رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

لا أعرف لماذا أشعر أن هذه الكلمة خُلقت لكِ تحديدًا، كأنها لم تكن مجرد نداء، بل قدرٌ لغويٌّ ينتظر اللحظة المناسبة ليُقال. أعلم أن مناداتكِ بها قد تبدو جرأة غير مبررة، لكن الحقيقة أن قلبي سبقني إليها، قالها دون استئذان، واستقر بعدها في سكونٍ غريب، كأن شيئًا ناقصًا في داخلي وجد موضعه أخيرًا. مناداتكِ بعزيزتي ليست كلمة تُقال ثم تُنسى، إنها إحساس متراكم، حالة شعورية كاملة، اعتراف ناعم بأن وجودكِ أحدث في داخلي ارتباكًا جميلًا لا أرغب في شفائه.

هذه رسالتي وهي أصدق ما كتبت. قلمي قبلها كان جافًا، مترددًا، يرفض الانقياد، كأنه كان ينتظر قلبًا يشبهه ليكتب له. واليوم، وأنا أكتب إليكِ، أشعر أن الحروف تخرج من مكان أعمق من المعتاد، من منطقة لا يحكمها العقل وحده ولا يتهور فيها القلب، بل يتكئ كلٌّ منهما على الآخر. أخشى إن تركت القلب وحده أن أغرقكِ بشوقي، وأن أضع على كاهلكِ ما لا يجب، وأخشى إن استسلمت للعقل أن أكتب ببرود لا يشبهني ولا يشبهكِ. لذلك أكتب وأنا ممزق لذيذًا بينهما، أوازن بين الرغبة في البوح والخوف من أن أقول أكثر مما ينبغي.

أشتاق إليكِ.. وأقولها الآن بوضوح، بلا مواربة، بلا محاولات تهذيب زائدة. أشتاق إليكِ شوقًا هادئًا لكنه عميق، شوق من لا يطالب ولا يضغط، لكنه يشعر بالغياب كما يشعر الجسد بالبرد في ليلة طويلة. أشتاق إلى حديثكِ، إلى طريقتكِ في سرد نفسكِ، إلى تلك التفاصيل الصغيرة التي لا ينتبه لها أحد سواي. أشتاق إلى إحساس الأمان الذي يتسلل إليّ كلما شعرتُ أنكِ قريبة، حتى وإن كنتِ بعيدة.

تساؤلاتكِ تسكنني، لا تفارقني، وأدرك أن إجابتها ليست عندي. أنا في حياتكِ ربما خيال، وربما لحظة، وربما انعكاس روحٍ التقت بروحها مصادفة، لكنني أعترف لكِ بشيء: وجودكِ في حياتي لم يكن عابرًا، ولم يكن فراغًا. اخترتُ أن أكون هنا لأنني وجدت فيكِ شيئًا يشبهني حدّ الوجع، حدّ الطمأنينة، حدّ الخوف الجميل. معاناتكِ تشبه خريفي، لا صخب فيها، لكنها مثقلة بالحنين، بالذكريات، بالأشياء التي لم تُقال في وقتها.

حين فتحتِ لي قلبكِ، لم أتعامل مع الأمر بخفة. شعرتُ أنني أمسك شيئًا هشًّا، ثمينًا، لا يُحتمل كسره. إن كان بوحكِ قد منحكِ أمانًا، فقد حمّلني مسؤولية مضاعفة، مسؤولية أن أكون على قدر القرب، وعلى قدر الثقة، وعلى قدر الحب الذي يتشكّل ببطء، دون ضجيج. وأنا لا أخفيكِ… فكرة أن أكون مجرد خيال في حياتكِ تؤلمني، لا لأنني أرفض الخيال، بل لأنني تمنّيت أن أكون أكثر من ظل، أكثر من طيف يختفي حين تستيقظين من شرودكِ.

وأتساءل.. حين تهدأ العاصفة داخلكِ، حين تتوقفي عن الهروب، حين تواجهين واقعكِ بشجاعة، هل سأظل هناك؟ هل سيبقى لي مكان في قلبكِ، ولو صغيرًا، ولو صامتًا؟ هل سأظل ذلك الشبيه، ذلك الأمان الذي شعرتِ به يومًا، أم سأتحول إلى ذكرى جميلة تُستعاد ثم تُطوى؟

ورغم كل هذا الشوق، ورغم هذا التعلّق الذي ينمو في صدري دون استئذان، أعدكِ بشيء لا رجعة فيه: لن أكون عبئًا عليكِ. إن كان لقاؤنا خيالًا، فسأحترمه كما يُحترم الحلم الجميل، لن ألوّثه بالمطالب، ولن أفسده بالأسئلة الثقيلة. سأكون ذلك الطفل الكبير الذي يعرف كيف يفرح دون أن يؤذي، وكيف ينسحب دون ضجيج. سأكون بائع الضحكة الذي يمرّ على قلبكِ، يترك أثره، ثم يمضي وهو يتمنى لكِ الفرح، حتى إن لم يكن هو سببه.

ما كتبته لكِ لا يفي، ولا يشبع، ولا يقول كل شيء. في داخلي كلام كثير، وشوق أكبر، لكنني أخاف أن أُفزعكِ إن قلتُ كل ما أشعر به. بعض المشاعر، حين تُقال كاملة، تفقد جمالها. وبعض الحب، حين يُكشف دفعة واحدة، لا يُحتمل. لذلك أترك لكِ ما بين السطور، أترك لكِ الصمت، أترك لكِ المسافة التي تتيح للقلب أن يتنفس.

صدقيني.. الكلمات لا تخون، لكنها أحيانًا تعجز أمام فيض الإحساس، فتهرب، وتتركني واقفًا على حافة البوح، مشتاقًا أكثر مما أستطيع قوله.وقبل أن أضع نقطة النهاية، أجدني مترددًا، لا لأن الكلام انتهى، بل لأن قلبي لا يريد لهذا البوح أن يتوقف. أخشى أن تكون الخاتمة اعترافًا بالفقد، أو إيحاءً بأن الشوق يمكن أن يُختصر في سطور، وهو أكبر من ذلك بكثير. لكن دعيني أترك لكِ ما يشبه الوصية الناعمة، أمنيات رجل لا يطلب، بل يرجو، ولا يقيّد، بل يتمنى أن يبقى.

أتمنى أن أحفظكِ كما أنتِ، لا كما أريدكِ أن تكوني، أن أصون قلبكِ من الخيبات، حتى تلك التي قد تأتي منّي دون قصد. أتمنى أن أكون ملاذكِ حين يثقل العالم، لا عبئًا جديدًا يُضاف إليه، وأن أكون مساحة أمان لا تضطرين فيها للدفاع عن نفسكِ، ولا لتبرير مشاعركِ، ولا لتجميل أحزانكِ. أتمنى أن أتعلم صمتكِ قبل كلامكِ، وأن أفهم نظراتكِ قبل أسئلتكِ، وأن أكون حاضرًا لا بالصوت، بل بالطمأنينة.

أتمنى ألا أؤذي هذا القرب، وألا أفسد هذا الشعور النادر بالعجلة أو الخوف أو سوء الفهم. أتمنى أن أبقيكِ بعيدة عن خيبات التوقع، وأن أكتفي بأن أكون صادقًا، لأن الصدق وحده قادر على الحفاظ على القلوب. أتمنى إن ضعفتُ يومًا ألا يكون ضعفي عليكِ، وإن ترددتُ ألا يكون ترددي في حبكِ، فأنا لا أحتمل فكرة أن تكوني يومًا أقلّ أمانًا بسببي.

أتمنى أن أكون لكِ كتفًا حين تحتاجين الاتكاء، ومسافة حين تحتاجين الهواء، وأن أعرف متى أقترب دون أن أقتحم، ومتى أبتعد دون أن أغيب. أتمنى أن أحفظ لكِ حقّكِ في الحرية، وحقّكِ في التردد، وحقّكِ في أن تختاري دون ضغط، حتى لو لم يكن اختياركِ في صالحي. فالحب الحقيقي لا يُمسك، لا يطالب، لا يحاصر، بل يحرس من بعيد ويبتسم.

وإن كتب لنا الاستمرار، أتمنى أن يكبر هذا الشعور بهدوء، بلا صخب، بلا وعود كبيرة تُرهق القلب، وأن نبني بيننا يقينًا صغيرًا لكنه صلب، لا تهزّه الأيام ولا تُربكه التفاصيل. وإن كان نصيبنا أن نكون ذكرى، أتمنى أن أكون ذكرى دافئة لا توجعكِ، طيفًا لطيفًا يمرّ في بالكِ دون ألم، وابتسامة لا تُطفئها الخسارة.

أمنيتي الأخيرة، والأصدق، أن تبقي بخير… سواء كنتُ في حياتكِ أم لا. أن يظل قلبكِ سالمًا، قادرًا على الحب، غير منكسر، وغير خائف. وإن كان لي عندكِ مكان، ولو صغيرًا، ولو صامتًا، فسيكون ذلك كافيًا لأن أظل ممتنًا لهذه التجربة، لهذا القرب، لهذا الشوق الذي علّمني أن القلب حين يحب بصدق لا يخسر، حتى إن لم يصل.

أغلق رسالتي الآن، لا لأن الكلام انتهى، بل لأن الشوق لا يُكتب حتى النهاية. أترك لكِ هذه الكلمات بين يديكِ، وأترك قلبي في المسافة بيننا، حارسًا لهذا الشعور، مؤمنًا بأن بعض الحب يكفيه أن يُحافَظ عليه حتى لو لم يُعلَن.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء