رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

عمار علي حسن: ثقافتنا الشعبية روح الأمة وإهمالها «ذنب لا يغتفر»| حوار

دكتور عمار علي حسن
دكتور عمار علي حسن

• المخيلة الشعبية المصرية كنز ثقافي هائل وإهمالها ذنب لا يغتفر في حق الذاكرة الجمعية.

• مشروع التنوير المصري بما فيه مشروع طه حسين لم يمنح الموروث الشعبي ما يستحقه من اهتمام.

• الحكايات الخرافية ليست هروبًا من الواقع بل طريقة إنسانية لفهم العالم والغيب والأسئلة الكبرى.

• الجيل الجديد لم يهجر التراث الشعبي لكنه ينتظر من يقدمه له بلغة عصره وأدواته.

 

لم يكن الدكتور عمار علي حسن مجرد كاتب يراكم الكتب فوق رفوف المكتبات، بل صاحب مشروع فكري وسردي طويل، تشكل عبر سنوات من الاشتغال العميق على الأسئلة الكبرى للإنسان والمجتمع والذاكرة. منذ بداياته، بدا منشغلًا بما هو أبعد من الحكاية بوصفها متعة، إلى الحكاية باعتبارها أداة للفهم وكشف المسكوت عنه، ومجالًا لاستعادة ما تآكل من المخيلة الجمعية.

أنجز عمار علي حسن اثنين وستين كتابًا، نصفها أعمال أدبية عبارة عن روايات ومجموعات قصصية ومسرحيات، وثلاثة دواوين شعر، وتتوزع كتبه بين النقد الثقافي والأدبي، وعلم الاجتماع السياسي، والتصوف، والفكر.

أعدت حول أعماله الأدبية عشرون أطروحة جامعية، وترجمت بعض كتاباته الأدبية والفكرية إلى عدة لغات، ونال عنها جوائز أبرزها: جائزة الدولة للتفوق، وجائزة الشيخ زايد للكتاب، وجائزة اتحاد كتاب مصر في الرواية، وجائزة الطيب صالح في القصة القصيرة، وجائزة ابن بطوطة في أدب الرحلات، وجائزة ساويرس في النقد والسرديات الأدبية.

في الأيام الأخيرة أصدر عمار كتابًا بعنوان «الأرانب الحجرية.. 70 حكاية خرافية»، وحول كل ذلك وأكثر كان لـ«إيجبتك» هذا الحوار معه:

 

ما الذي دفعك لجمع هذه الحكايات وإعادة صياغتها؟

كنت ولا أزال من الذين يؤمنون بأن المخيلة الشعبية المصرية ثرية جدًا، لقِدم بلادنا، واختلاط أهلنا بمختلف الثقافات الإنسانية على مدار التاريخ، أكثر من أي مكان آخر على سطح الأرض.

وكنت أحزن حين أجد بعض الأدباء يستعيرون بقايا حكايات من واقعية أمريكا اللاتينية السحرية، مع أنها مستعارة من عندنا، كما يعترف آباؤها هناك، فيما يتحدث الغرب في رؤيته الاستشراقية عن «سحر الشرق» أو «روحانيته»، أو حسب تعبير زكي نجيب محمود «الشرق الفنان».

عملت منذ البداية على إبداع واقعيتنا السحرية، فظهرت في بعض رواياتي، خصوصًا «شجرة العابد» و«جبل الطير» و«خبيئة العارف»، حتى قال الناقد الكبير دكتور صلاح فضل، رحمه الله، في مقال له بصحيفة «الحياة» عن «شجرة العابد» إنها تضاهي واقعية اللاتينيين السحرية، وتقارعها ولا تنقل عنها.

سحرتني الحكايات الشعبية، فعملت في كتاب قصصي لي بعنوان «عجائز البلدة» على إبداع سرد يتعلق بالأدوات والآلات البسيطة التي كانت تُستعمل في حقولنا وبيوتنا الريفية، ثم جرفها التحديث. وكنتُ أحزن حين أقرأ في كتب من يجمعون الموروث الشعبي عن شكواهم من غياب حكايات وطقوس وألعاب شعبية ظلت تُمارَس لقرون طويلة في مجتمعنا.

هل هناك قصة أو ظرف ما عشته قبل أن تشرع في كتابة «الأرانب الحجرية»؟

قصة كتاب «الأرانب الحجرية.. 70 حكاية خرافية»، الذي صدر عن «الدار المصرية اللبنانية» بالقاهرة، بدأت قبل سنة تقريبًا، حيث كنت أسعى لكتابة مقترح لبحث حول الأثر الاجتماعي للحكايات الخرافية.

وكعادتي، رحت أفحص ما كتب في الموضوع لأقف على مختلف الدراسات السابقة، فانتبهت إلى أن حكاياتنا هذه لم تأخذ حظها من نصيب آدابنا، وإن اهتم بها جامعو التراث ودارسو الأنثروبولوجيا، فهم يسجلونها كما سمعوها، دون زيادة أو نقصان، بينما كنت أعرف أن الأديب الألماني الكبير هيرمان هِسّه له كتاب بديع بعنوان «حكايات خرافية»، وكنت قد قرأت ما كتبه هانز كريستيان أندرسن في هذا الاتجاه.

نسيت البحث تمامًا، وعشت شهورًا مع سحر المخيلة الشعبية المصرية، حين جمعت من قريتي وقرى مجاورة لها، ومما كان محفورًا في ذاكرتي من أيام الطفولة، سبعين حكاية خرافية، عرفتُ منها ومعها أن هناك واقعية سحرية مبهرة يتداولها أهل مصر على مدار قرون من الزمن، تتشابه مع غيرها لدى أمم أخرى.

ورغم كل ما قرأته من قصص وروايات ومسرحيات وأشعار، لا يمكنني نسيان الحكايات الهائمة التي كانت تسرد على مسامعنا في الصغر.

بعضها كان يخيفنا، وبعضها كان يسلينا، وكلها كانت تلهب خيالنا الغض، فينطلق مجنحًا، وتُشحذ الذاكرة بصور ومشاهد وعبارات ومجازات، وينطلق الذهن مراوحًا بين التوهمات والتوسمات، وينتقل بنا من الإيهام والإلهام إلى الإفهام، فيتسع عالمنا، حتى لو كان اتساعه هذا من صنع الخيال.

 

كيف ترى الثقافة الشعبية في عصرنا الحالي؟

هي حاضرة، دون شك، حتى لو تعرضت لتشويه أو تغييب أو تلويث، حسبما رصدت في كتابي «أبواب الأذى.. دفتر أوجاع أهل مصر»، الذي صدر العام الماضي عن «دار الشروق»، لكنها لا تحظى باهتمام كافٍ.

فالاهتمام بها كلون ثري من الأدب بدأ متأخرًا لدينا، ولقي من حفروا في هذا المسار، مثل عبد الحميد يونس، عنتًا في البداية بين الأكاديميين، لكنهم واصلوا الطريق وتركوا لنا كتابات مهمة، مثلما نرى في أعمال نبيلة إبراهيم، وأحمد مرسي، وشمس الدين الحجاجي.

أتذكر أنني في كتابي «بصيرة حاضرة: طه حسين من ست زوايا» قلت إن مشروع التنوير المصري، ومنه مشروع عميد الأدب العربي، لم يعطِ الموروث الشعبي والمخيلة الشعبية ما تستحقانه من عناية، وتعجبت من أي مشروع للنهضة يُهمل استنهاض ما فيهما من معارف وقيم وتوجهات.

وبالطبع هناك من بيننا من انتبه إلى ذلك، وتأثر بهذا الموروث من الحكايات الشفاهية المتداولة، لكن لم يكن هناك انشغال بجمعها بين دفتي كتاب، سواء كما ترد على الألسنة التي تتداولها، أو بإعادة صياغتها لتأخذ الشكل الكتابي، الذي قد يكون في نهاية المطاف واحدًا من رواياتها المتعددة.

من بين هؤلاء طه حسين حين استعاد طرفًا مختلفًا من «ألف ليلة وليلة» في كتابه «أحلام شهرزاد»، ونجيب محفوظ في «ليالي ألف ليلة»، وخيري عبد الجواد في بعض أعماله، لاسيما «حكاية الديب رماح».

إذا كان علماء الأنثروبولوجيا، وبعض علماء الاجتماع، قد التفتوا أحيانًا إلى مثل هذه الحكايات الخرافية المتداولة، فإنهم نظروا إليها كما هي، وبشكل مجتزأ، وسحبوها إلى مجالهم، فأعملوا فيها أدواتهم العلمية، أو ما تفرضه تخصصاتهم المعرفية، والأنساق والنظريات التي تشكل لديهم إطارًا للتحليل والتفسير، غير معنيين بما تنطوي عليه من فن، حيث الصور والخيالات والمجازات والسرديات القادرة على الإدهاش.

ويمكن لباحث في الأنثروبولوجيا أو الاجتماع أن يجمع المتداول شفهيًا من هذه الحكايات، ويقوم بتحليلها وفق النقاط التي يحويها افتراض يضعه عن خيالات البشر، وعلاقتهم بالحياة والكون، ليصل إلى نتائج تبين مختلف الوظائف الاجتماعية للحكاية الخرافية، سواء ما تمنحه من معرفة، أو تنتجه من قيم، أو تحدده من اتجاهات، تسكن رؤوس الذين يعتقدون فيها، ويرددونها، ويضيفون إليها من مخيلاتهم الكثير، كلما انتقلت من جيل إلى جيل.

ويمكن لهذا الباحث أن يعتمد على منهج «الدراسات الثقافية» الذي ينهل من علوم شتى ويصهرها في سبيكة واحدة، لكنه سينحاز أكثر إلى الشق الذي تمنحه الأنثروبولوجيا لهذا المنهج، لاسيما من زاوية اتكائه على نظرة تكاملية في تحليل الموروث الشفاهي، وملاحظة تأثيره في السلوك البشري، في حمولاته الاجتماعية والثقافية، وفي تجلياته الأدبية والفنية.

 

ما أهمية الحفاظ على التراث الشعبي المصري؟

الثقافة الشعبية هي الروح الحقيقية للأمة، فهي من إنتاج القرائح والمخيلات الجمعية، وتحمل أشواق الناس إلى المتعة والحرية والعدل والتحقق، ولذا فإن الحفاظ عليها مهم جدًا، وإهمالها ذنب لا يغتفر، إن كنا معنيين حقًا بالإبقاء على روح شعبنا حية، وكنا ندرك فوائد ما يصدر عن هذه القرائح والمخيلات من حكم وأمثال وحكايات شعبية وأساطير وخرافات، وألوان من الغناء والعديد، فضلًا عن الطقوس التي تُمارس في الأفراح والأتراح.

 

هل يمكن للجيل الجديد التفاعل معها؟

وجدت هذه الحكايات تتراجع عند الجيل المعاصر في قريتي، الذي وجد التسلية والتسرية في الدراما التلفزيونية، والأفلام السينمائية، ومختلف وسائل التواصل الاجتماعي، وكأن الحكايات عن العوالم الخفية لديه كانت مرتبطة بالليالي المظلمة في قرية ما قبل الكهرباء، ولم يعد الآن من يحكيها، حتى لو كانت محض اختلاق.

ويؤدي هذا تباعًا إلى تراجع حضور، وربما اختفاء، الحكايات الخرافية مستقبلًا، مثلما اختفت الكثير من الألعاب الشعبية، والأنواع المسرحية البسيطة، وبعض الطقوس المتوارثة، والسير الملحمية التي كانت تُحكى في الأفراح والموالد، ومعها الكثير من الأغاني الشعبية والمواويل.

الجيل الجديد منجذب إلى مصادر أخرى للمعرفة وإنتاج القيم، لكن ليس مستحيلًا أن نجعله يتفاعل مع الموروث الشعبي إذا قدمناه في الأشكال التي يميل إليها هذا الجيل، مثل الدراما التلفزيونية، والأفلام السينمائية، وحكايات «يوتيوب»، وعبر الكوميكس، والنشر المتواصل للحكم والأمثال الشعبية على مواقع التواصل الاجتماعي.

وما دمنا نتحدث عن الجيل الجديد، فلا بد هنا من أن أذكر التحدي الذي يضعه الذكاء الاصطناعي أمام الأدب عمومًا.

نعم، لا يمكنه حتى الآن أن يجاري المخيلة الإنسانية، لكن الاعتماد عليه عند البعض آخذ في الازدياد، لدرجة أنني دُعيتُ يومًا إلى لقاء تلفزيوني بقناة «الحرة» الأمريكية لأناقش قضية كاتبة يابانية حازت جائزة عن رواية كتبتها بمساعدة الذكاء الاصطناعي، وقلت إن في هذا انتحالًا مهما كان، ومع هذا نجد كثيرين من كتاب السيناريو للسينما والدراما العربية أخذوا في الاعتماد عليه، وربما يزحف هذا إلى كتابة القصص والروايات مستقبلًا، لاسيما عند جيل جديد، فيدون أسماءه على أغلفة كتب ليست من صنع قريحته بالكامل.

ربما تكون العودة إلى الحكايات الشفاهية المتداولة، الراسية في القيعان البعيدة لمجتمعاتنا، والغارقة في الحكائية المحلية، طريقًا للحفاظ على أصالة ما، أو لاكتشاف جوهر مردوم تحت غبار كثيف من الإهمال والغفلة والاستسهال، أو التعمية المتعمدة عليه بدعوى عدم علميته أو جرحه لتصورات دينية، فهذان السببان لا يمكنهما منع الأدب من أن يمد يده لالتقاط هذه الجواهر المطمورة، وإعادة تقديمها وفق تقنية سردية معاصرة، تنقلها من الشفاهية إلى الكتابية، وقد تصبح في نهاية المطاف، في نظر البعض، مجرد رواية ضمن روايات قابلة للاستعادة بأشكال أخرى.

 

كيف تؤثر عناصر الحكايات الخرافية في مخيلة القراء؟

هي تثري بغرائبيتها وعجائبيتها الخيال، دون شك، ومن هذه الزاوية تعد لونًا من الأدب السردي القصير المنتمي إلى عالم الوهم، حيث الشخصيات الخيالية والأفعال الخارقة، والذي يُتداول شفاهة، ويرسو في القيعان الاجتماعية البعيدة، وقد يصير مع الزمن نمطًا من الأعمال الكلاسيكية، التي تتفاعل وتتشاكل وتنتقل بين الثقافات الإنسانية، لتصبح مصدرًا ثريًا للمعرفة والحكمة والتجربة، ومخزنًا لإنتاج القيم الاجتماعية، وأحد روافد الأدب الذي تبدعه النخبة من قصص وروايات، حين تستلهم الخرافات وتعيد إنتاجها وفق صيغ جديدة، أو تقوم بتبيئتها كي تنصهر في الثقافة المحلية، وربما يتطلب هذا تخليص الحكاية الخرافية مما تنطوي عليه من عنف، أو ما تدعو إليه من علاقات غير مستساغة لأعراف أو تقاليد ما، بحثًا عن تحويلها إلى شيء مفيد.

كتاب «الأرانب الحجرية.. 70 حكاية خرافية»
كتاب «الأرانب الحجرية.. 70 حكاية خرافية»

هل تؤدي الحكايات الخرافية وظيفة ما في حياتنا؟

نعم، لها وظيفة جمالية، فالجمال، بوصفه أحد الجواهر الأساسية للفن، لا يمكن أن يكون معادلات صماء، ولا يخضع لمنطق، ولا يقف حتى عند حدود الحدس، إذ بوسعه أن يسيح في كل ما وراء الطبيعة، وما وراء العقل، وما وراء القدرة التي يستطيع الإنسان أن يحصلها في تفاعله مع تصاريف العيش، وكل هذا يعطي للحياة طعمًا، ويجعل قانون «المنفعة الحدية» الذي يتحدث عنه الاقتصاديون واقفًا عند حدود استهلاك الأشياء المادية، بينما تظل الرغبة في معرفة الغرائب، والتسلية والتسرية والتزجية بها، مفتوحة بلا حد ولا سد ولا قيد.

ولها وظيفة أخرى مهمة، تتيح لها فرصة للبقاء والنمو، نظرًا لأن عالم الغيب أوسع من عالم الشهادة في حياة الناس، والمجهول أكثر من المعلوم، والغامض أمضى في إثارة السؤال والدهشة من الواضح، ولأننا نأتي إلى الدنيا ونذهب دون أن نستطيع الوصول إلى إجابة كافية شافية عن كثير من الأسئلة الرئيسة التي تتعلق بالوجود والكون، وتنبت عشوائيًا في طريقنا كل يوم أشواك حادة جارحة.

