معرض القاهرة للكتاب.. حكايات اليمن والسودان بين الألم والأمل|خاص
في قلب القاهرة، وعلى أرض معرض القاهرة الدولي للكتاب، تتلاقى الحضارات وتتجسد الإنسانية في أبهى صورها.. هنا، تحتضن مصر المبدعين من كل حدب وصوب، حتى أولئك الذين تكسرت بلادهم تحت وطأة الحروب والأزمات، لتمنحهم الأمان والحرية للتعبير عن ثقافتهم وهويتهم.
بين أروقة المعرض، تتحدث أصوات اليمن والسودان، حاملة تاريخًا وأدبًا وتراثًا، لتؤكد أن الكتاب والقصص والمخطوطات تبقى شاهدة على صمود الشعوب وإبداعها، مهما عصفت بها الظروف، وأن الثقافة قادرة على تجاوز الألم وإعادة الأمل للقلوب المثقفة.
جسور المعرفة
في كل جناح، بين المخطوطات والكتب الحديثة، تشعر بأن مصر تعكس صورة الحضارة، حيث يجد الزائر نفسه بين الماضي والحاضر، يتنقل بين تاريخ الشعوب وحاضرها، ويشهد كيف تتحول المعاناة إلى حافز للإبداع والكتابة والابتكار.
هنا، في أروقة المعرض، يشعر الجميع بأن المعرفة والأدب هما جسر العبور إلى السلام، وأن مصر تظل الحاضنة لكل من يسعى للحفاظ على تراثه ونشر فكره، حتى وإن كانت بلادهم تواجه تحديات الحرب والفوضى.

سودان جديد
أكدت نون محمد، متطوعة من السفارة السودانية في معرض القاهرة الدولي للكتاب، أن الجناح يمثل نافذة مهمة لعرض كتابات الكتاب السودانيين والشعراء السودانيين، ويتيح للزوار فرصة الاطلاع على الثقافة والأدب السوداني وإسهامات الأدباء في المشهد الأدبي العربي.
وأضافت أن مشاركة الجناح شهدت انقطاعًا لعدة سنوات بسبب الحرب التي عصفت بالسودان، وقالت: "الجناح كان موجودًا منذ سنوات طويلة، لكن السنوات الأخيرة توقفت المشاركة بشكل فعلي، إلا أننا استطعنا العودة في عام 2023 والمشاركة بشكل كامل بعد توقف دام سنوات."

أبرز الأعمال المعروضة تركز على تاريخ السودان والحضارات القديمة، بما في ذلك الروايات والأعمال الأدبية التي كتبها كتاب معروفون مثل الطالب صالح، وكلها تعكس التراث الثقافي والأدبي السوداني.
تحديات الحرب
وأشارت نون محمد إلى أن الحرب أثرت على المشهد الثقافي في السودان، مؤكدة أن الوضع الحالي دفع بعض الكتاب والشعراء إلى التوقف عن الكتابة أو النشر، كما توقفت بعض المطابع ودور النشر عن العمل، وأصبح من الصعب الحصول على النسخ القديمة, ورغم ذلك، لاحظت اهتمامًا كبيرًا من الجالية السودانية المقيمة خارج السودان للتعرف على تاريخهم وثقافتهم.

الهوية الثقافية
أوضحت نون محمد أن الجناح يهدف إلى تعزيز الوعي بالثقافة السودانية ودعم الكتاب المحليين، من خلال عرض أكبر عدد ممكن من الأعمال الأدبية، سواء كانت حديثة أو قديمة، ليتعرف الزوار على تنوع الكتابة السودانية ويستفيدوا من تراثهم الثقافي، مع التأكيد على أن الجناح يعكس الهوية الثقافية للسودان بشكل كامل.
واختتمت شكرها لكل من ساهم في إنجاح جناح السودان، معربة عن أملها في استمرار المشاركة لتعزيز الحضور الثقافي السوداني في معرض الكتاب ومواجهة تحديات الحرب على المشهد الأدبي والثقافي.

اليمن السعيد
قال علي محمد، متطوع في جناح اليمن في معرض القاهرة الدولي للكتاب، إن الجناح يشارك بشكل مستمر كل سنة، ويستعرض كتبًا تاريخية عن اليمن بشكل عام، سواء المخطوطات القديمة أو الإصدارات الحديثة، مضيفًا أن الكتب المتوفرة جلبت من مكتبة المركز الثقافي اليمني، وهي متاحة للزيارة والاطلاع في أي وقت بالمركز الواقع في شارع النيل رقم 12.
الجناح يشمل أيضًا أعمالًا جديدة لكتاب يمنيين وكذلك مؤلفات صادرة عن زوار اليمن، ويضم الكتب من أربع دور نشر يمنية بالإضافة إلى دور نشر عربية ومصرية، لعرض الإصدارات الجديدة التي تتناول التاريخ اليمني، بما يشمل الشعر والأدب، مثل الأعمال الكاملة للشاعرين البردوني والشاعر عبدالعزيز المقالح.

وأشار علي محمد إلى أن الجناح يسعى لتقديم صورة إيجابية عن اليمن واليمنيين، بعيدًا عن الصورة السلبية الناتجة عن الحرب والصراعات السياسية، مؤكدًا أن اليمن السعيد ما زال موجودًا وسيعود إلى سابق عهده، مع أهمية تعريف الناس بتاريخ اليمن وحضارته وما قبل السياسة وما قبل الصراعات.
الخط القديم
تحدث صدام العدله، أحد المتطوعين في جناح اليمن، عن خط المسند، المعروف بالخط الحميري أو خط المصنع، الذي يستخدم في محافظتي المهرة والغيضة في اليمن.
وأوضح أن الخط يعكس تاريخ اليمن العريق ويساهم في الحفاظ على اللغة والتراث، مؤكدًا ضرورة استمرار الاهتمام بالمخطوطات القديمة وعدم السماح لها بالاندثار، فهي جزء أساسي من التراث الثقافي اليمني.

بعد تصريحاته، كان صدام يخصص وقتًا للزوار ليكتب لهم أسماءهم بالخط المسند، ليحمل كل زائر قطعة صغيرة من التراث اليمني ويختبر بنفسه جمال وأصالة هذا الخط القديم. كانت هذه التجربة تثير إعجاب الزوار وتربطهم مباشرة بتاريخ اليمن وثقافته بطريقة حية وفريدة.

وفي أروقة القاهرة، حيث تتلاقى أصوات الماضي والحاضر، يصبح الكتاب أكثر من مجرد صفحات؛ يصبح حكاية شعب يقاوم، وتاريخًا حيًا ينبض في أعين الزوار.
أسماء تكتب بالخط المسند، قصص تروى عن السودان واليمن، وحضارات تتجسد بين رفوف الكتب… كل ذلك يذكرنا أن الثقافة قادرة على تحويل الألم إلى أمل، وأن الإرادة الإنسانية تظل أقوى من أي حرب أو فوضى. هنا، بين كلمات وحروف، يولد السلام من جديد، وتستمر الحياة على أنغام المعرفة والإبداع.