"زمن سعاد".. خالد منتصر يحاول إنقاذ ملامح "مصر الجميلة"
لا تقدم رواية "زمن سعاد" مجرد بكاء على أطلال الماضي، بل هي مواجهة فكرية بين زمنين، إذ ترتكز الرواية على رحلة استقصائية يقوم بها البطل (خالد)، باحثاً عن تفاصيل حياة "سعاد حسني" -السندريلا- ليس كفنانة فحسب، بل كرمز لمرحلة ثقافية واجتماعية كاملة.
في أولى تجاربه الروائية، يختار المفكر والطبيب الدكتور خالد منتصر، أن يغادر خندق المقال الصحفي المباشر ليدخل عوالم السرد الروائي من الباب الواسع، ففي روايته "زمن سعاد"، لا يقدم منتصر سيرة ذاتية للفنانة الراحلة سعاد حسني، بل يتخذ من "السندريلا" رمزاً، ومن حياتها وموتها مرآة تعكس انكسارات الشخصية المصرية وتحولاتها الكبرى.
تبدأ الرواية برحلة بحث يخوضها البطل (خالد) في لندن، متتبعاً خيوط الأيام الأخيرة لسعاد حسني، لكن القارئ يكتشف سريعاً أن البحث ليس عن "جريمة قتل" أو "انتحار" مادي، بل هو بحث عن "زمن كامل" غاب واختفى.
يرسم الكاتب مقارنة بصرية وفكرية حادة بين زمنين، "زمن سعاد" الذي يمثل الرقة، الفن، الليبرالية الاجتماعية، وقبول الآخر، وبين "الزمن الراهن" الذي يراه الكاتب غارقاً في القبح البصري، والتشدد الفكري، واغتراب الروح.
بذكاء الطبيب وجرأة التنويري، ينتقل منتصر في الرواية بين شوارع القاهرة ولندن، مستعرضاً مظاهر "التصحر الثقافي".
الرواية هي محاكمة أدبية لمرحلة "الردة" التي أصابت الوجدان المصري، حيث تحول الجمال من قيمة عليا إلى "تهمة" أو "خطيئة".
في الرواية، اعتمد الكاتب أسلوب "الفلاش باك" وتداخل الأزمنة، مما منح النص حيوية تجعل القارئ يشعر وكأنه يشاهد فيلماً سينمائياً كلاسيكياً يصارع ألوان الحاضر الباهتة.
وتظهر المرأة في الرواية (متمثلة في سعاد ورموز أخرى) كضحية أولى للتحولات الظلامية، وكأخر معاقل الدفاع عن بهجة الحياة.
ونجح منتصر في دمج تفاصيل واقعية من حياة السندريلا مع مسارات درامية متخيلة، ليصنع نسيجاً سردياً يخدم فكرته الأساسية عن "ضياع الهوية والجمال".
"زمن سعاد" ليست مجرد رواية للترفيه، بل هي بيان ثقافي يرتدي ثوب الأدب، كما تضع الإصبع على الجرح، وتسأل بمرارة: كيف تحول المجتمع الذي أنتج "سعاد حسني" برقتها وعفويتها إلى مجتمع يطارد الفرح ويحتفي بالكآبة؟
وخلال الرواية استطاع خالد منتصر أن يثبت أن الأدب هو الوسيلة الأبقى لنقل الأفكار التنويرية، فجاءت الرواية صادمة، جريئة، ومفعمة بالحب لزمن كان فيه الجمال هو اللغة الرسمية للبلاد، ليترك لنا "زمن سعاد" كدعوة لاستعادة الوعي الجمالي، ورحلة شاقة وممتعة في آن واحد، تحاول إنقاذ ما تبقى من ملامح "مصر الجميلة" قبل أن يطويها النسيان.