حيال هذا، لم يجد الإنسان بدا من ردم الهوة بين ما يعرفه وما لا يعرفه، بين عالمين أحدهما تحت سمعه وبصره، لكنه لا يستطيع السيطرة عليه بالكلية، والآخر بعيد عنه، يعجز بالأدوات التي يملكها عن الوصول إليه، فيطلق خياله في تصوره، ويطلق لسانه في التعبير عما دار في هذا الخيال.

إنها الحكايات التي تردم الهوة، في بعض الأحيان، بين ما يألفه الناس ويعرفونه ويتحققون منه في دنياهم، وبين الغيب المفتوح على التأويلات والحكايات التي تتناسل بلا هوادة. وحتى لو كان كل هذا وهمًا، فمنذ متى كانت الأوهام بعيدة عن ذائقة الأدب وموضوعاته؟

في الوقت نفسه، يحفل الواقع بحكايات تجري في دنيا الناس، تتوزع بين أحداث ووقائع، وتصرفات وتدابير، وأقدار وتصاريف، وشائعات وتخرصات، وأكاذيب وتقولات، وحتى أحلام اليقظة والرغبات المكبوتة، تنطوي كلها على ألوان من السحر لا يمكن إنكارها، لكن السحر يبلغ مداه، والخيال يطلق أجنحته طويلة قوية، ترفرف عفيّة في البراح، حين نكون بصدد الحكايات الخرافية.

 

هل للحكايات المصرية جذور عالمية؟

بين حكاياتنا الخرافية ما هو مشترك مع حكايات شعوب أخرى، ولهذا أنا من الذين يقولون دومًا إن «الأساطير» و«الحكايات الشعبية» و«الحكايات الخرافية» تجمع بين البشر أكثر مما يجمع غيرها.

وهناك حكايات لدينا خاصة بنا، أنتجتها قرائح أبنائنا على مدار التاريخ، ورسخت وصارت عفيّة في وجه أشباهها في العالم أجمع.

ولي هنا أن أقول إن الحكايات الخرافية موجودة في تراثنا العربي، مثل ما ورد في «ألف ليلة وليلة» من قصص مدهشة، وعند إخوان الصفا في «شكوى الحيوانات إلى ملك الجان» من الظلم الاجتماعي، ولدى ابن المقفع في كتابه «كليلة ودمنة». وهي موجودة كذلك في الآداب الأوروبية عند ماري دي فرانس، وجان دي لافونتين، وإيفان أندرييفيتش كريلوف، وجوتولد إفرايم لسنج، وكريستيان جليرت، وهانز كريستيان أندرسن، وعند الألماني هيرمان هِسّه في كتابه «حكايات خرافية».

وهي موجودة أيضًا في الآداب الآسيوية التي تنهل من منابع غنوصية، وروافد ما ورائية، ومناهل يعجز العقل عن إثباتها، لكنها تؤثر في عيش الناس حين تنعكس على معتقداتهم وتصوراتهم، وتلعب أحيانًا دور الطبابة في مواجهة الشقاء والحيرة، وانفساح الغيب بلا حد.

 

كيف كانت طريقة العمل في كتابك هذا؟

جمعت تلك الحكايات من أفواه الناس في قريتي وقرى مجاورة لها، وأعدت صياغتها في قالب سردي مختلف، دون الجور على جانب من شفاهيتها وبراءتها، عملًا لازمًا لنا، وخصوصًا في معرض تعزيز الواقعية السحرية النابتة في رحاب مجتمعنا، وهي مسألة انشغلتُ بها في العديد من رواياتي وقصصي، كما سبقت الإشارة.

أقدم في هذا الكتاب السردي سبعين حكاية عن عوالم خفية، لعل القارئ يكتشف بها ومعها ثراء مخيلة أهلنا، الذين تناسلت على ألسنتهم الحكايات العجيبة الغريبة على مدار آلاف السنين، ويكتشف في ركابها قدرة جيلنا على الاستفادة منها، وتقديمها سفرًا من أسفار عجائبيتنا وغرائبيتنا الساحرة، وهو أمر مطلوب ومرغوب.

 

هل تخطط لترجمة الكتاب لجمهور أوسع؟

أعتقد أن هذا الكتاب ينطوي على لون من الأدب الإنساني العابر للثقافات، ولذا من المفيد ترجمته إلى جمهور أوسع خارج العالم العربي، وأتمنى أن يحدث هذا يومًا ما.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء