تختلف أو تتفق مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تحبه أو تكرهه، لكن تبقى الحقيقة التي لا يمكن إنكارها وهي أنه رئيس قوي، ويكفي أنه يمكن اعتباره الوحيد الذي تحدث عن الحقوق المصرية المائية بصراحة ودون مواربة في انحياز صريح للموقف المصري، ومؤكدًا على الثوابت المصرية تجاه قضية مياه النيل، وأن النيل لمصر هو خط أحمر لا يمكن انتهاكه بأي حال من الأحوال.
لكن لماذا انحازت الولايات المتحدة الأمريكية وإدارة الرئيس الأمريكي للموقف المصري في قضية مياه النيل وسد النهضة؟ وهل لذلك علاقة بالتأييد المصري لخطة السلام الأمريكية في غزة؟
أولًا إجابة الجزء الأول من السؤال فهي باختصار تتعلق بمشروعية وقانونية الموقف المصري من الأساس في أزمة مياه النيل؛ الحقوق المائية ثابتة ومثبتة قانونًا وتاريخًا، سواء من خلال الاتفاقيات الدولية الموقعة الخاصة بنهر النيل وتوزيع حصص المياه، أو القواعد القانونية الدولية المنظمة للأنهار الدولية كنهر النيل. التوصيف القانوني وفق قواعد ومبادئ القانون الدولي لواقع نهر النيل أنه نهر دولي بالمحددات الجغرافية والفنية، وكونه نهرًا دوليًا فهو خاضع لأحكام ومبادئ القانون الدولي الناظمة لاستخدام المجاري المائية الدولية لغير الأغراض الملاحية، وهي: مبدأ عدم التسبب بأضرار ملموسة وذي شأن بدول المجرى المائي الدولي، ومبدأ الاستخدام العادل والانتفاع المنصف والمعقول لمجاري المياه الدولية، ومبدأ ومفهوم الإخطار المسبق، ومبدأ التعاون القائم على حسن النية وحسن الجوار. المتتبع لمسار أزمة مياه النيل يدرك دونما عناء كيف أن الجانب الإثيوبي يخالف هذه المبادئ جميعًا.
وبالنسبة للاتفاقيات والمعاهدات التي يستند إليها الموقف المصري تحت إطار "الحقوق التاريخية والمكتسبة لدول المصب" فهي تتعلق بمجموع الاتفاقيات الموقعة والمنظمة لحوض نهر النيل منذ 1902 وحتى 1959. لكن ركيزتي هذا الموقف الرئيستين هما: اتفاقية 1902 والتي منحت مصر حق "الفيتو" على أي مشروعات قد تؤثر على حصتها المائية، والركيزة الثانية تتمثل في اتفاقية 1959، وهي حجر الزاوية في الموقف القانوني المصري، لأن هذه الاتفاقية هي التي حددت حصص وكميات المياه الثابتة لكل من الدولة المصرية (55.5 مليار متر مكعب) والسودان (18.5 مليار متر مكعب). ـ وإجمالًا ـ تستند دول المصب إلى مبدأ "توارث الدول للمعاهدات" خاصة تلك المتعلقة بالحدود والانتفاع بالموارد الطبيعية، حيث استقرار المراكز القانونية وفقًا لتلك المعاهدات، وأنه لا يجوز إلغاؤها من جانب واحد، وهو ما أكدته اتفاقية فيينا للمعاهدات.
في المقابل موقف دول المنابع وتحديدًا إثيوبيا، يستند إلى مبدأ أطلقه الرئيس التنزاني الأسبق "جوليوس نيريري" عام 1964، والذي عُرف فيما بعد باسم مبدأ "نيريري" القائم على فلسفة مفادها أن الدولة الجديدة تولد بـ"صفحة بيضاء" ما بعد الاستقلال، وأنها غير ملتزمة بالاتفاقيات التي وُقعت وهي تحت الاستعمار. وإثيوبيا تستخدم هذا المبدأ لرفض الاتفاقيات الخاصة بحوض نهر النيل. كما تستند إلى مبدأ "هارمون" الأمريكي 1895 الذي ينص على أنه للدولة الحق في فعل ما تشاء بالمياه عبر أراضيها، وهي هنا تتعامل مع نهر النيل على أنه نهر محلي، وهذا مخالف للواقع قبل القانون، وحتى الولايات المتحدة الأمريكية نفسها تخلت عن هذا المبدأ لاحقًا.
هنا؛ إثيوبيا تمارس ما يمكن أن نطلق عليه "برجماتية قانونية" وتتبنى ما يطلق عليه في القانون "انتقائية الالتزام"، فهي تقبل من المعاهدات ما يحقق لها منافع، وترفض ما يفرض عليها التزامات، وتمارس ازدواجية المعايير تجاه معاهدات نهر النيل. على سبيل المثال اتفاقية 1902، أولًا: إثيوبيا كانت دولة مستقلة تمامًا وذات سيادة عند توقيع الاتفاقية، وكانت تعرف باسم مملكة الحبشة، إذن لا وجود هنا لمبدأ "نيريري" الذي تستند إليه إثيوبيا لأنها كانت مملكة مستقلة غير خاضعة للاستعمار.
ثانيًا: المادة الأولى من اتفاقية 1902، وبموجب هذه المادة حصلت إثيوبيا على سيادة إقليمية على أراضٍ ومناطق واسعة مثل "إقليم بني شنقول" الذي أقامت عليه سد النهضة، وهذه الأراضي كانت تابعة للسودان تحت الإدارة البريطانية. في المقابل؛ المادة الثالثة من ذات الاتفاقية نصت أنه في مقابل هذه الأراضي التي حصلت عليها إثيوبيا تعهد الإمبراطور منليك الثاني، إمبراطور إثيوبيا، لبريطانيا (التي وقعت الاتفاقية نيابة عن مصر والسودان) بعدم إقامة أية منشآت على النيل الأزرق أو بحيرة تانا أو نهر السوباط تؤدي لعرقلة جريان المياه إلا بموافقة بريطانيا.
وثالثًا؛ إثيوبيا استخدمت اتفاقية 1902 تحديدًا في نزاعها الحدودي مع كل من إريتريا والسودان أمام مفوضية الحدود الدولية، ما يعد اعترافًا رسميًا بصحة هذه المعاهدة كاملة أمام المجتمع الدولي. وهنا محل ازدواج المعايير، فإثيوبيا تتمسك بالمادة الأولى وبالاتفاقية كاملة عمومًا طالما تمنحها أراضي وتحقق لها منافع، وترفض المادة الثالثة منها طالما تفرض عليها التزامًا تجاه دول المصب.
أما بالنسبة للإجابة على الجزء الثاني من السؤال؛ فالموقف المصري الراسخ في غزة خير شاهد، وأبرز دليل على أن مصر لا تقايض أو تساوم على مواقفها أو حقوقها، لذلك كان الاحترام الأمريكي لمصر وقيادتها ومواقفها قبل الدعم السياسي.
- # دونالد ترامب
- # مصر والسودان
- # الولايات المتحدة
- # الرئيس الأمريكي
- # الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
- # نهر النيل
- # الموقف المصري
- # سد النهضة
- # الاتفاقيات الدولية
- # الثوابت المصرية
- # أزمة سد النهضة
- # لولايات المتحدة الأمريكية
- # ولايات المتحدة الأمريكية
- # ة الرئيس الأمريكي
- # النهضة
- # لرئيس الأمريكي دونالد ترامب
- # لرئيس الأمريكي