رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

خيري حسن: عبد الحميد الديب «الشاعر البائس» تحدى الفقر والاحتلال الإنجليزي

الكاتب خيري حسن
الكاتب خيري حسن

قال الكاتب خيري حسن، إن حياة الشاعر عبد الحميد الديب تعد واحدة من أكثر الحكايات تعقيدًا في المشهد الثقافي المصري، إذ وُلد في فترة ما بين الحرب العالمية الأولى والثانية، تحت الاحتلال الإنجليزي الذي هيمن على الاقتصاد المصري لصالح الحرب والسيطرة الأجنبية، فكان يعيش حياة شديدة الصعوبة والفقر القاسي، وهو ما انعكس على تجربته الإنسانية قبل تجربته الأدبية، فالحياة بالنسبة له لم تكن مجرد مسار شعري، بل مسؤولية يومية للبقاء والعمل، فقد لقب بالشاعر البائس وهو لم يكن مجرد وصف لحالته النفسية، بل تجسيدًا لمأساة شخص عاش في ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة، بعيدًا عن أي دعم مادي أو ورث، مما جعله مستسلمًا جزئيًا لشعور الاضطهاد والفقر، إلا أن هذا البؤس لم يمنعه من تطوير موهبته الشعرية، وإن كان توظيفها غالبًا جاء في هجاء الآخرين أو التعبير عن استياءه من الظروف المحيطة به.

 

 

الموهبة الشعرية والمسؤولية الاجتماعية

وأضاف خلال لقاء على شاشة القناة الأولى، رغم اعتراف الجميع بموهبته، إلا أن التحدي الحقيقي لعب دورًا محوريًا في حياته، إذ كانت الموهبة وحدها لا تكفي للعيش أو لكسب الرزق، مؤكدًا أنه كان عليه أن يجد وظيفة ثابتة كما فعل الشعراء الآخرون مثل  حافظ إبراهيم، الذي عمل في الدواوين الحكومية ودار الكتب، وفي حالة الديب، غاب عنه هذا التوازن، مما جعله يكافح بين الرغبة في الكتابة والعيش في ظروف اقتصادية صعبة، وترك الشعر أحيانًا كوسيلة للتعبير عن غضبه وهجائه الاجتماعي والسياسي، حيث تشير دراسة الأستاذ رجاء نقاش إلى أن تركيبة الديب النفسية جعلته يميل إلى الهجوم الدائم ورفض التكيف مع النظام، ما خلق له العديد من العداوات في الوسط الصحفي والثقافي، فقد حاول العمل في صحف مرتبطة بأحزاب مثل الوفد، لكنه اصطدم بعقبات بسبب ميله لمهاجمة من حوله ونشر قصائد هجائية، ما حد من انتشاره أو استقراره المهني في القاهرة آنذاك.

وأوضح الكاتب خيري حسن، جاء الديب من محافظة المنوفية إلى القاهرة، في وقت كان فيه سوق العمل مرتبطًا بالانتماء السياسي والأحزاب، فقد كانت كل صحيفة تتبع حزبًا معينًا، مثل الوفد أو الأحرار الدستوريين، وكان على أي كاتب أو شاعر أن يختار طريقًا متوافقًا مع هذه الانتماءات، إلا أن شخصية الديب المتمردة جعلت له طريقًا مختلفًا، كما أن الظروف الاقتصادية الصعبة جعلت الوصول إلى الاستقرار شبه مستحيل، فقد حاول العمل في الصحافة والثقافة، إلا أن ميله لرفض الانصياع والانخراط في النظام السياسي أو الصحفي المحدد جعله يواجه عقبات مستمرة، مما أثر على مساره المهني وشهرته الأدبية.

 

الشاعر والناقد الاجتماعي

وتابع: لم تكن الكتابة مجرد هواية للديب، بل كانت وسيلته للتعبير عن الظلم الاجتماعي والسياسي، فهجاؤه لم يكن اعتباطيًا، بل كان انعكاسًا للشعور بالاضطهاد والبؤس الذي عاشه، سواء في حياته الشخصية أو في البيئة المحيطة به. وقد ساعده ذلك على تطوير رؤية نقدية حادة، جعلت من شعره أداة للنقد الاجتماعي والسياسي في تلك الفترة، وهذا الميل للهجاء والهجوم كان جزءًا من شخصيته المركبة، التي دمجت بين الموهبة الفنية والشعور المستمر بالاضطهاد، ما أعطى شعره بعدًا نفسيًا واجتماعيًا فريدًا في الأدب المصري الحديث، رغم أن ذلك أدى إلى عزلة اجتماعية ونقدية أحيانًا.

ولفت إلى أن تأتي تجربة عبد الحميد الديب لتسليط الضوء على تأثير الظروف السياسية والاقتصادية على المبدعين. فوجود الاحتلال الإنجليزي والاضطرابات الاقتصادية بين الحربين العالميتين خلق بيئة صعبة، حيث أصبح الشاعر مجبرًا على التأقلم مع القسوة والفقر، وفي الوقت ذاته الحفاظ على قدراته الفنية، وهذا النوع من الظروف يولد شخصية مركبة: موهوبة لكنها متمردة، شاعرة لكنها مستسلمة أحيانًا للبؤس، ناقدة لكنها معزولة اجتماعيًا. وكل هذه العوامل ساهمت في خلق تركيبة فريدة لعبد الحميد الديب، جعلت من سيرته مثالًا على صراع المبدع مع الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي المحيط به.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء