكتها الكاملة للرجل في مختلف ميادين الحياة، داخل البيت وخارجه، في السلم والحرب، وفي العبادة والعلم وصناعة القرار. وقد حفظت الذاكرة الإسلامية، عبر نصوص الحديث والسير، نماذج نسائية راسخة تؤكد أن المرأة لم تكن هامشًا في البناء الحضاري الإسلامي، بل ركنًا أصيلًا فيه.

المرأة في الطرق الصوفية - أرشيفية
المرأة في الطرق الصوفية - أرشيفية

فكانت السيدة خديجة رضي الله عنها النموذج الأول للمرأة التي رأت في زوجها ﷺ صدق الإنسان قبل رسالة النبوة، فآمنت به إنسانًا ثم نبيًا، وشاركت بكل ما تملك ماديًا ومعنويًا في حمل أعباء الدعوة، وصبرت على الشدائد حتى نال جسدها الطاهر ما نال. وكانت السيدة عائشة رضي الله عنها مثال المرأة العالمة، والمحدّثة، والناقدة، التي لم تكتفِ بالرواية، بل مارست الفحص والتدقيق، وقدّمت استدراكات علمية موثقة على روايات عدد من كبار الصحابة، حتى أفرد الزركشي مؤلفًا مستقلًا في ذلك.

كما حضرت الصحابيات في مجالس العلم، وفي ساحات القتال، وفي الأسواق، وفي المسجد بوصفه فضاءً لصناعة الرأي العام، حيث ناقشن وجادلن ودافعن عن حقوقهن، فبرزت المرأة خطيبةً، وفقيهةً، وممرضةً، وتاجرةً، ومحتسبة، بما يعكس طبيعة الحراك النسوي في العقود الأولى من التاريخ الإسلامي.

الإسلام والتجربة النسوية

يؤكد هذا الحضور المبكر أن الإسلام –نصًا وتطبيقًا– بريء من تهميش المرأة أو اختزالها في أدوار نمطية. وقد أسهمت النساء، عبر التاريخ، في التعليم والوقف والعمل الخيري، فموّلن بناء المدارس والمكتبات والمساجد والمستشفيات، وأسسن الخوانق والأربطة الخاصة بالعبّاد والصوفيات، لا سيما في بغداد ودمشق والقاهرة وحواضر المغرب الإسلامي.

ومن هذا السياق، يبرز الفضاء الصوفي باعتباره المجال الأكثر رحابة لتمثّل مختلف للمرأة، تمثّل يقوم على المحبة والرحمة والحكمة، بعيدًا عن صراعات السلطة والجدل الفقهي الصدامي.

كانت رابعة العدوية من بين النساء اللواتي تولين المشيخة الصوفية في الإسلام، حيث التف حولها عدد كبير من الرجال طلبًا لبركتها ونهلًا من علمها الروحي. وقد شكّل شعرها وأقوالها مصدر إلهام لكبار أعلام التصوف، مثل جلال الدين الرومي، وفريد الدين العطار النيسابوري، ومحيي الدين ابن عربي، والحلاج وغيرهم. ورغم أن الحسن البصري ظل نموذجًا أخلاقيًا رفيعًا في الزهد والخشية والتواضع، فإن علومه وآدابه وأخلاقه تشكلت بدرجة كبيرة عبر صحبته لمربيته الروحية رابعة العدوية، غير أن أغلب الكتابات تنسب كل ذلك إليه، مع إغفال أثرها العميق في تجربته الصوفية.

ولم تكن رابعة العدوية النموذج النسائي الوحيد في تاريخ التصوف، فهذا ذو النون المصري (796–859م) كان يقرّ بأن فاطمة النيسابورية، إحدى العارفات بالله، هي أستاذته التي تأدب على يديها واستمد من صلاحها وأحوالها. كما برزت الوليّة العارفة الصوفية "شبكة المصرية"، التي خصصت سراديب في منزلها لاستقبال تلامذتها ومريديها، حيث كانت تلقنهم أساليب المجاهدة والمعاملة. ومن أقوالها المأثورة، التي أوردها أبو سعيد الأعرابي في كتاب "الطبقات": "تطهر النفوس بالرياضات، فإذا طهرت استراحت إلى العبادة كما كانت من قبل تتعنى فيها".

المرأة في الطرق الصوفية - أرشيفية
المرأة في الطرق الصوفية - أرشيفية

لقد خاضت المرأة المسلمة تجربة التصوف والعرفان بعمق، وبلغت مقامات معرفية وروحية رفيعة، فكانت العابدة الزاهدة والعارفة بالله، وهو ما يفرض الاعتراف بأن المرأة سلكت هذا الطريق جنبًا إلى جنب مع الرجل، بل وتقدمت عليه في بعض المراحل التاريخية. وقد ظهرت المرأة المتصوفة منذ بدايات تشكل الحركات الصوفية، أي منذ القرن الثاني الهجري، ويمكن القول إنها كانت رائدة في بعض الجماعات الصوفية. 

ويُجمع الباحثون على أن الانطلاقة الحقيقية للتصوف النسوي ارتبطت باسم رابعة العدوية (105–185هـ)، التي تُعد الشخصية المؤسسة للتصوف القائم على العشق الإلهي، بما تركته من تجربة روحية عميقة وأقوال بالغة التأثير، جعلتها تمثل النموذج الولائي الأعلى للنساء في تاريخ التصوف.

وقد لعبت المرأة الصوفية دورًا محوريًا في تفعيل الحياة الاجتماعية دينيًا، وفي ترسيخ الأخلاق الإسلامية، وهو ما منحها تقديرًا واحترامًا واسعًا داخل المجتمع الإسلامي. فمشروع تزكية النفس، القائم على تحرير الإنسان من قيود الهوى والشيطان، شكّل مدخلًا لتحرير المرأة والرجل معًا، بوصفه سبيلًا لتعزيز إنسانية الإنسان والعيش بكرامة حقيقية.

وإذا كان يُقال إن الوجدان يغلب على المرأة أكثر من العقل، فإن هذا المعطى – إن صح وجوديًا – جعلها أقرب إلى التجربة الصوفية، حيث القلب هو مرتكز المعرفة الروحية. فالوجدان حين يتشبع بحب الله والشوق إليه، يثمر صلاحًا وخيرًا، ويدفع الإنسان إلى تجاوز ضيق المطالب المادية نحو سعة الوجود والترقي المعرفي والسلوكي.

وتؤكد هذه النماذج أن التصوف النسوي كان حركة إيجابية وفاعلة في الواقع، خلافًا للصورة النمطية التي تصفه بالسلبية والانعزال. فقد أثبتت المرأة المتصوفة، خاصة في الغرب الإسلامي، أن العناية بتربيتها الروحية تمثل مدخلًا لتعزيز شخصيتها وقدرتها على أداء أدوارها المختلفة.

وفي هذا السياق، تشير دراسة نُشرت بدورية "جمعية دراسات المرأة والحضارة" بالقاهرة (يونيو 2001)، بعنوان "سيرة المتصوفات في التاريخ الإسلامي"، للباحثة عزة جلال، إلى أن كتب التراجم الصوفية مثل "صفة الصفوة" لابن الجوزي، و"ذكر النسوة المتعبدات الصوفيات" للسلمي، و"أعلام النساء" لعمر رضا كحالة، اقتصرت غالبًا على رصد مجاهدات المتصوفات وأقوالهن، وأغفلت أدوارهن الاجتماعية والعلمية والسياسية، خاصة في الفترات التي أصبح فيها التصوف ظاهرة اجتماعية منظمة.

المرأة في الطرق الصوفية - أرشيفية
المرأة في الطرق الصوفية - أرشيفية

كما تطرح الدراسة تساؤلًا حول غياب المدارس الصوفية النسائية المنظمة، مقارنة بالطرق التي أسسها رجال التصوف، وتُرجع ذلك إلى عوامل ثقافية وتاريخية، لا إلى غياب الدور النسائي الفعلي. وتبرز أسماء عديدة لشيخات كان لهن تأثير واسع، مثل رابعة العدوية، وشبكة البصرية، وعائشة الباعونية، وفاطمة بنت عباس البغدادية، وهو ما يؤكد أن المرأة كسرت احتكار الرجال لمجالس العلم الصوفي.

أما على مستوى الحياة الاجتماعية، فقد عاشت المتصوفات تحديًا مزدوجًا بين متطلبات العبادة ومسؤوليات الزوجية والأمومة، واستطعن في كثير من الحالات تحقيق توازن بين الدور الروحي والواجب الاجتماعي، وهو ما يفنّد الادعاءات التي تشبه التصوف الإسلامي بالرهبنة المسيحية القائمة على الانعزال.

وعلى الصعيد السياسي والاجتماعي، يبرز نموذج السيدة نفيسة، التي جمعت بين العبادة العميقة والتفاعل مع قضايا المجتمع، بل وممارسة دور أخلاقي معارض للظلم، كما حدث في موقفها من أحمد بن طولون.

وفي دراسة حديثة حول صورة المرأة في التصوف، يوضح الباحث المغربي مراد جدي أن التصوف أتاح للمرأة مكانة متميزة مقارنة بأنماط التدين الأخرى، خاصة في التصوف الفلسفي عند ابن عربي، الذي نظر إلى الأنوثة والذكورة بوصفهما تجليات إنسانية لا معيارًا للتفاضل، معتبرًا العلاقة بالمرأة طريقًا لتجديد الصلة بالألوهية.

ولا يزال حقل "المرأة والتصوف" مجالًا خصبًا للبحث، سواء للكشف عن الجوانب المغيبة من حياة المتصوفات، أو لفهم أعمق لمواقف أعلام التصوف من المرأة، بما يسهم في إعادة قراءة التجربة الصوفية النسائية بوصفها جزءًا أصيلًا من التاريخ الروحي الإسلامي.

لطالما ارتبط التصوف الإسلامي بصورة الرجال في المشيخة والقيادة الروحية، ما جعل النساء في كثير من الأحيان يظهرن كحضور جانبي أو هامشي في الأدبيات الشعبية. إلا أن التاريخ الصوفي يكشف عن حضور نسائي عميق ومؤثر، امتد منذ النشأة المبكرة للتصوف حتى العصر الحديث، لعبت فيه المرأة أدوارًا محورية في التربية الروحية، ونشر التعاليم الصوفية، وصياغة الرؤى الفكرية المتعلقة بالحب الإلهي والفناء واليقين.

المرأة في المدونة الصوفية

تزخر كتب التاريخ والتراجم الصوفية بأخبار النساء المتعبدات، كما في "حلية الأولياء" و"صفة الصفوة" و"ذكر النسوة المتعبدات الصوفيات"، وقد كشفت هذه المدونات عن تنوع أدوار المرأة الصوفية: زوجة ورفيقة طريق، ومعلّمة ومربّية، وسائحة زاهدة، وشيخة تقود جماعتها، ومؤلفة تُملِي كتبها، ومفكرة وباحثة معاصرة.

المرأة في الطرق الصوفية - أرشيفية
المرأة في الطرق الصوفية - أرشيفية

ومن هذا الامتداد الزمني الذي يزيد على أربعة عشر قرنًا، يمكن الوقوف عند نماذج كاشفة لا بوصفها حالات استثنائية، بل باعتبارها شواهد على الانفتاح الإنساني في التجربة الصوفية.

رابعة العدوية

مثّلت السيدة رابعة العدوية (100–180هـ) تحوّلًا مفصليًا في تاريخ التصوف الإسلامي، حين أسست لخطاب الحب الإلهي الخالص، وجعلت "العشق الإلهي" جوهر العلاقة مع الله. فقد نقلت التجربة الروحية من الخوف والطمع إلى المحبة والاستحقاق، وأسست مدرسة روحية تجاوزت الجغرافيا والزمان، وسار في أثرها كبار أعلام التصوف من الرجال والنساء على السواء.

فاطمة بنت المثنى

قدّمت فاطمة بنت المثنى نموذجًا مغايرًا في التربية الصوفية، حيث انتقلت من "تربية المريدين" إلى "تربية العارفين"، موجهة البصيرة نحو الكون والوجود. وقد اعترف محيي الدين بن عربي بمرجعيتها الروحية وخدمها بنفسه، ما يؤكد أن المرأة الصوفية لم تكن متلقية فحسب، بل سلطة روحية مرجعية.

الست عجم البغدادية

تمثل الست عجم بنت النفيس البغدادية نموذج المرأة العارفة التي جمعت بين الإلقاء الإلهي والشهود الروحي، ودخلت مجال التدوين رغم أميتها، فأمْلت كتبًا صوفية كبرى لا تزال حاضرة في الدرس الصوفي. ويعكس هذا النموذج امتداد الحضور النسائي المعاصر في الكتابة والتحقيق والترجمة والدفاع عن التصوف.

زينب القاسمية

أما السيدة زينب القاسمية (1850–1904م)، فقد جسدت نموذج القيادة الصوفية النسائية الكاملة، حين تولت مشيخة الطريقة الرحمانية بعد والدها، وقادت الزاوية علميًا وروحيًا، وأسهمت في توسع الطريقة وانتشارها، في سابقة تاريخية تؤكد أهلية المرأة لتولي القيادة الروحية والتنظيمية.

خيرونة الفاسية

تُعد خيرونة الفاسية من أبرز النماذج النسائية في التصوف المغربي، وقد ارتبط اسمها بالزهد والعلم والخدمة. تنتمي إلى البيئة الفاسية التي شكّلت عبر القرون حاضنة كبرى للفقه والتصوف معًا، وكانت خيرونة مثال المرأة التي جمعت بين الورع، والتبحر في علوم الدين، والممارسة الصوفية العملية. تشير المصادر إلى دورها في تعليم النساء، واستقبال المريدين، والمساهمة في ترسيخ قيم التصوف الأخلاقي القائم على التواضع وخدمة الناس، لا العزلة السلبية. وتمثل خيرونة الفاسية نموذجًا للمرأة العالِمة–العارفة في الغرب الإسلامي.

رفيدة الأسلمية

تحتل رفيدة الأسلمية مكانة خاصة في الذاكرة الإسلامية بوصفها أول طبيبة في الإسلام، لكنها في السياق الصوفي تُستحضر كنموذج مبكر للروح الخدمية التي تشكّل جوهر التجربة الصوفية. فقد أقامت خيمة قرب المسجد النبوي لعلاج الجرحى، وجمعت بين العبادة والعمل الإنساني، وهو ما جعلها مثالًا حيًا على التصوف العملي قبل تشكل المصطلح. وتجسد رفيدة فكرة أن الخدمة والرعاية والتضحية هي طريق من طرق القرب الإلهي، وهي القاعدة التي قامت عليها التربية الصوفية لاحقًا.

مولاة الشامية وأم زينب

تمثل مولاة الشامية وابنتها أم زينب نموذجًا للمرأة الصوفية التي عاشت في الهامش الاجتماعي لكنها بلغت مركزًا روحيًا معتبرًا. فقد اشتهرت مولاة الشامية بالزهد والمجاهدة، وكان لها مجلس ذكر وتأثير تربوي على النساء، بينما واصلت أم زينب هذا المسار، حتى أصبحت مرجعًا روحيًا في محيطها. ويكشف هذا النموذج عن انتقال الولاية الصوفية عبر التربية والممارسة، لا عبر النسب أو المكانة الاجتماعية.

هجيمة بنت حيي

تُعد هجيمة بنت حيي من الصحابيات اللاتي ارتبط اسمهن بالعبادة والصدق والزهد. ورغم قلة الأخبار التفصيلية عنها، فإن حضورها في المدونات الروحية يعكس نموذج المرأة العابدة التي جعلت التقوى أسلوب حياة. ويستحضرها الخطاب الصوفي بوصفها مثالًا مبكرًا للصفاء القلبي، والصدق مع الله، وهي القيم التي شكّلت لاحقًا الأساس النظري للتصوف الإسلامي.

المرأة في الطرق الصوفية - أرشيفية
المرأة في الطرق الصوفية - أرشيفية

عائشة بنت أحمد

برزت عائشة بنت أحمد كواحدة من النساء العارفات اللواتي جمعن بين العلم والذوق الصوفي. وتشير المصادر إلى مشاركتها في حلقات العلم والذكر، وإلى قدرتها على الإرشاد الروحي داخل الأوساط النسائية. وتمثل عائشة بنت أحمد نموذج المرأة التي تجاوزت ثنائية "الفقه مقابل التصوف"، وقدمت صيغة تكاملية بين المعرفة الشرعية والتجربة الروحية.

لالة ميمونة

تُعد لالة ميمونة من الشخصيات النسائية الصوفية ذات الحضور الشعبي الواسع في المغرب، حيث ارتبط اسمها بالكرامة والبركة في المخيال الجمعي. وغالبًا ما تُستحضر لالة ميمونة بوصفها "ولية صالحة" مثّلت الامتداد الشعبي للتصوف، القائم على القرب من الناس، وتخفيف آلامهم، وربطهم بالقيم الروحية البسيطة. ويعكس نموذجها الدور الاجتماعي للمرأة الصوفية في المجتمعات المحلية.

عصمت الدين بنت معين

تمثل عصمت الدين بنت معين نموذج المرأة الصوفية ذات المكانة السياسية والاجتماعية، حيث جمعت بين النفوذ الدنيوي والالتزام الروحي. فقد عُرفت بدعمها للعلماء والمتصوفة، وإنشائها للأوقاف والخوانق، ورعايتها للفقراء، ويكشف حضورها عن دور المرأة الصوفية في صناعة المجال العام، ليس عبر الوعظ فقط، بل من خلال التمويل والتنظيم والرعاية المؤسسية.

فاطمة بنت بري

تُعد فاطمة بنت بري من النساء العارفات اللواتي تركن أثرًا في مسار التربية الصوفية، حيث عُرفت بالزهد، والمجاهدة، والقدرة على الإرشاد الروحي. وقد أقرّ معاصروها بمكانتها، وتلقّى عنها مريدون ومريدات، في دليل على أن المرأة الصوفية كانت قادرة على ممارسة دور "الشيخة" فعليًا، وإن لم تحظَ دائمًا باعتراف رسمي.

المساواة الروحية

ينطلق التصوف في نظرته للمرأة من قاعدتين راسختين: المساواة في الجوهر الإنساني، والمساواة في الأهلية الروحية. فالذكورة والأنوثة –وفق الرؤية الصوفية– أعراض لا تمس حقيقة الإنسان. ومن ثم، فإن جميع المقامات الروحية متاحة للمرأة كما للرجل، وقد تبلغ المرأة "رتبة القطبية"، وهي أعلى مقام روحي، بمنزلة الخلافة في "الدولة الروحية"، ولا تكون إلا لشخص واحد في الزمان.

وقد عبّر ابن عربي عن هذا المبدأ صراحة بقوله: "كل ما يصح أن يناله الرجل من المقامات والمراتب يمكن أن يكون لمن شاء الله من النساء"، كما شهد ذو النون المصري بولاية وأستاذية فاطمة النيسابورية، في اعتراف نادر بمكانة المرأة الصوفية.

فجوة معرفية 

رغم هذا الإرث الغني، لا تزال روحانية المرأة الصوفية تعاني من التهميش في الدراسات الأكاديمية. وقد أسهمت أعمال مثل كتاب آنا ماري شيميل "روحي امرأة" في فتح هذا الباب، وتبعتها جهود معاصرة، أبرزها كتاب "أبعاد صوفية غير مغلقة وتأنيث المرأة للفضاء الروحي"، الذي سعى إلى سد فجوة معرفية ممتدة عبر مقاربة انتقائية تجمع بين الأكاديمي والصحفي.

تكشف التجربة الصوفية أن المرأة ليست كائنًا تابعًا في التاريخ الروحي الإسلامي، بل شريكًا كامل الأهلية، قادرًا على التعليم والقيادة والولاية، وبلوغ أعلى المراتب الروحية. وما يزال هذا الإرث بحاجة إلى قراءة علمية منصفة تعيد للمرأة الصوفية موقعها الطبيعي في جسد المعرفة الإسلامية.

رؤية المستشرقين 

المرأة الصوفية لم تكتف بالالتزام الشخصي بالعبادة والزهد، بل كانت مرشدة ومعلمة ومربية روحية، وصاحبة بصمة في السلاسل الصوفية، بل وفي تطوير الفكر الصوفي نفسه، وغم ذلك ظل التصوف بمثابة حركة ذكورية الطابع، ما أثار تساؤلات مقارنةً بما عرفه الغرب المسيحي من حضور مؤسسي للراهبات، ودورهن في العمل الاجتماعي والخيري والتربوي، بل وفي أوقات السلم والحرب. وقد لاحظ الأكاديمي البريطاني أنتوني بلاك غياب جماعات صوفية نسائية منظمة في المجتمعات الإسلامية، وهي ملاحظة وردت في كتابه "الغرب والإسلام" الصادر عن جامعة أكسفورد عام 2010، وترجمته العربية التي نشرتها سلسلة "عالم المعرفة" بالكويت عام 2012.

ويشير بلاك، في سياق مقارنته بين التطور الاجتماعي والديني في العالمين الإسلامي والمسيحي، إلى أن النساء في أوروبا المسيحية المبكرة أدّين أدوارًا اجتماعية واضحة، وذُكرن صراحة في نصوص العهد الجديد، كما لم يكن هناك فصل صارم بين الجنسين، بل استطاعت النساء امتلاك بعض السلطة السياسية، ووراثة الحكم أحيانًا. في المقابل، يرى أن النساء في المجتمعات الإسلامية أُبقين – تاريخيًا – في المجال المنزلي، ولم تتشكل لهن جماعات صوفية مستقلة، رغم وجود أدوار غير رسمية لهن داخل الأسرة والمجتمع.

المرأة في الطرق الصوفية - أرشيفية
المرأة في الطرق الصوفية - أرشيفية

غير أن هذه الرؤية، على أهميتها، لا تعبّر عن الصورة الكاملة لعلاقة المرأة المسلمة بالتصوف، فالمستشرق البريطاني جون سبنسر ترمنجهام، في كتابه المرجعي "الفرق الصوفية في الإسلام"، يقدم قراءة مغايرة، مشيرًا إلى أن التصوف كان المجال الديني الأبرز الذي أتاح للنساء موقعًا فاعلًا، لا سيما في القرون الأولى. ويؤكد ترمنجهام أن عددًا كبيرًا من النساء انخرطن في التجربة الصوفية، وكانت رابعة العدوية أشهرهن، كما وُجدت أماكن مخصصة لتعبّد النساء عُرفت باسم "الرباط"، مقابل "الخانقاه" المخصصة للرجال.

ووفقًا لترمنجهام، شهدت مدن مثل حلب وبغداد والقاهرة وجود "رباطات نسائية" منذ القرن السادس الهجري، من أبرزها رباط فاطمة الرازية في بغداد، ورباط البغدادية في القاهرة الذي أنشأته ابنة السلطان الظاهر بيبرس في القرن السابع الهجري، ولا يزال قائمًا في حي الدرب الأصفر. ويبيّن كذلك اختلاف المصطلحات الدالة على تجمعات المتصوفة، فالرباط كان مركزًا للتدريب الروحي، والخانقاه نُزلًا فارسي الأصل، بينما الزاوية مؤسسة صغيرة يقيم فيها الشيخ مع مريديه، أما الخلوة فمكان مخصص للرياضة الروحية الفردية.

وتُعدّ رابعة العدوية النموذج الأبرز للمرأة الولاية في التراث الصوفي، رغم ما تعرضت له من انتقادات شديدة بسبب ما نُسب إليها من عبارات رمزية بدت لبعض الفقهاء متعارضة مع ظواهر الشريعة. ويرى الفيلسوف عبد الرحمن بدوي أن هذه الاتهامات مبالغ فيها، مؤكدًا أن أقوال رابعة تندرج في إطار التوحيد والتجريد، وأن ظاهرها قد يبدو مستنكرًا، بينما باطنها مستقيم ومتسق مع جوهر العقيدة. 

ويذهب الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي إلى أن المرأة والرجل يشتركان في جميع المقامات، بما فيها القطبية، معتبرًا أن العقل قد يتبع النفس ما دامت مهتدية، وأن الأنوثة ليست عائقًا أمام الولاية. وترتبط هذه الرؤية بسياق ابن عربي الأندلسي، حيث أتاح الواقع الاجتماعي للمرأة فرصًا أوسع للتعلم والمشاركة الروحية مقارنة بالمشرق.

كما لعبت التجربة الشخصية لابن عربي دورًا في بلورة أفكاره، سواء من خلال تلمذته على يد شيخات متعبدات، أو عبر علاقاته الأسرية التي اتسمت بالرعاية والاحترام، وهو ما انعكس في تصوره للمرأة بوصفها قادرة على حمل أمانة الخلافة الروحية.

وتشير مصادر عديدة إلى أن نساءً مثل فاطمة النيسابورية، وشعوانة البصرية، وأم علي الكوفية، كنّ معلمات ومرشدات لرجال التصوف، وأن بعض الشيوخ تلقوا الطريق على أيديهن. غير أن كتب التراجم الصوفية ركزت غالبًا على أحوال مجاهدتهن وأقوالهن، وأغفلت أدوارهن الاجتماعية والعلمية، مثل الوقف وإدارة الزوايا.

الصوفية النسائية المنظمة

وترى الباحثة عزة جلال أن غياب المدارس الصوفية النسائية المنظمة لا يعود بالضرورة إلى ضعف الدور النسائي، بل إلى عوامل ثقافية وتاريخية، منها تجاهل المؤرخين، أو اقتصار التلاميذ على النساء، أو العوائق المرتبطة بالجسد والأدوار الاجتماعية، خاصة ما يتعلق بالأمومة والصراع بين التفرغ الروحي ومتطلبات الحياة. 

وقد أسهم تأثر التصوف في المشرق بالفقه التقليدي، إلى جانب صعود تيارات محافظة في العصر الحديث، في تقليص فرص المرأة لبلوغ القيادة الروحية، فظل الرجل يتصدر هرم الولاية، بينما بقيت المرأة في مواقع الإرشاد غير الرسمي.

وفي هذا السياق، يمثل كتاب "المرأة والتصوف والحياة" للدكتورة سعاد الحكيم محاولة معاصرة لإعادة قراءة التجربة الصوفية النسائية، من خلال الجمع بين السيرة الذاتية والتأمل الفكري، واستلهام فكر ابن عربي في فهم العلاقة بين العقل والقلب، والدفاع عن حقوق المرأة انطلاقًا من النصوص المؤسسة لا من الأعراف.

وتبرز في التصوف مسألة التمييز بين الإمامة الفقهية، بوصفها منصبًا تنظيميًا تاريخيًا، والإمامة الروحية التي تقوم على التحقق الباطني. فالإمامة الصوفية ليست سلطة ظاهرة، بل حالة من الصفاء تجعل صاحبها دليلًا لغيره، وهو ما يفتح المجال أمام المرأة كما الرجل.

ويؤكد الإمام الجنيد البغدادي أن "طرق الوصول إلى الله بعدد أنفاس الخلائق"، وهي عبارة تختصر شمول التجربة الصوفية، وتؤكد أن القيادة الروحية لا تُقاس بالجنس بل بصدق التوجه. ومن هنا تتجلى صورة "المرأة الصوفية" في الوعي الصوفي، بوصفها قيادة قائمة على البركة والحضور لا على الاعتراف الرسمي.

المرأة الصوفية في مصر

لعبت المرأة دورًا مركزيًا وغير معلن في الحياة الصوفية في مصر، رغم أن حضورها غالبًا ما يبقى بعيدًا عن الهياكل التنظيمية الرسمية للطرق الصوفية. فمنذ نشأة التصوف في مصر، شكّلت النساء جزءًا أصيلًا من النسيج الروحي والاجتماعي للزوايا والمقامات ومجالس الذكر، سواء بوصفهن مريدات، أو خادمات للمقامات، أو حافظات للتراث الروحي الشعبي المرتبط بالأولياء وآل البيت.

جذور تاريخية 

عرفت مصر مبكرًا نماذج نسائية صوفية بارزة، ارتبطت أغلبها بمحبة آل البيت والتصوف الزهدي. وتُعد السيدة نفيسة، والسيدة زينب، والسيدة عائشة من أبرز الرموز الروحية النسائية التي ارتبطت بها الذاكرة الصوفية المصرية، حيث تحولت مقاماتهن إلى مراكز جذب روحي واجتماعي. ولم يكن دور المرأة في هذه المرحلة مقصورًا على التلقي، بل شاركت في نشر قيم الزهد، والتعليم الديني غير الرسمي، واستضافة حلقات الذكر والوعظ داخل البيوت.

المرأة كمريدة 

تشكل النساء في مصر اليوم الكتلة الأكبر من مريدي الطرق الصوفية، لا سيما في الطرق الشاذلية، والرفاعية، والبرهامية، والعزمية. وتشارك المرأة في الحضرات ومجالس الذكر والموالد، وتلتزم بأوراد الطريقة وتعاليمها، وتؤدي دورًا أساسيًا في الحفاظ على استمرارية الطقس الصوفي داخل الأسرة، حيث غالبًا ما تكون الأم أو الجدة هي الوسيط الأول لنقل الارتباط بالطريقة إلى الأبناء.

الخدمة الصوفية 

يتجلى أحد أهم أدوار المرأة الصوفية في مصر في مجال "الخدمة"، وهو مفهوم محوري في التربية الصوفية. فالنساء يتولين تنظيم موائد الطعام في الموالد، ورعاية الفقراء، وخدمة الزائرين في المقامات الكبرى، مثل مقامات السيدة زينب والإمام الحسين والسيد البدوي. كما تشارك المرأة في الأنشطة الخيرية التي تنظمها بعض الطرق، خاصة في المناسبات الدينية، ما يمنح التصوف بعدًا اجتماعيًا متجذرًا في المجتمع المحلي.

المرأة والقيادة الروحية

رغم غياب المرأة عن مناصب المشيخة الرسمية في أغلب الطرق الصوفية المصرية، إلا أن الواقع العملي يكشف عن وجود نمط من القيادة الروحية النسائية غير المعلنة. ففي بعض الزوايا، توجد "شيخات" أو "سيدات الطريقة" اللواتي يقمن بتوجيه المريدات، وتعليمهن الأوراد، وحل المشكلات الروحية والاجتماعية، دون أن يحملن لقبًا تنظيميًا معترفًا به من المجلس الأعلى للطرق الصوفية.

الحضور النسائي

تمثل الموالد الصوفية في مصر مساحة شبه حرة لحضور المرأة، حيث تختلط الأدوار الروحية بالوظائف الاجتماعية والثقافية. فالمرأة لا تشارك فقط في الذكر والزيارة، بل تضطلع بأدوار تنظيمية، وتُسهم في الاقتصاد الشعبي المرتبط بالمولد، كما تمارس أنماطًا من التعبير الديني الشعبي الذي يمزج بين الدعاء والإنشاد والتوسل.

على الرغم من هذا الحضور الواسع، تظل المرأة الصوفية في مصر محكومة بقيود اجتماعية وثقافية تحد من وصولها إلى مواقع القيادة الرسمية. فالتقاليد الذكورية، والتأثر بالفقه المحافظ، والخشية من الجدل الديني حول "إمامة المرأة"، كلها عوامل أسهمت في إبقاء دورها ضمن الدائرة الروحية والخدمية، بعيدًا عن القرار المؤسسي.

في السنوات الأخيرة، بدأت بعض الطرق الصوفية المصرية تشهد وعيًا متزايدًا بأهمية دور المرأة، خاصة في العمل الدعوي والخيري، وبرزت أصوات نسائية صوفية عبر المنصات الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي، تسعى إلى تقديم خطاب روحي متوازن، يعيد الاعتبار للمرأة بوصفها شريكًا كاملًا في التجربة الصوفية.

يمكن القول إن المرأة في الطرق الصوفية المصرية تؤدي دورًا محوريًا في حفظ الروح الصوفية واستمراريتها، رغم غيابها النسبي عن الهياكل الرسمية. فهي حاضرة بقوة في الممارسة والطقس والخدمة والتنشئة الروحية، وتمثل الضلع غير المرئي في بنية التصوف المصري. ومع تطور الوعي المجتمعي، قد يشهد المستقبل إعادة صياغة لدور المرأة الصوفية، بما يحقق توازنًا بين التراث الروحي ومتطلبات العصر.

بسبب اللائحة التي وضعت عام 1910، والتي أعيد تعديلها في عام 1945، مُنعت النساء (رسميًّا) من المشاركة في إدارة النشاط الصوفي، أو التمتع بعضوية (رسمية) في الطرق الصوفية، ووفقًا للائحة يخلف شيخ الطريقة ابنه أو أحد أقربائه «الذكور» في القيام عليها، ولكن (فعليًّا) ظلت المرأة موجودة ولها نفوذ روحي صوفي كبير، مهيمن على الرجال في أوقات كثيرة، فربما كانت المرأة خارج الطريقة الصوفية، ولكنها بالتأكيد ليست خارج التصوف.

ومن أشهر الأضرحة أو المشاهد في القاهرة ضريح السيدة زينب ابنة علي بن أبي طالب، والسيدة نفيسة بنت الحسن الأنور، حفيدة علي بن أبي طالب، والسيدة عائشة بنت جعفر الصادق، حفيدة الحسين بن علي، والسيدة سكينة بنت الحسين بن علي… وغيرهن. ويقام لكل واحدة من هؤلاء مهرجانًا ضخمًا يمتد لأيام (مولد) كل عام.

عمرو فاروق*

كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية وقضايا الأمن الإقليمي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء