السيارات الكهربائية في مصر : بين الطفرة الفعلية وتحديات البنية التحتية
تبرز سوق السيارات الكهربائية في مصر كواحدة من الملفات الساخنة، التي تحمل في طياتها بشائر واعدة وتحديات متراكمة.
فالمشهد يبدو في ظاهره مبشراً بطفرة في المبيعات، لكن عند التمعن في الأرقام الرسمية والقرارات الحكومية، يتضح أن الطريق نحو انتشار واسع النطاق لهذه السيارات ما زال مليئاً بالعقبات.
نمو التراخيص: طفرة لافتة بالأرقام
بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغ عدد السيارات الكهربائية المرخصة في مصر حتى نهاية عام 2024 نحو 8,560 مركبة، مقارنة بـ3,244 مركبة فقط في نهاية 2023، وهو ما يعني زيادة بنسبة تقارب 164٪ خلال عام واحد فقط.
وبلغ العدد الكلي للسيارات الكهربائية المسجلة في مصر منذ السماح بترخيصها لا يتجاوز 14 ألف وحدة حتى منتصف 2025، وهو رقم يوضح أن السوق ما زال في بداياته إذا ما قورن بالسيارات التقليدية.
أما التوقعات للعام الجاري فتبدو أكثر جرأة، حيث تشير تقديرات عدد من المتعاملين في القطاع إلى أن المبيعات مرشحة للارتفاع بنسبة 67٪ لتتجاوز حاجز العشرة آلاف مركبة جديدة، بما يرفع إجمالي السيارات المرخصة إلى نحو 22.4 ألف سيارة.
هذه الطفرة المتوقعة تعكس حجم الاهتمام المتزايد من المستهلكين والمستثمرين على حد سواء، لكنها في الوقت ذاته تحتاج إلى مقومات قوية على الأرض لدعم هذا النمو المتسارع.
أسعار الشحن: قرار حكومي يقلب الموازين
لم يكد قطاع السيارات الكهربائية يستوعب أرقام النمو الأخيرة، حتى جاء قرار وزارة الكهرباء في سبتمبر 2025 برفع أسعار شحن السيارات الكهربائية بنسب تصل إلى 180٪ ليشعل الجدل من جديد.
فالأسعار الجديدة ألغت فكرة "السعر الثابت" لكل كيلووات/ساعة، وربطت تكلفة الشحن مباشرة بتكلفة التوريد.
الأرقام تعكس حجم الفارق الكبير، حيث ارتفع الشحن البطيء (AC) من 1.89 جنيه إلى نحو 3.40 جنيه للكيلووات/ساعة، بزيادة تقارب 79٪، لترتفع تكلفة ملء بطارية بسعة 100 كيلووات/ساعة من 189 جنيهاً إلى 340 جنيهاً.
كما قفز أما الشحن السريع (DC) من 3.75 جنيه إلى 6.55 جنيه، أي زيادة تقارب 75٪، ما يعني أن تكلفة شحن نفس البطارية وصلت إلى 655 جنيهاً بعد أن كانت 375 فقط.
دعم المستثمرين أم إثقال المستهلك؟
تبرر الحكومة قرارها بأن الهدف هو دعم استدامة المستثمرين في محطات الشحن وضمان استمرار خدماتهم، خاصة أن أسعار الشحن القديمة لم تكن كافية لتحقيق عوائد مجزية.
بالفعل، استثمرت شركات محلية مثل "طاقة فولت" و"السويدي بلج" و"إيكاروس إليكتريك" ملايين الجنيهات في إنشاء بنية تحتية لشحن السيارات، لكنها كانت تعاني من ضعف في العائد الاستثماري.
غير أن المستهلكين ينظرون للأمر من زاوية مختلفة. فالكثير ممن اتجهوا إلى شراء السيارات الكهربائية كانوا يضعون في اعتبارهم خفض تكاليف التشغيل، والآن يجدون أن تكلفة الشحن تضاعفت تقريباً.
ومع ذلك، لا تزال هذه السيارات توفر وفراً يتجاوز 50٪ مقارنة بمركبات البنزين والديزل، خاصة عند الاعتماد على الشحن المنزلي، الذي لم يشمله القرار الحكومي الجديد ويظل أقل كلفة بكثير.
البنية التحتية: حجر الزاوية الغائب
التوسع في استخدام السيارات الكهربائية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى توافر محطات الشحن وتوزيعها الجغرافي.
ورغم إعلان الحكومة قبل أكثر من ثلاث سنوات خطة طموحة لإنشاء 3,000 محطة مزدوجة تضم نحو 6,000 نقطة شحن خلال 18 شهراً فقط، إلا أن التنفيذ جاء بطيئاً للغاية.
التقديرات الحالية تشير إلى أن عدد المحطات الفعلية لا يتجاوز الألف محطة، معظمها متركز في القاهرة وبعض المدن الكبرى مثل الإسكندرية والغردقة ومرسى مطروح.
هذا التأخير يعكس واحدة من أكبر المعضلات التي تواجه القطاع، إذ لا يكفي أن يكون هناك نمو في المبيعات دون وجود شبكة شحن قوية تضمن للمستخدم راحة التنقل وسرعة إعادة التزويد بالكهرباء.
كلفة مرتفعة وسوق محدود
إلى جانب أزمة البنية التحتية، تظل الأسعار المرتفعة للسيارات الكهربائية نفسها عائقاً أمام انتشارها. فمتوسط سعر السيارة الكهربائية في مصر يبدأ من نحو 1.5 مليون جنيه ويختلف حسب العلامة التجارية وسعة البطارية، وهو رقم يجعلها بعيدة عن متناول شريحة واسعة من المستهلكين.
كما أن تقلبات سعر الدولار تزيد من تكلفة الاستيراد وقطع الغيار، وهو ما يضاعف من الأعباء على السوق المحلي.
حتى الآن، ورغم القفزة في أعداد التراخيص، ما زالت السيارات الكهربائية تمثل نسبة ضئيلة جداً من إجمالي المبيعات السنوية للسيارات في مصر، وهو ما يؤكد أن السوق لم يدخل بعد مرحلة الانتشار الجماهيري الواسع.
هل تبقى الميزة الاقتصادية قائمة؟
برغم كل ما سبق، تظل السيارات الكهربائية قادرة على تقديم ميزة اقتصادية واضحة إذا ما نظرنا إلى تكاليف التشغيل على المدى الطويل.
فحتى مع الزيادات الأخيرة في أسعار الشحن، لا تزال التكلفة أقل من الوقود التقليدي بأكثر من النصف. ومع توقعات بزيادة أسعار البنزين والديزل في السوق المحلية خلال الأشهر المقبلة، قد يعود التوازن لصالح السيارات الكهربائية من جديد.
الخبراء يشددون على أن الشحن المنزلي يظل كلمة السر في هذه المعادلة، إذ يوفر على المستخدم فروقاً ملحوظة ويقلل من الاعتماد على المحطات العامة التي باتت أكثر تكلفة.
المستقبل: رهانات مفتوحة
لا شك أن مصر تقف عند مفترق طرق مهم فيما يتعلق بمستقبل السيارات الكهربائية. فالنمو الحالي يفتح الباب أمام فرص استثمارية كبيرة في مجالات التصنيع والتجميع المحلي، وتوسيع البنية التحتية للشحن، وجذب علامات تجارية جديدة.
من ناحية أخرى يترقب السوق دخول علامات مثل "IM"، و"Avatr"، و"Hongqi"، و"AITO"، و"Arcfox"، إلى جانب وجود أكثر من 17 علامة بالفعل بينها شركات فاخرة مثل مرسيدس وبي إم دبليو وبورشه.
لكن نجاح هذه الرهانات يتطلب خطوات عملية واضحة: دعم حكومي أكبر، تشريعات محفزة، إعفاءات ضريبية أو جمركية، بالإضافة إلى استراتيجية تصنيع محلية تسهم في خفض الأسعار، من دون هذه العناصر، قد يبقى نمو القطاع محدوداً ومحصوراً في شريحة ضيقة من المستهلكين.
ما يحدث اليوم في سوق السيارات الكهربائية المصرية هو أشبه بسباق مزدوج، عبارة عن نجاحات ملموسة في أرقام التراخيص والمبيعات، يقابلها بطء وتعثّر في البنية التحتية والقرارات التنظيمية.
التحدي الحقيقي أمام الحكومة والمستثمرين هو خلق معادلة متوازنة تجعل هذه الصناعة مربحة للمستثمر وجذابة للمستهلك في الوقت ذاته. عندها فقط يمكن القول إن مصر تسير فعلاً على طريق التحول الأخضر في مجال النقل، لا مجرد السير في موكب عالمي دون جاهزية كافية.
أحمد زين، رئيس لجنة سيارات الطاقة النظيفة في شعبة السيارات بغرفة القاهرة التجارية، أكد أن انتشار المركبات الكهربائية يرتبط بشكل وثيق بتوسيع شبكة محطات الشحن وتعدد الخيارات المطروحة في السوق.
وأضاف أن عدد المحطات حالياً يبلغ نحو 1000 محطة، تحتوي كل منها على ما بين 3 و5 نقاط شحن، مشيراً إلى خطط لإضافة ما بين 300 إلى 500 محطة جديدة قبل نهاية العام.
ورغم أن مصر كانت قد حددت قبل أكثر من ثلاث سنوات هدف إنشاء 3000 محطة مزدوجة تضم 6000 نقطة شحن خلال 18 شهراً، إلا أن التنفيذ تأخر بشكل ملحوظ.
تعريفة الشحن وأثرها على الاستثمار
أبرز التحديات التي تواجه المستثمرين في هذا القطاع تتعلق بضعف الجدوى الاقتصادية، إذ يرى زين أن "تعريفة الشحن الحالية غير كافية لتحقيق عائد سريع".
وفي محاولة لتجاوز هذه العقبة، رفعت الحكومة مطلع الشهر الجاري أسعار شحن السيارات الكهربائية بما يصل إلى 180%، في خطوة تهدف لتحقيق توازن بين مصالح المستثمرين والمستهلكين.
تكلفة التشغيل ومقارنة مع الوقود التقليدي
أسامة أبو المجد، رئيس رابطة تجار السيارات، اعتبر أن رفع تعريفة الشحن يمثل خطوة مهمة لضمان استدامة الشركات العاملة في المجال، مشيراً إلى أن السوق تضم حالياً أقل من 9 شركات متخصصة في الشحن استثمرت ملايين الدولارات في البنية التحتية.
وأكد أبو المجد أن تكلفة تشغيل السيارات الكهربائية تظل أقل بأكثر من 50% مقارنة بالسيارات التقليدية، مضيفاً أن أي زيادة مرتقبة في أسعار البنزين خلال الشهر المقبل قد تدعم مزيداً من الإقبال على المركبات الكهربائية والهجينة.

